العدد 5042 - الأحد 26 يونيو 2016م الموافق 21 رمضان 1437هـ

الشيخ أحمد بن سعود السيابي

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

قبل فترة حَظيت بلقاءٍ «ثَرِي» مع قامة من قامات التاريخ والشريعة. إنه الشيخ أحمد بن سعود السيابي، أمين عام مكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف والشئون الدينية بسلطنة عُمان الشقيقة. تكرَّم الرجل فَمَنَحني ساعة ونصف من وقته. وقد كان ذلك الزمن بحق يُساوي حزمة من الكتب، كونك تنهَل من فيضٍ إجابات كلما وجَّهْتَ لها راحة السؤال تبلَّلت بدراية غزيرة فَغَار الظمأ وحل الارتواء.

أهم ما لفتني في سعادة الشيخ السيابي (بعد تواضعه الجم وخلقه الرفيع ونقاء سريرته) أنه حائز أهم ثلاثة أمور: التاريخ السياسي والجغرافي للمنطقة منذ العصور الغابرة حتى المتأخرة، ثم علوم الشريعة عقيدة وأصولاً وفقهاً وسيرة، وأخيراً قدرته على ربط كل تلك الأشياء ليقدِّم لك صورة واضحة لتساؤلاتك، ببيان ولغة علمية متماسكة، يرفدها قوة الاستحضار ودقة الاستشهاد. وقد ساعدني ذلك كثيراً في أن أسبر الكثير من غور ما أكتبه في هذه الفترة.

تحدث عن التاريخ وعن الصراعات التي جرت في هذه المنطقة خلال العصور الماضية. وقد كان الشيخ محيطاً بتفاصيل الأحداث والقوى الفاعلة فيها من دول ومجتمعات وقبائل وأفراد، حتى ليتراءى لك أنك تشاهد مقطعاً زمنيّاً متحركاً. كما جرى الحديث عن الأديان والمذاهب وما أجمل أن تتحدث مع عُماني في هذا المجال. فهو غير مسكون بشيء اسمه «التبشير المذهبي» لذلك لا تستطيع إلاّ أن تُكبِرهم عليه. وقد تكشَّف لي أن هذا الأمر ليس أمراً طارئاً بل هو متجذِّر فيهم.

وهنا، من المهم أن أذكر حادثة هنا تؤكد ذلك،، وهي أنه وفي العام 1995، وخلال زيارة وفد برئاسة المُفتي العام لسلطنة عُمان سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، لحضور افتتاح مسجد في زنجبار حيث الجزيرة الخضراء هناك، جاء نائب الرئيس التنزاني (آنذاك) عمر علي جمعة، فقال شهادةً في كلمته أثناء الافتتاح «إن العمانيين حَكَمونا على مدى قرون (312 عاماً)، ولو أرادوا أن يُحوِّلونا عن مذاهبنا إلى مذهبهم الإباضي لاستطاعوا؛ كونهم حكاماً، لكنهم لم يفعلوا، بل وزادوا على ذلك، بأن بنوا لنا المساجد ووقفوا لها الأوقاف.

لذلك كانت مدرسة العمانيين الدينية ومازالت حتى اليوم تتَّسم بأنها سياسة عَرْض وحسب، لا تبشير فيها ولا تضليل للآخر ولا تكفير ولا تخطئة له، وإلاّ لَكَانت قطاعات واسعة من سكان كينيا وتنزانيا وأوغندا وجيبوتي وإريتيريا وإثيوبيا والصومال ومدغشقر ومالاوي وجزر القمر وموريشوس وأطراف من إيران وباكستان والخليج تدين بمذهبهم عندما سيطرت دولة اليعاربة على الشرق والغرب وهي في أوج قوتها التي قَهَرَت حتى البرتغاليين أعتى القوى آنذلك، لكنَّ ذلك لم يحصل.

ولِمَن رامَ الإنصاف فإن المدرسة الدينية العُمانية وعند التعمُّق فيها سيرى أنها مدرسة «توفيقية» بين كل هذه المذاهب الإسلامية، فتراها حالة وسطية. فهم يأخذون في مصادرهم الأصلية بالكتاب والسُّنَّة، في الوقت الذي يأخذون بالإجماع ولهم فيه تفصيل، إذْ ومن باب التجوّز يرون الإجماع القولي فيه لا الإجماع السكوتي كحجة قطعية، ويأخذون بالعقل بِجَمعه مع النص، لا إهمال ولا تقديس له، فالنص يحكم والعقل يفهم. كما يأخذون بالاستصحاب والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة، لذلك فهم يجمعون بين أهل الرأي وأهل الحديث مع مَيْلولة «خفيفة» نحو أهل الرأي.

وربما كان اعتماد المدرسة الدينية العُمانية منذ القِدَم على مبدأ «الانتخاب الشورَوِي» قد أعطاها فسحة من التحرُّر؛ كي لا تقع في متاهة الموقف من الأفراد بقدر ما هو الموقف من القضية أساسها، لذلك وعلى سبيل المثال كان منهجهم في قبول الحديث «إذا لم يُعارض القرآن الكريم فهو مقبول، وإن عارض القرآن رواه مَنْ رواه» فكان تركيزهم على المَتْن وليس على السَّنَد.

وفي جانب آخر من الصورة التاريخية العُمانية فإن الحقيقة تأخذ بنا إلى الإقرار بأن عُمان تمتلك جزءًا أساسيّاً من تاريخ هذه المنطقة من العالم، منذ أن عمَّرها العرب البائدة وَوُلِّيَ عليها عُمان بن قحطان، والتي باتت تُنسَب إليه، كما نُسِبَت مناطق أخرى بأسماء أفراد حلُّو فيها كإشبيل بن عيص، وسام بن نوح، ويمن بن قحطان بن هود، ويثرب بن عبيد بن مهلائيل وغيرهم.

بل يُمكن أن يُشار هنا إلى أن العرب العُمانيين كانوا قد شكَّلوا أول حكم مَلَكِي عربي موحَّد بالمفهوم السياسي خلال تاريخ العرب في تلك الفترة حتى ظهور الإسلام (إلى مَلِكَيْ عُمان جيْفَر وعبدُ ابنَيْ الجُلَنْدى)، عندما كانت جوارها مُقسَّمة إلى أقيال (حسب وصف الشيخ السيابي) تحكمها دويلات صغيرة هنا وهناك، فضلاً عن أن عروبتها كانت دافعاً نحو الصراع بينها وبين الأجنبي على هوية المنطقة ومحاولة ضبط النفوذ معه.

وفي مرحلة مّا، كانت عُمان تتصل من جزيرة سقطرى ولغاية مناطق متقدمة من الخليج العربي. ثم وخلال حقب تالية تمدَّدت أكثر حين وصلت إلى شرق إفريقيا وحتى جوادر في جنوب شرق آسيا. لذلك، تشكِّل محتويات الوثائق العمانية صورة واضحة للمنطقة في غير عصر، نظراً إلى ما كانت عليه الصورة السيا / دينية في لحظة ما من التاريخ. وهو مشهد أساس لقياس تاريخنا وفهمه.

في خاتمة الحديث أقول إنه ربما شاءت الأقدار وتناظرت الأشياء بأن تحتضن عُمان أرض التاريخ والدِّين عقولاً بِسِعَة ذلك تاريخها وعمقها الديني، كما في حالة الشيخ أحمد السيابي وكوكبة من العلماء والمؤرخين في ذلك البلد الطيب.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 5042 - الأحد 26 يونيو 2016م الموافق 21 رمضان 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 16 | 4:23 م

      طرحك أثلج كل متعطش يسرب أغوار العلوم ( السيا / دينية ) والتي اتسمت بالإنصاف لم استظل بأنعمها الوافرة واستسنشق عبيرها الآخاذ والذي لا ينفك عنها أن يعود إليها ليمعن من نبعها إن شاءت الأقدار أن يغادرها أو أن يوصي كل محب أو يجاهد بالحسنى حتى مع الحاقد يوصيه بأن يثابر بالاغتراف وليحق الحق ، إذ ( السيا / دينية ) ظلالها وافرة لا تنظب

    • زائر 15 | 1:52 م

      بارك الله فيك

    • زائر 14 | 1:47 م

      شكر الله سعيك أخي الاستاذ محمد.
      وقلمي ليس في مقام التعقيب عليك أو على مقال فأنت غني عن التعريف.
      وما أسعدني بمقالك هذا ولا غرو فمقالك يتسم بالمختصر المفيد وكيف لا وقد قابلت قأمة من قامات التأريخ العماني سعادة الشيخ أحمد السيابي.
      وكأنك تعزف ألحان تأسر القلوب عندما تتحدث عن القلب عمان.
      أدعو كل منصف حر لقراءة التأريخ من مصادره الحقيقة والذي يتحدث عن عمان الحبيبة فسيجد ضالته.
      سعيد العماني

    • زائر 11 | 3:25 ص

      الحمد لله احنا اخوان متحابين فالله

    • زائر 10 | 2:50 ص

      الأقلام الحرة المنصفة آن لها ترى النور في هذا البحر المظلم من الكتابات المسيسة المظلمة
      شكرا لك سيدي على طرحك

    • زائر 9 | 5:21 م

      الاقلام المنصفة امثالكم ستقود الامة لا محالة الى بر الامان.

    • زائر 8 | 12:04 م

      اخواني البحريينين خليكم دائما متاحبين اخوه وابناء في وطن واحد بجميع اطيافكم لا تتفرقوا

    • زائر 6 | 10:26 ص

      وذلك ليس بعجيب على التاريخ العماني
      وكيف لا
      وهم من قال فيهم الرسول
      لو أهل عمان أتيت ماضربوك ولاشتموك

    • زائر 5 | 7:21 ص

      طرح جميل ..أدام على عمان وشعبها الأمن والأمان

    • زائر 4 | 6:35 ص

      بارك الله فيك أستاذ محمد على الطرح الرائع
      وأطال الله في عمر الشيخ أحمد السيابي وجميع علماء وطننا العزيز
      وحفظ الله لنا عمان والسلطان قابوس أطال الله في عمره.

    • زائر 3 | 5:34 ص

      الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات أللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين هذا التاريخ العماني التسامح والتعايش السلمي دليل على لاحترام العقول بين المذاهب الإسلامية حفظ الله وطني العزيز

    • زائر 2 | 3:55 ص

      الحمد لله حق حمده..
      بارك الله فيك أخي محمد على الطرح الجميل..
      حفظ الله عمان وحفظ جلالة السلطان..
      ودمتم في أمن وأمان..ورخاء وإطمئنان

    • زائر 1 | 1:15 ص

      الله يحفظ عمان واهلها

    • زائر 7 زائر 1 | 10:49 ص

      الحمد لله
      فعمان ياسيدي الأديب الأريب كما ذكرت
      عظيمة بمكانها وبرجالها
      وبأمثالك من رواة الحق والحقيقه

    • زائر 12 زائر 7 | 12:21 م

      تشكر الاخ محمد على جهودك الطيبه وقلمك الراقي بارك الله فيك

    • زائر 13 زائر 12 | 9:42 م

      وتلوموننا في عمان
      الله عليك فديتكم

اقرأ ايضاً