العدد 4784 - الإثنين 12 أكتوبر 2015م الموافق 28 ذي الحجة 1436هـ

على هامش المؤتمر الدوليّ لحفظ التراث المخطوط

وسام السبع wesam.alsebea [at] alwasatnews.com

مرّ في خاطري وأنا أتابع فعاليات المؤتمر السنوي الدولي الثاني لحفظ التراث والمخطوط وإحيائه المنعقد في العراق في الفترة 4 - 5 أكتوبر/ تشرين الأول 2015 (22 - 21 ذي الحجّة 1436هـ) مقولة للخطيب البغدادي (ت 463 هـ) رددها من بعده أجيال المؤرخين العرب: «إن الصناعة بالبصرة والفصاحة بالكوفة والخير في بغداد».

فعلى مدى يومين، احتضنت العتبة العباسية المقدسة في مدينة كربلاء وفوداً علمية من ثلاث عشرة دولة بما يزيد على 85 شخصية من خارج العراق و400 شخصية من العراق عرضوا خلالها عصارة الخبرة والتجربة العلمية لبلدانهم في مجال التعامل مع التراث الثقافي الإنساني المخطوط وسبل جمعه وحفظه وإحيائه، وكان حدثاً علمياً متميزاً وفقت في الاستعداد له وترتيبه مكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية وشارك فيه العشرات من الكوادر العلمية والأكاديمية العراقية من مختلف الجامعات ومراكز البحث مثلت جميع محافظات الجمهورية.

انعقاد المؤتمر الذي حمل شعاراً مستوحى من حديث للإمام جعفر الصادق (ع): (احتفظوا بكتبكم فإنّكم سوف تحتاجون إليها) جاء في ظرف أمني وسياسي عصيب يمر به العراق والعالم الإسلامي ويتهدد التراث الحضاري للشعوب العربية، ويأبى العراق إلا أن يقدّم نفسه كبلد ريادي ملتزم بمسئوليته الحضارية في الذود عن الكيان الحضاري للعالم الإسلامي، متحدياً بذلك كل مظاهر الخراب والهمجية التي طبعت تاريخه الحزين منذ الغزو المغولي المرعب في منتصف القرن السابع الهجري وإلى تخوم القرن الواحد والعشرين حيث كوارث دولة الخليفة البغدادي ومجازرها الدموية التي تهدد استقرار العالم.

والعتبة العباسية المقدسة في كربلاء وحدها تُعد بحق مركزاً علمياً ومتحفاً إسلامياً يضم آلاف الوثائق التاريخية ونفائس المخطوطات، ومكتبتها تضم 5 آلاف مخطوطة منها ما يربوا على 600 مخطوطة قرآنية بين مصاحف كاملة ومجموعة سور وآيات يعود بعضها إلى العصر العباسي والعهد الصفوي والقاجاري والتيموري، وهي تُعد من أنشط المراكز العلمية في العراق وأكثرها غزارة في الإنتاج العلمي وهو ما يظهر في كم ونوعية الفعاليات التي تقيمها على مدار العام.

كربلاء مدينة عاطفية يغمرها حزن قديم كثيراً ما يعبر عن نفسه في سلوك العراقيين الذي يفيض بالرقة والمحبة ويستولي على كيانك بالكامل، لكن كربلاء أيضاً مدينة طموحة وشديدة الجدّية، ولديها عقل متوثب ميّال للأدب والشعر ومختلف ضروب المعرفة، فالعراقيون عشّاق علم و روّاد معرفة، يستندون على موروث حضاري عمره آلاف السنين، وإلى اليوم فإن بعض مظاهر الفقر التي تتسربل به بعض الأحياء لم تحجب مشاهد المكتبات ولا تراجعت عن أرصفتها وأزقتها الضيقة أكوام الكتب التي أبلتها الأيدي وتهرّأت أطرافها لطول الترحل ومشقته.

مؤتمر التراث المخطوط الذي من المقدّر له أن ينعقد مرة كل سنتين واحد من الأعمال الجليلة الرائدة التي تضطلع بها الأمانة العامة للعتبة العباسية وهو يترجم رؤية استراتيجية طموحة وبعيدة المدى تعطي للاسثتمار في العلم أولوية بالغة.

من الصعوبة بالطبع إعطاء صورة متكاملة عن الأبحاث الغنية التي قُدمت في هذا الحدث الكبير، فعدد الأبحاث المشاركة - بحسب ما أعلنته اللجنة التحضيرية للمؤتمر - بلغ 58 بحثاً، قُبل منها 43 بحثاً نُشرت ملخصاتها في كتاب تم توزيعه في اليوم الأول، لكن من أكثر الأبحاث أهمية وتميزاً بحثٌ بعنوان: (مكتبات أصفهان وفهارسها عبر القرن الماضي وبعض ما فيها من مخطوطات) للباحث الشيخ مجيد هادي زاده من إيران، حيث أوضح مسيرة الفهرسة والمخطوط في مدرسة أصفهان العلمية ومكتبتها طوال ألف سنة أو أكثر، وقدّم تعريفاً بهذه المكتبات وتعريفاً بفهارسها وأهمّ مخطوطاتها.

وورقة عمل من الهند قدمها أحمد علي تحت عنوان: (مقدمة إلى المخطوطات العربية النادرة في متحف سالار جنك)، قدّم فيه تعريفاً بالمتحف وبما يحتويه من مخطوطات نادرة في مختلف العلوم الإنسانية والعلمية وبلغاتٍ عديدة.

ومن الأبحاث المتميزة أيضاً ما قدمه المؤرخ العراقي يوسف الهادي بعنوان: (مخطوطة جديدة عن الرواية البغدادية للغزو المغولي للعراق) والعشراث من الأبحاث القيمة.

ولقد تضمن البيان الختاميّ توصيات نادت بضرورة العمل على تأسيس موقعٍ إلكترونيّ خاص بمصوّرات المخطوطات والوثائق الإسلامية يُعمل على جمعها من جميع أنحاء العالم وإتاحتها للباحثين والمحقّقين وفق أسس تعاملٍ دولية.

والعمل على إقامة دورات مهنية متخصّصة في التحقيق والترميم والفهرسة بالتعاون مع المؤسّسات والمراكز المتخصّصة في هذا المجال ضمن بروتوكولات عملٍ فعالة.

ومفاتحة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي للاعتماد على مواد التحقيق والترميم والفهرسة ضمن المناهج المقرّرة للدراسات الأوّلية والعُليا في الجامعات وكلٌّ بحسب التخصّص المناسب لها.

والعمل على تأسيس معهد أكاديميّ متخصّص بالتراث المخطوط يمنح شهادات رسمية في هذا المجال وبالتعاون مع المعاهد الدولية المناظرة.

ومدّ جسور التعاون الثقافيّ بين المؤسّسات الدولية المختصّة في مجال التراث المخطوط خدمةً للباحثين والمهتمّين من أهل الاختصاص.

والسعي إلى إصدار مجلّة تراثية تعنى بالتراث المخطوط وتكون ذات طابعٍ دوليّ. وتفعيل مشروع النشر المشترك بين مكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسيّة المقدّسة والمراكز الدولية المهتمّة بالتراث.

وأخيراً، السعي إلى عمل موقعٍ إلكتروني على الشبكة العنكبوتية يهتمّ بشئون العاملين بالتراث تحقيقاً وفهرسةً وترميماً كأسمائهم ودولهم وسيرهم الذاتية وأعمالهم الشخصية وكل ما يخصّ النشاط التراثي لهم.

عندما سأل الإمام الشافعي (ت 204هـ) صاحبه يونس: يا يونس أدخلتَ بغداد؟ قال: لا ... قال يا يونس ما رأيت الدنيا ولا رأيت الناس». يسري منطق الشافعي على عراق اليوم وهو يصارع من أجل البقاء والتشوف نحو المستقبل والنهضة الحضارية، نهضته ونهضة الأمة العربية والإسلامية وإرثها الثقافي الإنسانيّ وكرامتها التي مرغتها الطائفية في تراب الجهل وأوحال التخلف وتآمر الأشقاء.

إقرأ أيضا لـ "وسام السبع"

العدد 4784 - الإثنين 12 أكتوبر 2015م الموافق 28 ذي الحجة 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً