العدد 4692 - الأحد 12 يوليو 2015م الموافق 25 رمضان 1436هـ

تطفُّل الصِبْيَة على استراتيجيات الخروج من الأزمات

جعفر الجمري jaffar.aljamri [at] alwasatnews.com

-

لا تخلو الحياة من متطفِّلين. يكثرون أو يقلِّون، تبعاً لحقيقة الممارسة في الحياة، بين شعب وآخر، وبين أمَّة أو أخرى. وتبعاً للتمسك بما ينظِّم العلاقات في ما بينهم أو عدمها.

لتجدنَّ أكثر المتطفِّلين يسعون بسوءات بين الناس. مركّب نقص لا يخلون منه. عبثاً يحاولون أن يبرزوا أهميةً لهم، وعبثاً يحاولون إيهام من حولهم إحاطتهم بكل شيء، ولا نصيب لهم في شيء سوى حرصهم على التطفل!

أكثر ما تجد المتطفِّلين، في الأوساط العالة، والتي يغلب رصيد فشلها على رصيد نجاحها. ستجدهم في الأوساط التي تشكِّل الفوضى جزءاً من ملامح حياة وممارسات أفرادها، حين يرتضونهم في تلك الأوساط. ستجدهم أيضاً في البيئات الطاردة للمعرفة والإبداع والتميُّز.

لا يتطفَّل إلا جاهلٌ أو حاملُ نقص. الذين استووا على إمكاناتهم، ولديهم من الثقة الكثير، لا يحتاجون إلى أن يدسُّوا أنوفهم في ما لا يعرفون، ولا يُتقنون. سيضعهم ذلك في مواقف لا يريدون أن يكونوا مثار سخرية فيها.

والذين هم على النقيض، لا حسَّ لديهم كي يحسبوا حساب ما سينتج عن مواقف تطفُّلهم؛ وخصوصاً إذا كانوا مدفوعين إلى مثل ذلك التطفُّل، وفي الأزمات تحديداً. يدسُّون أنوفهم في ما يعنيهم وما لا يعنيهم.

أوجدتْ لنا هذه المرحلة العربية المحكومة بالفوضى، وغياب القانون، والسياسات المهلكة للبشر والبلدان، بحدودها ومكتسباتها وثرواتها، نوعيات من أولئك المتطفِّلين الذين لا يتردَّدون في الكتابة أو الحديث في كل شيء؛ بدءاً من علم تشريح الحشرات، وليس انتهاء بالاستراتيجيات الواجب اتخاذها وتبنّيها من أجل خروج أي أمة أو دولة من حال الاحتقان إلى الانفتاح، ومن حال التشرذم والانقسام، إلى حال الوحدة الجامعة، والالتحام الطبيعي والضروري لأي اجتماع بشري متنوع ومتعدِّد ومستقِر.

ترْكُ مثل أولئك يخوضون في ما لا يعلمون، ولا تجارب سابقة، ومن دون خبرات تضعهم على المحك، والمواجهات، دليل على تأبيد الواقع المتأزم، ودليل على أن التوافق على حلولٍ للمشكلات لن يكون في صالح أطراف، وظيفتها في الحياة تفريخ وتوليد المشكلات، والعمل على تراكمها.

ستراهم في الأزمات والقلاقل مبادرين ومتبرعين لتعميقها. لهم في كل حدث رأي ورؤية! لهم في كل مفترق طريق ومتاهة، وخطط ستقود من دون جدال إلى مزيد من التخبط والمتاهات!

حين يتناول الصِبْيَة استراتيجيات الخروج من الأزمات، وتُشرع لهم الأبواب كي يأمروا، وينظِّروا، ويُسوَّق الهراء الذي يخرجون به على الناس في منابر من المفترض أن تكون مصادر تنوير وتعميق للوعي، فيمعنون في التعتيم، وتحريف وتزوير الوعي، وتبقى الأزمات والمشكلات التي تخنق الأمة مراوحة مكانها، من دون أفق لانفراج أو حل، يكون أولئك أدوات هدم، بتطفُّلهم في التعاطي مع القضايا المصيرية التي من المفترض أن يتعاطاها ذوو المعرفة والاختصاص والتجارب العميقة، وفي استمرارهم، استمرار للأزمات والمشكلات نفسها.

حتى أولئك الذين أوتوا حظاً من العلم والمعرفة؛ بالتواطؤ مع المعْوَجِّ من الأوضاع، في محاولة لتحقيق مكاسب ونقاط في صالح الذين استأجروهم؛ دون وقوف أمين وصادق ومتمعِّن لحقيقة الأوضاع على الأرض؛ يظلّون متطفِّلين لتحقيق مصالحهم والحظوة التي إليها يسعون. لا فرق يذكر بين بهيمة أنعام في هيئة بشر صِفْر في المعرفة، وبين من نال شيئاً منها؛ ولكنه يظل وبالاً وعاراً على المعرفة نفسها بالتواطؤ والانحياز المريض.

لم تضطرب شئون الحياة والناس إلا حين وجد أولئك المتطفِّلون مواقع لهم، في دوائر القرار والمحاسبة والقانون، ليطلعوا لنا من منافذ دوائر الرأي التي تجد آذاناً والكثير من الحواس المنتبهة لهم والمؤيدة؛ على رغم فراغهم وإفلاسهم وعجزهم عن الاقتراب حتى من مستوى الهرْج والثرثرة والهلوسات! ويتم وفق ذلك بناء سياسات وإجراءات تخنق أفق الناس ومحيطهم، وتحيل حياتهم إلى جحيم وخراب، في «جنة» يروِّج لها إعلام أفَّاق منافق متمصلح هو دون التفاهة بمراحل!

الاضطراب البشري لا يسهم فيه العقلاء؛ لكننا نجد الإسهام فيه من طرف النقيض لهم؛ ولأولئك واجهات ووكلاء وأدوات، ولن يقوم بالأدوار تلك في خستها ودناءتها مثل المتطفِّلين!

التطفُّل ليس فقط على الموائد، الأحاديث، المناسبات، العلاقات. هناك تطفُّل على الوجود من أساسه، تمارسه تلك النوعية من أشباه الرجال يتجاوز كل ذلك؛ وصولاً إلى المصائر وحركة الوعي، والخيارات، والحرية، بتوجه من هم على النقيض إلى اعتماد حياة بأساليب لا تبرز بفعل أوامر ومزاج؛ بل بفعل قاعدة أن تكون أو لا تكون، بما يعزّز ويحفظ للحياة جدواها وقيمتها وفعلها الخلاق؛ لا ارتهان البشر لإرادة غيرهم؛ وبفعل تسويق وتنشيط من قبل متطفِّلين عالة وكارثة على الحياة!

أيها المتطفِّلون على اختلاف مشاربكم، والأنوف التي تختارون مواضعها لكم؛ أو يتم اختيارها نيابة عنكم: أنتم أكبر دليل على تفاهة الحياة أيضاً حين تصبحون طرفاً فيها!

إقرأ أيضا لـ "جعفر الجمري"

العدد 4692 - الأحد 12 يوليو 2015م الموافق 25 رمضان 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 3:20 ص

      عجبا !

      عجبا لهم هل اختاروا الباطل على الحق كيف للشخص العاقل الحر ذلك!

    • زائر 1 | 3:14 ص

      مقال رائع

      اخي العزيز التطفل ليس للانسان العدي فقط هناك حكومات ودول ورجال سياسه المحسوب عليهم يمارسون التطفل ويوقفون في وجه الوعي والتحضر الحقيقي ويريدونهم عبيد يقيدون حتى فكرهم وعقلهم الذي خلقه الله للجميع

اقرأ ايضاً