العدد 4642 - السبت 23 مايو 2015م الموافق 05 شعبان 1436هـ

دولة القانون أم دولة الأخلاق؟

عباس المغني abbas.almughanni [at] alwasatnews.com

عندما نفشل في تنظيم حياة المجتمع بالمحبة، فإن الحل البديل هو تنظيم الكراهية وهو ما نسميه القانون والديمقراطية.

المحبة هي المنظمة لدولة الأخلاق والتي تتضاعف فيها مساحات الجمال كل دقيقة. وعندما تغيب المحبة، فإن دولة القانون هي البديل للحفاظ على أدنى مساحات الجمال في الحياة.

للتوضيح، عندما يتشاجر الأطفال، فإذا كانت المحبة هي التي تنظم العلاقة بين الآباء، فإنهم سيحلّونها بشكل ودي، وكل طرف سيحرص على حفظ حقوق الآخر، برضا ينبع من القلب. أما إذا اختلف الآباء، وكل واحد يريد تخطئة أو ضرب ابن الآخر، فهنا تغيب المحبة وتظهر الكراهية، وبالتالي يكون هناك خياران، الأول هو تجسد الكراهية بحيث يتصارع الآباء بالسكاكين والأخشاب، والخيار الثاني: هو تنظيم الكراهية من خلال التعامل مع المسألة قانونياً بحيث يذهب أحد الآباء إلى مركز الشرطة ويقدّم بلاغاً.

والخيار الأول المتمثل بتصارع الآباء هو تدمير لكل مساحات الجمال في علاقاتهم الاجتماعية، أما الخيار الثاني المتمثل بالمعالجة القانونية، فإنه يحافظ على أدنى مساحات الجمال في علاقاتهم الاجتماعية. وعندما يكون الحكم باسم القانون لصالحك، فإننا نخضع أو نقبل بالحكم ظاهرياً، أما باطنياً تظل الكراهية في القلب، لكنها مكبلة بالقانون، وكذلك العكس.

ودولة الأخلاق هي دولة الأحرار، لأن سلوك الإنسان فيها يكون نابعاً من القلب، من ذاته، أما دولة القانون فهي دولة العبيد، لأن سلوك الإنسان فيها يكون نابعاً من الخوف من العقاب والخوف من شيء خارج ذاته. فمثلاً، سائق السيارة في دولة الأخلاق، يتوقف عندما تكون الإشارة حمراء، لأنه يحب أن تستقيم الحياة ويرى جمال التنظيم في الحياة (وهذه قمة الاحترام لنظام المرور)، أما سائق السيارة في دولة القانون فيتوقف عندما تكون الإشارة حمراء خوفاً من المخالفة المرورية وخوفاً من القانون وما يحمله من عقاب، وبالتالي هذا الإنسان عندما يشعر بالأمان وبغياب شرطي المرور والكاميرا، فإنه يتجاوز الإشارة وهي حمراء دون أدنى احترام. وهناك فرق كبير بين أن احترم إشارة المرور لأني أحب جمال النظام وانتظام الحياة، وبين الالتزام بإشارة المرور خوفاً من العقاب.

ودولة الأخلاق غاية نحقّقها في آخر الطريق، أما دولة القانون فهي وسيلة ارتقاء أو هدف ضمن «مسيرة التطور»، ونحقّقها في منتصف الطريق.

الإنسان في مسيرة تطور، من الفوضى إلى النظام (القانون)، ثم الأخلاق. فالمجتمعات التي تعيش فوضى فهي بحاجة إلى قانون ينظم الحياة فيها، وتصبح فيها المطالبة بالقانون وتطبيقه أمراً ضرورياً، أما المجتمعات التي ارتقت أخلاقياً فهي ليست بحاجةٍ إلى قانون.

إذا كان المجتمع يعاني من انتشار السرقة والغش والاعتداءات...إلخ، فهذا المجتمع بحاجةٍ إلى قانون يستخدم قوة العقاب لردع السرقة والغش وغيرها من أفعال شريرة، للحفاظ على أدنى مساحات الجمال في الحياة. أما إذا كان المجتمع يتمتع بالصدق والأمانة والإخلاص والحب، فليس هناك حاجةٌ للقانون، لأن في هذا المجتمع لا وجود للسراق ولا للمعتدين وأشباههم، وكما يقال: «الأخيار لا يحتاجون إلى قانون يجبرهم على فعل الشيء الصحيح». بل يصبح القانون عبئاً ثقيلاً في دولة الأخلاق، وفي كثير من الأوضاع تكون فيها المسئولية القانونية متعارضةً مع المسئولية الأخلاقية.

وأنت أيها الإنسان تعيش في دولتين، دولة الأخلاق وهي في قلبك، ودولة القانون وهي في عقلك، فاختر أي دولة تريد أن تعيش فيها. أنت حرٌ في اختيارك، عندما تسرق ستعيش في دولة القانون، وعندما تكون أميناً ستعيش في دولة الأخلاق.

إقرأ أيضا لـ "عباس المغني"

العدد 4642 - السبت 23 مايو 2015م الموافق 05 شعبان 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 4 | 7:19 ص

      بين مجتمع الأخلاق و القانون

      فعلا "إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبو"..حينها لاينفع قانون و لا دين و لا عرف و لا ........فالخلق الكريم سجية طبعت عليها النفوس فلا تجد ذا لب ينأى بنفسه لأن يكون خلوقا لأنه يريد إستقامة الحياة و استمرارها بما لا ينكد عليه حياته من سيئي الأخلاق و كم هم كثيرون لا يكادون يحصون و الله المستعان.....

    • زائر 2 | 3:40 ص

      لا هذا ولا ذاك

      لا حظت برجيلها ولا خذت سيد علي

    • زائر 1 | 11:33 م

      صج دولة القانون الهروب من العقاب بقوله القانون لايطالنا ولايطالكم

      بس الفقير يجرجر للمحاكم وتحت التعذيب وسجن مؤبد والسارق والمجرم لايطاله القانون.

اقرأ ايضاً