العدد 5106 - الإثنين 29 أغسطس 2016م الموافق 26 ذي القعدة 1437هـ

أُمُّ الصّحفيّ

سليم مصطفى بودبوس slim.boudabous [at] alwasatnews.com

-

لا أدري اليوم وأنا أشرع في كتابة هذا المقال لماذا تتصارع الأفكار والمعلومات حتّى كأنها تتدافع أيهما تحلّ قبل الأخرى: قصة معاناة الإعلاميّين ولاسيما زملاءنا في الصحافة الاستقصائية في زمن الحرب والفوضى السائدة في ليبيا، وأعني اثنين من صحفيّي القناة التلفزيونية التونسية الخاصة first TV سفيان الشورابي ونذير القطاري اللذيْن تحوّلا إلى ليبيا في إطار عمل صحفي استقصائيّ، فقد تضاربت الأخبار بشأن اختفائهما في ليبيا حتّى كادت تنعدم أمام غياب الشفافيّة عن قصّة الابن نذير وصديقه سفيان. وقصّة الأمّ؛ السيدة سنية رجب والدة الصحفي نذير القطاري المصور الإعلاميّ، تلك التي أخذت زمام الأمور بنفسها وتحوّلت مع زوجها إلى ليبيا في محاولة للعثور على ابنها بعد اليأس من التعويل على مؤسسات الدولتين الشقيقتين تونس وليبيا.

تعود قصة اختطاف سفيان الشورابي ونذير القطاري إلى شهر سبتمبر/ أيلول 2014، عندما توجّها إلى ليبيا للقيام بعمل صحافي يتناول أثر الوضع في ليبيا على الاقتصاد التونسي ضمن الحلقة الخامسة من برنامج ‹›دوسيات›› (ملفّات). وقد توجّها في البداية إلى منطقة البريقة الليبية، حيث توجد حقول نفط تحت سيطرة مجموعات مسلحة موالية للواء المتقاعد «خليفة حفتر» ليتمّ اختطافهما يوم 8 سبتمبر في منطقة أجدابيا. ثم أطلق سراحهما بعد فترة قصيرة من الحجز، لكن أثناء توجههما للعودة إلى تونس تمّ اختطافهما مجدَّداً من قبل مجموعة مسلحة لم تكشف عن هويّتها. ثمّ أعلن فرع تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) في برقة الليبية عن مقتلهما، لعملهما في فضائيّة مسيئة، بحسب ما يدّعيه التنظيم.

ومنذ ذلك الحين تراوحت الأخبار بين النفي والتأكيد، ففي حين أكّد نقيب الصحافيين التونسيين ناجي البغوري أنّ الخبر أقرب إلى الإشاعة منه إلى الخبر الصحيح، وأن اتصالات النقابة مع بعض الأطراف الليبية التي سبق وتدخلت في الموضوع لم تؤكد صحة خبر إعدام سفيان الشورابي ونذير القطاري، نجد الناطق الرسمي باسم حكومة طبرق الليبية يعلن عن القبض على مجموعة إرهابية تتكون من ليبيين ومصريين اعترفوا بمسئوليتهم عن مقتل سفيان ونذير من دون الإفصاح عن مكان دفنهما. إلَّا أن الحكومة التونسية أكدت أنْ لا دلائل تثبت مقتل الصحافيّين التونسيّين، مما يرجّح فرضيّة وجودهما على قيد الحياة، وخاصّة بعد أن نفى المتحدّث باسم النيابة العموميّة التونسيّة وجود جثّتيْ سفيان الشورابي ونذير القطاري بين الجثث التي أخضعت للتحليل الجينيّ والتي عثر عليها في مقابر في ليبيا، مشيراً إلى أن هذا الخبر عارٍ عن الصحّة. كما تقاطرت الأخبار السارة في وقت سابق إلى والدة نذير القطاري مفادها أنّ الصحفيَّيْن سيكونان أحراراً خلال أسبوع واحد فقط.

وفي الأثناء تحرّك المجتمع المدنيّ في تونس ولاسيما نشطاء حقوق الإنسان والإعلاميين وأطلقوا حملات إعلامية عديدة منها حملة «مصرّين على رجوعكم سالمين» وهي حملة إعلامية تزامنت مع مرور سنة كاملة على عملية اختطاف الزميلين الصحفيين. ونظمت عائلة الصحفي المختطف في ليبيا في أكتوبر/ تشرين الأول 2015 مسيرة بعنوان «مسيرة الأمل» انطلقت من محافظة قفصة التونسية سيراً على الأقدام في اتجاه المعبر الحدودي رأس الجدير. كما خصصت العديد من القنوات التلفزيونية ولاسيما قناة «فرست تي في» حلقات خاصة بقضية اختطاف الصحفيّين ممّا جعلها تتحوّل تدريجيّاً إلى قضيّة رأي عام وخاصة أمام فشل الحكومات المتعاقبة منذ اختطافهما في إيجاد حل للمشكلة. وأمام تواصل اختطاف ابنيهما في ليبيا، اضطرت عائلتا « نذير القطاري وسفيان الشورابي» إلى أن يعتصما بالقصبة احتجاجاً على ما رأوه فشلاً ذريعاً للخارجية التونسية في إدارة هذه الأزمة، كما شكّلت نقابة الصحافيين التونسيين لجنة لمتابعة الملف.

وعن هذه القصة الأمّ، قصة الابن نذير، تولّدت القصة الفرع؛ قصة الأمّ المكلومة، قصّة أمّ نذير سنية رجب التي فقدت الأمل في دبلوماسية بلادها ولكن لم تفقد الأمل في حياة ابنها، فكانت قصة سفرها إلى ليبيا صحبة زوجها وبمساعدة بعض الأشخاص الليبيين المقيمين بتونس بحثاً عن ابنها وزميله الصحفي سفيان الشورابي، وهو أمر ليس بالهين؛ إذْ قالت في تدوينة نشرتها على صفحتها الخاصة بموقع «الفيسبوك» ما يلي: «موش ساهل، برشا تعب وبرشا مجازفة، وسفر من بلاد لبلاد قاعدين نجمعوا في المعلومات وربي معانا دعواتكم لنذير وسفيان... شَقّينا صحاري وجبال مشينا قريب الألف كلم باش نعرفوا حقيقة... ومازال فينا نفس، وندورو ليبيا شبر شبر لعل رب العالمين يدلنا على نذير وسفيان».

إلى بلد ممزق، تتقاتل فيه الفصائل والكتائب والميليشيات المسلحة على مناطق النفوذ، إلى بلد تستجمع الدولة هيبتها بعد أن وهنت فيها الحكومات وتشتّت القرار السياسي بين أكثر من طرف، تنقلت أم نذير بين مدينة البيضاء شرق ليبيا ومدينة أبرق في محافظة درنة، وغيرهما من المدن الليبية، وذلك في محاولة لمعرفة حقيقة ومصير نذير وسفيان. فهل تحقق الأم سنية رجب ما عجزت عنه الخارجية التونسية التي تداول على إدارتها منذ اختطاف نذير وسفيان أكثر من 3 وزراء؟ فضلاً عن رئيس البلاد المحنك في السياسة الخارجية!

إقرأ أيضا لـ "سليم مصطفى بودبوس"

العدد 5106 - الإثنين 29 أغسطس 2016م الموافق 26 ذي القعدة 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً