العدد 885 - الأحد 06 فبراير 2005م الموافق 26 ذي الحجة 1425هـ

المشاركة السياسية مطلب الجميع... والعراق مختلفالحكم الصالح... مفهوم

ردا على مقالات الموسوي الداعية إلى المشاركة البرلمانية ...

خليل عبدالرسول comments [at] alwasatnews.com

.

لم تكن كتابات السيدضياء الموسوي الأخيرة الداعية إلى المشاركة في التجربة البرلمانية البحرينية الحالية شيئا فريدا وغريبا عن أوساط المقاطعين لها، إذ إن هذه الآراء تحركت بكل حرية في إطار فعاليات الجمعيات السياسية والتيارات التي قاطعت الانتخابات إلا أن النخبة وقاعدة هذه الجمعيات فضلت المقاطعة في 2002م، ليس بهدف المقاطعة نفسها بكل تأكيد وإنما من أجل المشاركة الحقيقية في صنع القرار السياسي.

ولعل من إيجابية تلك الكتابات - مهما اختلفنا معها - أنها أعادت مسألة المشاركة السياسية إلى واجهة الساحة المحلية حتى يتحرك الجمود على المستوى النخبوي والشعبي، وتنطلق الحوارات تمهيدا لاتخاذ مختلف القوى لموقفها من الانتخابات البرلمانية للعام 2006 حتى لا نلجأ إلى حوار اللحظة الأخيرة قبيل الانتخابات فنقرر في لحظة من إرباك وانطلاقة من تعثر... وعما ورد في مقالات الموسوي أورد هذه النقاط الموجزة:

نفي خيار المقاطعة

الأولى: لا يمكن نفي خيار المقاطعة بشكل كلي ومبدئي في أية انتخابات تقام لأية جهة سياسية أو حتى غير سياسية، ففي ذلك نفي لخيار قد يختزن عناصر القوة حين يتحرك بأداء فاعل من أجل التغيير.

المشاركة السياسية في إدارة شئون أي بلد مطلب شعبي عارم، ولكن حين تعني هذه المشاركة مساندة للمزيد من التراجعات وذوبانا في مشروعات تنتقص من الحقوق الشعبية، فمن الطبيعي - في رأي المقاطعين - مقاطعة هذه المشروعات.

الواقعية

الثانية: "الواقعية" التي تتحرك في عالم السياسة لتجني من كل مشروع تطرحه السلطات الحكومية نسبة مهما كان مقدارها من الحقوق على اعتبار أنها أفضل من لا شيء، هي واقعية قد تصطدم حينا بحسابات آنية فتقدمها على الحسابات المستقبلية، وتواجه منافع مادية فترجحها على كل قيمة معنوية تنبض في قلب الأمة.

فمن الواقعية القول إن تحقيق 30 في المئة بالمشاركة في برلمان منتقص الصلاحيات أفضل من لا شيء، إلا أن من الواقعية أيضا الحديث عن عمل معارض فاعل يحقق نسبا مضاعفة عن تلك النسبة خلال سنوات، ففي حين أنك تختار النسبة الضئيلة من البداية وتحاصرك قوى السلطة لأنك قبلت بمشروعها فإنك لا تستطيع التحرك قدما عن تلك النسبة بسرعة، بينما التحرك بقوة من خارج المشروع قد يعطي التقدم لهذه النسبة بسرعة أكبر وزمن أقصر وأنت في الوقت ذاته غير محاصر في داخل منظومة من القوانين التي اعترفت بها لتلفك بالقيود داخل البرلمان وخارجه.

"الواقعية" لا تعني التنازل عن قيم الرفض لمشروعات قد تستهدف النيل من الحقوق الأساسية، وهي قيم حية تتحرك في ضمير الأمة وليست شعارات لا تؤكل خبزا، فعلى سبيل المثال لم تكن حركات المقاومة الإسلامية في فلسطين لتقاطع انتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية الأخيرة لو لم يكن ذلك يعني الاعتراف بـ "دولة" الكيان الصهيوني والمعاهدات المبرمة معه.

أما في البحرين فإن من حق أي مواطن أن يمتنع عن المشاركة في انتخابات برلمان منتقص الصلاحيات التشريعية والرقابية، ويعتبر المشاركة فيه اعترافا وتشجيعا لدستور جديد ينتقص من حقوقه، ومن حقه العمل على تغيير هذا الواقع الدستوري من خارج قبة البرلمان بحسب الجدوى التي يقيس مداها رجوعا إلى مفهومه للواقعية، حتى لا نزايد في انتمائنا إلى الواقعية والاعتدال دون الآخرين، وكما أن الوطنية ليست حكرا على أحد فالواقعية أيضا ليست كذلك.

التهميش

الثالثة: "قصة التهميش" مرتبطة بشكل أدق بقوة الأداء، فحين تكون على سبيل المثال صحافيا خارج جمعية الصحافيين وتريد التغيير ولا تريد أن تصبح على الرصيف، فهل من الضروري عليك أن تشارك فيها أم أن العمل الجاد من خارج الجمعية لتغيير قانونها وقانون الصحافة بشكل أعم قد يتيح لك التغيير بشكل أسرع؟

هذه قناعات تتحرك، ومن حقها أن تتحرك لتتخذ قرار المشاركة أو المقاطعة في موضوع مهم وحساس كجمعية الصحافيين أو البرلمان من دون التعامل مع المسألتين بانتقائية وازدواجية، على أن أي ضعف في الأداء لا يعني بأية حال من الأحوال ضعفا في القرار أو خطأ فيه.

كما أن "التهميش" بمعناه الأوسع لم يطل المقاطعين بقدر ما طال المشاركين في التجربة، إذ تكبلهم وتهمشهم القوانين، والأسوأ من ذلك حال التهميش التي قادتها التجربة بين الناخب والنائب، فحين يفقد الناخب ثقته في من اختاره فهو في الحقيقة يهمشه، وحين تدخل المعارضة في برلمان منتقص الصلاحيات وهي فاقدة لعناصر النجاح التشريعي لن تنظر القواعد الشعبية المساندة إليها إلى فتات نسبة ضئيلة تتحقق، بل إن المعارضة حينها ستكون مهمشة من القوانين في جانب ومهمشة من قواعدها في جانب آخر.

ضعف الأداء

الرابعة: "ضعف أداء المقاطعين" والذي تحدث عنه الموسوي في كتاباته - وإن كان صحيحا في بعض جوانبه - يقابله ضعف أشد في استجابة السلطات لمطالب هذه القواعد الشعبية العريضة من المواطنين. فحين تقدم المعارضة عريضة دستورية، وهي أحد مقاطع متعددة من مقاطع القوة في حركة المعارضة، ويفتح الحكم صدره إليها ويسعى إلى تطبيق تعديلات دستورية يتوافق عليها مختلف القوى الوطنية، هل تكون المعارضة حينها حققت أداء قويا؟ وحين يرفض الحكم ذلك يكون أداء المعارضة ضعيفا؟

إن عدم استجابة السلطات الرسمية لمقررات مؤتمر دستوري للمعارضة أو توصيات ندوة جماهيرية أو مطالب عريضة دستورية وغير ذلك لا يعني ضعف أداء المعارضة، بل هو بالدرجة الأولى ضعف في درجة الاستجابة الرسمية إليها، وهنا تكمن علامة الاستفهام الأكبر: من الملام في ذلك؟

ولم يكن متوقعا من الموسوي أن يدفع باتجاه استلاب كل عناصر النجاح والقوة من خيار المقاطعة وأداء المقاطعين على مدى السنوات الأربع الماضية، وتصوير أداء المعارضة بالصفر من الإنجازات "على غرار صفر التشريعات البرلمانية!" إذ لم يخل ذلك - مع كل الاحترام - من التطرف، فمن الإنصاف تحديد مواقع الخلل والسلبيات في أداء المعارضة وليس التعميم.

الغالبية الصامتة والتخويف

الخامسة: وصف حال المقاطعين وكأنهم ينتهجون الإرهاب الفكري وتخويف الناس والتشدد والإقصاء كمنهج للتأثير على القواعد الشعبية، وفي ذلك مبالغة واهمة وإن لم تخل بعض الجماعات من المشاركين والمقاطعين منها، ففي الوقت الذي تحركت فيه الساحة البحرينية لتتحدث عن رأي للمشاركة وآخر للمقاطعة، كانت "الجمعيات المقاطعة" تعقد الحوارات النخبوية والشعبية التي برز فيها ثلة من أعضائها يطالبون بالمشاركة، غير أن الغالبية من النخبة والجماهير أقرت المقاطعة وضغطت في اتجاهها.

وهنا أذكر الموسوي بأنه دعا النخبة حينها إلى عدم الاكتراث بضغط الجماهير، واصفا إياها بـ "العقل الجمعي"، أما الآن فهو يتحدث عن "غالبية صامتة" تخاف الحديث عن رأيها "في المشاركة"، وكأن هذه الغالبية من الجماهير لم تعد تمثل "العقل الجمعي" الذي كان الموسوي قبيل انتخابات 2002 يدعو إلى تجاهل ضغوطها "العاطفية".

أما الحديث عن "الغالبية الصامتة" فهو حديث غير علمي وغير دقيق، فلا توجد إحصاءات تؤكد صحة قول هذا الكاتب أو ذاك الصحافي بأن "الغالبية الصامتة" تقف معه وتساند رأيه.

اتخاذ القرار

السادسة: قول الموسوي "لقد جربنا المقاطعة فلنجرب المشاركة"، قد يراد من "نون الجماعة" فيه الدلالة على تيار انتفاضة التسعينات، وفي قرار المشاركة الذي اتخذه ودعا إلى تشكيل جبهة تتحرك من أجله بعد عن مواقع القرار "الرموز والجمعيات السياسية" التي تتخذ استراتيجية المطالبة بتعديلات دستورية تضمن مشاركة أوسع في الانتخابات المقبلة.

ومع الإقرار بكل الحق للموسوي وأي مواطن في التيار المذكور يود المشاركة، إلا أن السؤال المثار هو: كيف يقرر الموسوي المشاركة من دون التريث بالرجوع إلى قرار رموز وجمعيات هذا التيار بهذا الشأن مادام الحديث عن "نون الجماعة" في القول "قاطعنا فلنجرب المشاركة"؟ مع لفت النظر إلى أن الكاتب ذكر أيضا أنه شارك في الانتخابات السابقة.

هذه ليست مصادرة لرأي الموسوي في المشاركة، ولكن الحديث عن التيار كله قد يربك سياق الهدف من المشاركة نفسها، لأن اتخاذ قرار المشاركة والإصرار على دعوة التيار إليها في هذه الآونة لاشك أنه يشجع على إسقاط الجهود الرامية إلى تصحيح الوضع الدستوري وطائفية توزيع الدوائر الانتخابية وغير ذلك.

السيستاني والعراق

السابعة: لم يوفق الكاتب في الربط الطائفي المباشر بين مشاركة للشيعة في انتخابات العراق تساوي ضرورة مشاركة الشيعة في انتخابات البحرين، وضرورة تفادي سنة العراق لخطأ شيعة البحرين في المقاطعة، ولم يكن متوقعا من الموسوي تسطيح المقارنة بمثل هذه المعادلة غير العادلة.

فلا يخلو هذا الطرح من خطورة، إذ يعني تعميمه صحة أن يقول لنا كاتب آخر بأنه مادام الشيعة في إيران قاموا بثورة فعلى الشيعة في البحرين أو غيرها أن يقوموا بذلك، وفي كلا المثالين "العراق وإيران" هنالك مرجعية دينية تحرك الجماهير لهذا الرأي أو ذاك.

وكأن العراق ليس مختلفا في شيء عن البحرين، وهكذا يراد للأمور تبسيطها وتسطيحها جدا، فهناك احتلال وهنا مجرد صلاحيات للبرلمان، فالاحتلال أكبر من مجرد صلاحيات.

ولكن لا يتم الحديث عن أن العراقيين ذهبوا ليختاروا جمعية وطنية لتصوغ الدستور العراقي الدائم، فيما أن من صاغ الدستور الجديد في البحرين هم غير منتخبين، وأن ممثلي الشعب العراقي سيختارون الرئيس ورئيس الوزراء والحكومة كلها وسيعدون لانتخابات تشريعية جديدة للعام المقبل، وكل ذلك غير متوافر لا في البحرين ولا أية دولة عربية أخرى، وكلها بحسب ما ذكر الموسوي حديثا واقعة تحت مفهوم الاحتلال الأميركي الأوسع.

كما لا يخلو زج المرجع الديني الأعلى السيدعلي السيستاني في المسألة البحرينية - وجر موقفه من المشاركة في الانتخابات العراقية إلى تدعيم رأي المشاركة في انتخابات نصف البرلمان البحريني - من خطورة في إرباك القاعدة الشعبية المؤيدة للسيستاني في البحرين، وتصوير الأمر وكأنها تخالف بذلك نهج المرجعية، وفي ذلك اجترار غير منصف لموقف المرجعية الذي يحظى بتأييد عارم داخل البحرين.

وحتى تصح المقارنة عند الحديث عن موقف المرجعية في العراق يبرز السؤال: ماذا لو أن أميركا عينت الحكومة العراقية وصاغت هذه الحكومة دستورا للعراق وكان من بينه مجلس تشريعي نصفه معين ويعاني من انتقاص في الكثير من صلاحياته التشريعية، فهل حينها سيقود السيستاني حملة الدعوة إلى المشاركة في نصف ذلك البرلمان حتى لا يتم تهميش الشعب العراقي ويجلس على الرصيف؟!

ومن المستغرب أن يذهب الموسوي في مقال آخر إلى دعوة أهالي القطيف "شيعة السعودية عموما" إلى المشاركة في الانتخابات البلدية السعودية "لكيلا يكرروا خطأ المقاطعين في البحرين"، وكأنها قاعدة يتم تعميمها على كل انتخابات في العالم، في وقت لم يقاطع فيه "مقاطعو البرلمان الحالي" الانتخابات البلدية أصلا، فكيف تم ذلك الربط؟ ولماذا لم يتم ربطها بالمشاركة في الانتخابات البلدية وليس مقاطعة البرلمان؟

إن جميع البحرينيين يطالبون بالمشاركة في صنع القرار وفي سلطة تشريعية منتخبة وقادرة على الدفاع عن حقوق المواطنين، وما إن تزول العوائق التي دعت إلى المقاطعة سيشارك المقاطعون لأنهم قاطعوا من أجل المشاركة السياسية الحقيقية التي ينادي بها الجميع، وهي المطلب الرئيسي للشعوب سواء في البحرين أو في العراق أو غيرهما

العدد 885 - الأحد 06 فبراير 2005م الموافق 26 ذي الحجة 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً