العدد 4816 - الجمعة 13 نوفمبر 2015م الموافق 30 محرم 1437هـ

صنقور: المراجعة الدائمة للحسابات والرفق وسعة الصدر وسائل ناجعة تساس بها الأوطان

الشيخ محمد صنقور
الشيخ محمد صنقور

قال الشيخ محمد صنقور -في خطبته بجامع الإمام الصادق (ع) في الدراز أمس (الجمعة)- «إنَّ التَروِّي والأناةَ والمراجعةَ الدائمةَ للحساباتِ والرفقَ وسَعةَ الصدرِ والترفُّعَ عن صغائرِ الأمورِ وكبحَ النفسِ عن الاسترسالِ في الغيظِ والتشفِّي والانتقامِ هي الوسائلُ الناجعةُ التي تُساسُ بها الأوطانُ».

وفي خطبته، قال صنقور: «إن الحقوق الأساسيَّة للإنسانِ غيرُ قابلةٍ للجعل والتشريع، فهي قضايا يُدركُها الإنسانُ بفطرتِه وتقتضيها طبيعةُ خلقِه وتكوينِه باعتبارِه كائناً له مشاعرُ ومداركُ ويتقوَّمُ بقاؤهُ وتكاملُه على أساسِ وجودِه ضِمنَ مجتمعٍ مِن بني جنسِه، هذه هي المناشئُ الثلاثةُ التي نشأ عنها ادراكُ الإنسانِ بفطرتِه الحقوق الأساسيَّة، ولذلك فالحقوقُ الأساسيَّة للإنسانِ غيرُ قابلةٍ -كما ذكرنا- للجعلِ والتشريعِ، فهي ثابتةٌ بقطعِ النظرِ عن الشرائعِ والاعتباراتِ، ولهذا يُدركُ الإنسانُ بفطرتِه معنى الظلمِ ويستقبحُه ويستبشعُه بقطعِ النظرِ عن الشرائعِ، ولا يُمكنُ تعقُّلُ معنى الظلمِ ما لم تكنْ ثمةَ حقوقٌ يكونُ التعدِّي عليها والتجاوزُ لها ظلماً، فالحقوقُ الأساسيَّةُ من القضايا الفطريَّةِ غيرِ الخاضعة للاعتبارات والتشريعات، ولذلك حينَ جاءَ الإسلامُ لم يأتِ لتشريعِ الحقوقِ الأساسيَّةِ للإنسانِ، وإنَّما جاءَ لتأكيدِها وبلورتِها وتأصيلِها نظريَّاً والدفاعِ عنها وحمايتِها عمليَّاً، ولهذا لما أرادَ القرآنُ المجيدُ التعريفَ بالنبيِّ الكريمِ (ص) وصفَه بقوله: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ» إلى أنْ قال: «وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ» فإحدى أهمِّ الوظائفِ التي بُعثَ النبيُّ (ص) لأدائِها هي رفعُ الإصرِ والأغلالِ التي كانتْ تُثقلُ من كاهلِ البشريَّةِ؛ نتيجةَ ظلمِ وتعسُّفِ ذوي القوةِ والنفوذِ للمستضعفينَ من الناسِ، فالإسلام جاء للدفاع عن حقوق الإنسان والحماية لها، ولم يأتِ لتشريعها لأنَّها مشروعة بذاتِها».

وأضاف «كذلك نلاحظُ أنَّ القرآنَ الكريمَ حينَ يكون بصددِ الحديثِ عن حقٍّ من الحقوقِ الأساسيَّةِ للإنسانِ، فإنَّه يُضيفُ هذا الحقَّ للإنسانِ بوصفِ كونِه انساناً بقطع النظر عن دينِه وهويَّتِه، فالحقوقُ الأساسيَّةُ في الخطابِ القرآني مِنحةٌ إلهيَّةٌ مجعولةٌ من قِبلِه تعالى بالجعلِ التكوينيِّ لمطلقِ الإنسانِ، وذلك هو سرُّ فطريَّةِ هذه الحقوقِ؛ أي هي سرُّ إدراك الإنسانِ بفطرتِه لهذه الحقوقِ، وهو سرُّ إدراكِه أنَّ التجاوزَ لها أو الانتقاصَ منها يُعدُّ ظلماً مُستقْبَحاً، فمثلاً نجدُ القرآنَ حين يتحدثُ عن كرامةِ الإنسانِ وهي من الحقوقِ الأساسيَّةِ، فإنَّه يُضيفُ هذا الحقَّ للإنسانِ بوصفِ كونِه انساناً بقطعِ النظرِ عن كونِه يُؤمن باللهِ تعالى أو يجحدُ بربوبيَّتِه، يقولُ تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» فالتكريمُ الممنوحُ من اللهِ تعالى لا يختصُّ به المؤمنُ باللهِ تعالى بل هو لمطلقِ بني آدم، وكذلك فإنَّ حقَّ الانتفاعِ من البرِّ والبحرِ، وحقَّ التنقُّلِ في البرِّ والبحرِ، وحقَّ الاستفادة من طيباتِ الدنيا كلَّها من الحقوقِ الأساسيَّةِ، وقد أضافَها القرآنُ لمطلقِ بني آدمَ بقطعِ النظرِ عن الدينِ والهويَّة، وكذلك نجدُ القرآنَ حين يتحدَّثُ عن حقِّ الإنسانِ في الحياةِ وبشاعةِ التعدِّي على هذا الحقِّ نجدُ أنَّه يُضيفُ هذا الحقَّ لمطلقِ الإنسانِ، يقولُ تعالى: «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا» فالآيةُ تحضُّ ليس على عدمِ التعدِّي على حياةِ الناسِ وحسب، بل على تأسيسِ ما من شأنِه الحمايةُ لحياةِ الناسِ، ونلاحظ ُانَّ الآيةَ نزَّلتْ القتلَ لإنسانٍ واحدٍ بقطعِ النظرِ عن دينِه وهويَّتِه منزلةَ القتلِ لكلِّ الناس، تعبيراً عن بشاعةِ هذا الفعلِ وشناعتِه».

وواصل صنقور «كذلك نجدُ القرآنَ في آياتٍ كثيرةٍ حينَ يتحدَّثُ عن حقِّ الانتفاعِ بمواردِ الأرضِ وخيراتِ السماءِ والذي هو من الحقوقِ الأساسيَّةِ، يؤكد أنَّ هذا الحقَّ منحةٌ إلهيَّة لكلِّ بني الإنسان، يقولُ تعالى يخاطبُ بني الإنسانِ: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَات رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ»، ومن هذا البيانِ نخلُصُ إلى انَّ الحقوقَ الأساسيَّةَ للإنسانِ لا يكونُ الوجوبُ لرعايتِها خاضعاً للالتزامِ العقدي أو عدمه بالعهودِ والمواثيقِ، بحيثُ يكونُ غيرُ المُتعهِّدِ بالالتزامِ في سعةٍ من جهةِ الرعاية لحقوقِ الإنسانِ وعدمِ الرعاية، بل إنَّ كلَّ أحدٍ فهو مًلزمٌ عقلاً وشرعاً وعقلائياً بالرعايةِ لحقوقِ الإنسانِ سواءً تعهَّدَ أو لم يتعهَّد. وتظلُّ هذه الحقوقُ حقوقاً يقبحُ التعدِّي عليها أو الانتقاصُ منها سواءً تمَّ التشريعُ لها أو التنكُّرُ لشرعيتِها».

وأوضح صنقور أنَّ هناك قواعد يكون حضورها في الذاكرة ضرورياً ونافعاً لاحترام حقوق الإنسان، «القاعدة الأولى: إنَّ مقياسَ التأريخِ والأممِ والعقلاءِ على اختلافِ مشاربِهم في التمييز بين الدولةِ الراشدةِ والمجتمعِ الراشدِ والفردِ الراشدِ وبينَ غيرِ الراشدِ، هو الرعايةُ والاحترامُ لحقوقِ الإنسانِ، فبمقدارِ الرعايةِ للحقوقِ يتحدَّدُ مقدارُ الرُشدُ، وبمقدارِ الابتعادِ عن الرعايةِ للحقوقِ يتحدَّدُ مقدارُ الابتعادِ عن الرُشد، القاعدة الثانية: إنَّ الالتزامَ عمليَّاً بحقوقِ الإنسانِ لا يمكنُ تحققُّه مالم يكن ثمة إيمانٌ صادقٌ وحقيقيٌّ بحرمةِ الإنسانِ وضرورةِ الرعايةِ والاحترامِ لحقوقِهِ، فما لم تكن الحالُ كذلك فإنَّ ذا اليدِ والنفوذِ لن يُعدمَ وسائلَ التحايلِ والتنصُّلِ والالتفافِ على الالتزامِ العمليِّ بالحقوق. فمجردُ التشريعِ أو التعهُّدِ غيرُ كافيينِ للالتزامِ العمليِّ بالحقوقِ مالم يكن ثمةَ ايمانٌ وادراكٌ في ذاتِ الوقتِ بأنَّ الالتزامَ بالحقوقِ هو طريقُ النجاحِ والتنميةِ والاستقرار. القاعدة الثالثة: إن ممَّا يساعدُ على تجشُّمِ عناءِ الرعايةِ والاحترامِ لحقوقِ الإنسانِ، هو أن يُصوِّرَ الإنسانُ نفسَه في موقعِ الآخر، ويسألُ نفسَه صادقاً كيف يُحبُّ أن يعاملَه الآخرُ لو كان في موضعِه. وهذا هو مؤدَّى النصوصِ الدينية التي أفادتْ بأنَّ نظامَ الحياةِ يقومُ على خصلتينِ: انصافُ الناسِ من نفسِك ومواساتُك لإخوانِك، القاعدة الرابعة: إن سبيلَ البناءِ لمجتمعٍ متماسكٍ قادرٍ على الإنتاجِ والتجاوزِ للتحدِّياتِ والتفهُّمِ للأزماتِ الطارئةِ والوقوفِ صفاً واحداً في مواجهةِ الأخطار، إنَّ سبيلَ البناءِ لمجتمعٍ تلك هي سماتُه لا يتمُّ إلا بالرعايةِ لحقوقِ أبنائِه على قَدَمِ المساواة، فالتمييزُ يُنتجُ التباغضُ والتمزُّقُ، وهو المولِّدُ للكياناتِ القائمةِ على أُسُسٍ غيرِ وطنيَّة، كما إنَّ الحرمانَ من الحقوقِ أو بعضِها أو الانتقاصَ منها يحولُ دون قدرةِ المحرومينَ على الانتاجِ، فالمحرومُ لا يُفكِّر إلا في تحصيلِ حقوقِه، وبذلك يكونُ الحرمانُ أحدَ أهمِّ الأسبابِ التي نشأ عنها ما تعاني منه مجتمعاُتنا من شللٍ فيما يُسمى بالمواردِ البشرية، القاعدة الخامسة: إنَّ أيَّ دولةٍ أو كيانٍ حريصٍ على رعايةِ وحمايةِ حقوقِ الإنسانِ، فإنَّه يحرصُ على أنْ يكونَ روَّادُه وموظفوه ممَّن يَحترمونَ واقعاً حقوقَ الإنسانِ، بحيثُ يرونَ التجاوزَ أو الانتقاصَ لأيِّ حقٍّ من حقوقِ الإنسانِ جريمةً يَربأُونَ بأنفسِهم عن اجتراحِها».

وخلص صنقور إلى أنَّ «أكثرَ الناسِ حرمانًا من الحقوقِ الأساسيَّةِ هو السجينُ، فهو محرومٌ من أبسطِ الحقوقِ التي يَنعمُ بها الطليقُ في مأكلِه ومشربِه وملبسه ومنامِه وخصوصياتِه وتحرُّكِه وتنقُّلِه وعلاقاتِه وتعلُّمِه واسترزاقِه وغير ذلك، ولهذا تكونُ ظلامتُه أشدَّ حين لا يكونُ منشأُ اعتقالِه هو تعدِّيه على حقوقِ الآخرين، فالمنشأُ الوحيدُ المصحِّحُ عند العقلاءِ لاعتقالِ الإنسانِ وحرمانِه من أبسطِ الحقوقِ التي ينعمُ بها الطليقُ، هو قيامُ البرهانِ الواضحِ على اجتراحِه جريمة التعدِّي على حقوقِ الآخرينَ، فإنَّ ذلك هو ما يُصحِّح لدى العقلاء حرمانَه لتأديبه من بعضِ حقوقه. وما عدا ذلك يكون من الظلمِ البيِّنِ وخصوصاً إذا كان منشأُ الاعتقالِ هو مطالبتُه بحقوقِه أو ممارستُه حقوقِه المشروعةِ، فإنَّ ظلامتَه في مثلِ هذا الفرضِ تكونُ أشدَّ، ولهذا يستهجنُ العقلاءُ الاعتقالَ لمجرَّدِ التعبيرِ عن الرأي أو الممارسةِ لحقِّ النقدِ أو المطالبةِ لحقٍّ من الحقوقِ بالوسائلِ السلميَّةِ، فإنَّ الاعتقال لواحدٍ من هذه الأسبابِ يُعدُّ بنظرِ العقلاءِ من الاعتقالِ التعسُّفيِّ الذي لا تَشفعُ في تسويغِه مختلفُ التكييفاتِ والذرائعِ المعهودة».

العدد 4816 - الجمعة 13 نوفمبر 2015م الموافق 30 محرم 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 3:05 ص

      اريد

      اريد اعرف ماذا استفادة حكومة البحرين بزج الشيوخ والرموز والشباب والشابات والاطفال بالسجون هل قدرت ان توقف الحراك والخسائر الي صرفته على السلاح لضرب الشعب مو اولا تصرفه على الشعب الغلبان المستضعف لماذا هاده العناد لماذا هاده التعنتر نصيحه اليكم محد راح ينفع البلد اله المواطن الاصلي
      وتركوا عنكم الاجانب الي ماوراهم الى المتاعب
      والله ياخد الحق

    • زائر 1 | 3:00 ص

      صراحة

      البحرين غريبه ويه المعامله ويه الناس البحرينيين يعنى اجيب الاجنبي وتعطيه سكن وراتب وسيارة وراتب اخر سنه يسمونه راتب غربه والمواطن اذا خرج الى الشارع يطالب بحقه يعتبرونه خائن للوطن اى معضله هادى يتخدونها بس عشان انهو يحمل .... لماذا هادى النضره السطحيه لماذا لاتتركون عنكم الطائفيه والتمييز وتعطون الناس حقوقها لانها اولا من الاجنبى اللهم فرج عن المستضعقين

اقرأ ايضاً