العدد 4569 - الأربعاء 11 مارس 2015م الموافق 20 جمادى الأولى 1436هـ

والدٌ يعيش بكبدِ ابنه... قصةُ إيثارٍ بحرينية

صوّر تفاصيلها فيلم «من أحياها»

الابن والوالد بعد إجراء العملية
الابن والوالد بعد إجراء العملية

قد يتصف شخصٌ بالإيثارِ والتفاني، إلى حدِّ إنقاذ أحد أعزائه من الموت، لو كان بيده سبيلٌ لذلك، ولكن هذا الواقع، وبلاشك، سيختلف حين يكون منطبقاً على الوالدين، ليكون التعامل استثنائياً، ويقدم حينها الإنسان أغلى ما يملك من أجلهما، وحينها سيضرب أروع أمثلة البر بهما، كما قام بذلك الشاب سيد هاشم محمد نعمة، فأنقذ حياة والده وخلّصه من معاناة أعراض مرض الكبد الوبائي التي استمرت سنتين، بعد أن تبرع بثلث كبده لوالده في سبتمبر/ أيلول 2013، وقال لـ «الوسط» بعد أن تماثلا للشفاء: «لو تبرعت له عشر مرات لن أوفي حقه عليّ».

تفاصيل كثيرة تحكي قصة الوفاء التي قام بها الشاب نعمة لإنقاذ والده، صوّرها فيلم «من أحياها» الذي أعدته جمعية المرخ الخيرية الاجتماعية، وشاهده أكثر من 5000 شخص على موقع اليوتيوب.

وافتتح الفيلم بمشهد الأب وهو يقول إنه شعر حينها بأكبر فرحة لا يمكن وصفها، حيث النظرة الأولى له مع ابنه بعد العملية، إذ يسير الابن إلى داخل غرفة أبيه وهو على سرير المرض، ليستقبل ابنه بابتسامة صامتة، نظراً لدواعي المرض، ولكنها تحمل الكثير من السعادة والفرح، ومن ثم يتصافحان، ويتحدثان قليلاً بمعية الممرضة.

ومن ثم يعرض الفيلم أقوال الأب سيد محمد وابنه سيد هاشم وهما يرويان قصة العلاج، فبعد أن عانى سيد محمد الأمرين من أعراض المرض، ذهب للهند والاردن وأكد له الأطباء ضرورة إجراء عملية زراعة للكبد، إلا أن أطباء مستشفى السلمانية لا يقتنعوا بذلك، بحسب ما يقول سيد هاشم.

وينتقل المشهد في الفيلم إلى الوالد سيد محمد الذي يكمل القصة قائلاً: «بعد أن اكتشفت عدم وجود استجابة للأمر من مستشفى السلمانية، اقترضت مبلغاً وتوجهت بحسابي الشخصي إلى اسطنبول، ليقول لي الجراح هناك إنه يجب بعد شهر ونصف أن أحضر مرة أخرى مع أحد الأشخاص ليتبرع بجزء من كبده لك».

وأضاف: «عدت إلى البحرين، على رغم أنني في ذهابي للمرة الأولى لاسطنبول كنت في مرحلة النهاية، إذ تعرضت لنزيف من أسفل جسمي ومن فمي وكنت أتقيأ دماً، ولم أكن أستطيع الجلوس على الكرسي في الطائرة، وبعد أن عدت للبحرين أعطيتهم التقرير واقتنعوا أخيراً وقالوا لي إنه يجب أن تبحث عن متبرع».

وفي فترة البحث عن متبرع، يقول سيد محمد: «أبدى الكثير استعداده إلى التبرع، ومنهم أخي الذي ساعدني كثيراً في البحث، وأفراد عائلتي وزوجتي وأبنائي».

ويضيف: « وقع الاختيار على سيد هاشم وأُجريت لي عملية الزراعة، إذ استغرقت 10 ساعات، وكان ابني في الغرفة التالية بجانبي، وبعد خروجي وضعوني في العناية المركزة لمدة أربعة أيام، وبعدها التقيت به».

ويعرض الفيلم مشاهد لسيد محمد بعد إجرائه العملية، بحضور أخيه الأكبر الذي يسأله عن أحواله، ويشير إليه سيد محمد بيده، تعبيراً عن أن حالته الصحية جيدة، فيما يُعرض مشهداً آخر لسيد هاشم بعد إجرائه العملية وبجانبه صديقه، الذي جاء إليه من البحرين، ويعطيه باقة من الورد.

ويقول سيد محمد: «أعتبر سيد هاشم مثالاً للابن البار لوالديه، وجميع أخوانه لم يقصروا، إذ أبدوا استعدادهم للتبرع، ولكن سيد هاشم أنقذ حياتي وأنا أشكره طوال عمري وجميله فوق رأسي، ولا أنسى العمل الذي قام به».

ويعبّر الوالد عن شعوره أيضاً قائلاً: «أكبر فرحة شعرت بها في حياتي والتي لن أنساها حينما جاء ابني سيد هاشم لي وأنا على السرير في الغرفة بعد العملية والأجهزة على جسمه مع المغذي، فهي فرحة كبيرة لا أستطيع وصفها ولا يمكن نسيانها، لأني وصلت إلى درجة الموت، فرأيته قادماً بعد العملية لأطمئن على صحته، فالحمد لله والشكر له على توفيقه»، كما قدّم سيد محمد شكره لأهالي منطقة المرخ على دعمهم ووقفتهم معه.

سيد هاشم... انهمرت عيناه بالبكاء...

حين رأى معاناة والده وبعد أن أنقذ حياته

يروي سيد هاشم لـ «الوسط» بعضاً من تفاصيل قصة تبرعه بجزءٍ من كبده لوالده، ليبدأ حديثه بحمد الله وشكره بعد أن وقع الاختيار عليه من بين إخوته ليقوم بهذا العمل، معتبراً إياه «أعزَّ وأغلى شيء حصل لي في حياتي، ولو طلبوا مني مرة ومرتين وثلاثاً لما رفضت التبرع لأبي، ولو تبرعت له عشر مرات لن أوفي حقه عليّ».

معاناة والده

وقال سيد هاشم: «لحظة إخباري بضرورة التبرع لم أتردد أبداً لأني كنت أرى معاناة والدي في المرض على مدى عامين، وكان يتقيأ دماً فضلاً عن ترقيده في المستشفى على فترات متباعدة، فهذا الأمر أتعبنا كثيراً في المنزل ولم يكن بيدنا شيء نفعله، وشخصياً كان الأمر محيّراً بالنسبة لي حتى أنني أتساءل قبل النوم عن ما يمكن أن أفعله لأنقذ حياة والدي الذي كانت حالته سيئة جداً، حتى وصل مرضه إلى الحد الذي جعله يوصينا بوصيته».

ويضيف «في المرة الأولى التي ذهبت معه لإجراء فحوصات في تركيا كانت حالته سيئة جداً لحد أنه لا يستطيع المشي، وكنت أساعده في المشي أنا ووالدتي في المطار والطائرة، حتى أن المضيفات انزعجوا من وضعه ولكني تحدثت معهم عن مرضه».

وتابع «أتذكر أيام سوء حالة والدي وكنا نطلب منه نقله لمستشفى السلمانية، ولكنه كان يرفض لعدم وجود فائدة، حتى أننا يأسنا من مستشفى السلمانية لأنهم لم يشخّصوا حالته من البداية بشكل صحيح، ولم نكتشف حاجته للكبد إلا بعد سفرنا إلى تركيا، والأطباء هناك هم الذين نصحوا وزارة الصحة بضرورة إجراء العملية، وكان في الأيام التي سبقت ذهابنا إلى تركيا حالته سيئة جداً. وفي فترة النوم تشتد حالته سوءاً ولا يستطيع النوم ويبكي ويئن من شدة الألم، فنتجمع جميعنا في صالة المنزل ولا نستطيع عمل أي شيء سوى الدعاء له بالشفاء والأطفال جميعهم يبكون من شدة سوء حالة والدتي».

ويضيف «ولأني رأيت معاناته في المرض لمدة سنتين، فلم أكن أتردد وإنما تشجعت لأفعل أي شيء حتى أنقذ والدي من معاناته المريرة».

وضعه بعد العملية

وبشأن وضعه وشعوره بعد إجراء العملية ذكر «بعد انتهاء العملية كنت متعباً جداً، ولا أدرك ما يدور حولي وبالوضع الخارجي، وبعد فترة تحسنت حالتي نسبياً وصرت أستخدم الهاتف قليلاً، فرأيت الأهل والأصدقاء والمجتمع جميعهم كانوا يشيدون بالعمل، وحينها شعرت بأني فعلت شيئاً بطولياً، ولم أكن أتوقع أن يحدث كل هذا، حتى أن صوري شاهدتها في الإنستغرام في حسابات أشخاص لم تكن علاقتي بهم قوية، وشاهدت تضامن الأهل والأصدقاء وأشخاص من الخارج واتصالات ورسائل، فهذا أشعرني بأن ما قمت به يعتبر إنجازاً عظيماً من خلال تفاعل المجتمع ككل مع الحدث. ولهذا كنت سعيداً جداً وفخوراً بذلك».

نظرة الناس

ولدى سؤال «الوسط» له عن نظرة الناس بعد عودته «أشعر بأن نظرة الناس تجاهي اختلفت كثيراً، فأغلبهم أبدوا تقديرهم لما قمت به، ولهذا شعرت بتغير في علاقة الناس بي».

وضعه الصحي

وبشأن وضعه الصحي، قال سيد هاشم: «بعد العملية كنت لا أستطيع حتى المشي وكأني طفل يدربونني على المشي، وهذا حسَّسني بصدمة لأني لم أكن أتوقع أن الوضع سيصل إلى هذا الحد، كما بقيت لمدة خمسة أيام لا أتناول الطعام وإنما كان عليّ المغذي، وبعد الخمسة أيام صرت أتناول الطعام تدريجياً. ولم أتوقع أن يدوم ترقيدي في المستشفى لمدة عشرة أيام من العملية، وحينها بدأ جسمي يعود لطبيعته، مع طلبهم عدم ممارسة الرياضة لمدة 6 أشهر، ولا أذهب للعمل لمدة 3 أشهر».

وأضاف «من بعد العملية ولمدة شهرين، كنت أتناول الأدوية ومنها مسكن لألم الجرح، إذ إني كنت لا أستطيع النوم بسهولة من الألم في أول شهر من بعد العملية، وكان من بين الأدوية دواء لنمو الكبد وبعض الأدوية الأخرى، وبعد العملية بشهر ونصف رجعت أمارس حياتي الطبيعية».

صحة والده

وبشأن صحة والده حالياً أشار سيد هاشم إلى أن «والدي حالياً حالته الصحية ممتازة، ويلتزم ببرنامج غذائي محدد مع أدوية لمدة سنتين، والآن يحتاج لإجراء فحوصات في تركيا كل 3 أشهر ولمدة سنتين من بعد العملية».

أعز شيء في الحياة

ويبدي شعوره الآن قائلاً: «أحمد الله لأنه اختارني من بين إخوتي لإنقاذ حياة والدي، ولو يسألونني مرة ومرتين وثلاثاً لما رفضت التبرع، ولو تبرعت له عشر مرات لن أوفي حقه عليّ، فالله وهبني علاج والدي وكأنه في يدي، وهذا أعزُّ وأغلى شيء حصل لي في حياتي، وأعتبر نفسي محظوظاً لأن من الناس الكثير من يرى والده يعاني الأمرين وينازع مفارقاً الحياة ولا يستطيع فعل شيء».

ويعود ليستذكر صعوبة وضع والده قائلاً: «واجهتنا مواقف ومرحلة صعبة جداً، فتخيل أنك ترى والدك بين الحياة والموت ويوصيك بوصاياه وأنت أمامه لا تستطيع فعل أي شيء، وفجأة يأتي لك الخبر بأن علاجه عندك... هذا موقف من المستحيل أن يتردد فيه الإنسان، وكيف أتردد وأنا الذي كنت أبكي حين يعاني أبي من أعراض المرض ونحن نراه يئن من شدة الألم».

ويختتم «الآن وبفضل الله أولاً ساهمت في إنقاذ حياة والدي، فعندما أراه حالياً بيننا بصحة ممتازة يدور في ذهني تفكيرٌ عن حالته السابقة، فأبكي مجدداً وأحمد الله وأشكره على هذه النعمة».

إلى ذلك، قال رئيس اللجنة الإعلامية بجمعية المرخ الخيرية الاجتماعية سيد علي محفوظ «إن الجمعية كرمت سيد هاشم تعزيزاً لمبدأ التكافل الاجتماعي، ولتعريف المجتمع بأهمية مثل هذه التجارب، مع عمل فيلم مرافق للتكريم لكي ترسخ كل المفاهيم التي مثلها هذا العمل من بر للوالدين وفداء وعطاء وسعي للخير».

سيد محمد: أكبر فرحة شعرت بها في حياتي حينما جاء ابني لي بعد العملية
سيد محمد: أكبر فرحة شعرت بها في حياتي حينما جاء ابني لي بعد العملية
سيد هاشم: لو تبرعت لوالدي عشر مرات لن أوفي حقه عليّ
سيد هاشم: لو تبرعت لوالدي عشر مرات لن أوفي حقه عليّ

العدد 4569 - الأربعاء 11 مارس 2015م الموافق 20 جمادى الأولى 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 21 | 1:47 م

      دمعت عيني

      شعب البحرين كله طيب..مو غريب

    • زائر 20 | 12:16 م

      تحية إكبار للإبن البار

      اهنئ ابو السادة على هذا الإبن الذي يحق له ان يفخر به. حفظكم الله جميعا وعافاكم من كل سوء وشافاكم.

    • زائر 19 | 6:45 ص

      بارك الله فيك وفي الشاب علي العلم

      فعلا انتم تاج على الرأس ياسيد وكما قرأنا قبل عام مثل القصة عن الشاب علي العلم الذي تبرع ب 65 بالمئة الى والده اليوم تتكرر ولاكن عن شاب آخر أسأل الله أن يحفظكم ويرزقكم على نياتكم لأنكم فعلاً تاج على رؤسنا والدنيا لازالت بخير

    • زائر 18 | 5:25 ص

      هذا رزق من الله

      الله رزقك ان تبر بوالدك و تحصل على الاجر

    • زائر 17 | 4:19 ص

      الله يطول لكم في عمر الوالد

      ليت كان لنا الخيار في ابقاء والدي حي ولم يرحل عنا
      قصتك ذكرتني بوالدي
      البيت من غير الام والأب لا يحتمل
      رحل العز عنا
      الله يرحمك يا يبئ.

    • زائر 16 | 3:51 ص

      الحمد لله اجر وعافية

      الحمدلله مازالت الدنيا بخير بر الوالدين شيئ عظيم . شكرا على هذه التضحيات من أعماق القلب .

    • زائر 15 | 3:42 ص

      الحمد لله

      بالامس قرانا عن سجن شخص اعتدا على والده بسكين وتم سجنه ، واليوم نقرا مثل هذا الخبر ، حقاً انهُ البر بالوالدين ،

    • زائر 14 | 3:21 ص

      شكراً

      نأخذ من هذه القصة عِبَر في
      الإنسانية
      التربية الحسنة
      العطاء الا محدود
      التضحية الحقيقية
      الوفاء
      بر الوالدين
      والكثير الكثير، شكراً على هذه الدروس التي قدمتها لنا بالمجان، وشكراً للصحفي على نشر هذه الحكاية التي يجب أن تكون في مناهج مدارسنا يستلهم منها الصغير والكبير.

    • زائر 13 | 2:25 ص

      بنت عليوي

      ما شاء الله، ونعم الأبن ونعم التربيه ألف حمد الله على سلامتكم

    • زائر 12 | 2:17 ص

      زائرة

      إنه العطاء اللامشروط .. تأثرت جدا

    • زائر 11 | 2:13 ص

      ماشاء الله

      الحمدلله على سلامتكم و الله ايباء و كرامة يفتخر فيها المجتمع كلة ، بارك الله فيك يا سيد هاشم والله يشافيك يا سيد محمد

    • زائر 10 | 1:31 ص

      تحية ملؤها الورد

      نعم الإبن البار الخلوق.. موفقين سيد

    • زائر 9 | 1:30 ص

      يحفظكم ربي من كل سوء .

      الله يعطيكم الصحة والعافيه , هاي الاخبار العدلة مو ذاك الي رافع سجين على أبوه يا دافع البلاء . وأساس التربيه الصحيحة ولقمة الحلال هي من تتدخل بهالامور .

    • زائر 8 | 1:14 ص

      هنيئا لك

      ادمعت عيني وانا اقرا المقال هنيئا لك بهذه الابناء

    • زائر 7 | 1:12 ص

      سيد هاشم مثال الابن البار لوالديه

      مازلت ابكي وانه اقرا المقال احد يعطيني كلينكس

    • زائر 6 | 12:53 ص

      الحمد لله على سلامتكم

      لم أتمالك نفسي ودمعت عيناي
      وان شاء الله يا سيد هاشم يبرونك أبنائك مثل ما بريت بوالدك
      ودمتم بألف خير و ألف الحمد لله على سلامتكم
      أم الساده

    • زائر 5 | 12:33 ص

      الله يتقبل

      اسال الله ان يتقبل منك هذه التضحية يا سيد هاشم

    • زائر 4 | 12:30 ص

      ادمعت عيني كثيرا

      لم اتمالك نفسي..
      ادمعت كثيراً..

    • زائر 2 | 11:43 م

      نعم الابن البار

      دمعت هيناي وانا اقرأ المقال فكيف وان شاهدت الفلم

    • زائر 1 | 11:13 م

      الحمد لله على سلامتكم

      ليس غريبا عليكم ياشعب البحرين الاصيل ان تجودو بانفسكم من اجل انقاد حياة المقربين منكم والاخرين ،فالعمل اللذى قمت به عملا يحبه الله ورسوله (ص)وخصوصا لاقرب المقربين والدك العزيز فاسال الله لكما دوام الصحة والعافيه وان يتقبل الله منك هذا العمل الطيب بقبول حسن وان يحفظ لك والديك .
      والجود بالنفس اقصى غاية الجود

اقرأ ايضاً