العدد 4795 - الجمعة 23 أكتوبر 2015م الموافق 09 محرم 1437هـ

حيرة العرب... العصبيات الضيقة

عبدالنبي العكري comments [at] alwasatnews.com

ناشط حقوقي

حالما يحتدم النقاش أو (الخناقة) ما بين عربيين، إلا ويلوح كل منهما بأصله وفصله الرفيع، ويعير الآخر بأصله وفصله الوضيع، وكثيرا ما تتردد عبارات، مثل أنت من وين. ولا يكفي البلد، بل المدينة او الحي أو أنت من أي عائلة أو طبقة أو قبيلة.

والحقيقة أن عودة العصبيات الضيقة بمختلف تجلياتها العائلية والعشائرية والقبلية والقومية والمذهبية والدينية والطبقية، هي من أهم تجليات الحروب الأهلية، والصراعات العلنية والخفية، التي يعيشها معظم البلدان والمناطق العربية، وهكذا تعود فصول مظلمة من التاريخ العربي، فصول احتراب الطوائف في مختلف العهود العربية الإسلامية، لكنها تعود حاليا بقوة وعنف ووحشية لا سابق لها، مع تطور آلات الدمار وتعمق الحقد والكراهية.

هل انبعاث العصبيات الضيقة صدفة أو لعنة أو مؤامرة خارجية؟ كثيرون مصدومون مما يجري، ولذلك فالحل السهل عندهم أن هناك مؤامرة كبرى خارجية تستهدف العرب، وكل يختار العدو المتآمر تبعا لموقعه، فالعدو قد يكون إيران أو تركيا أو أميركا أو روسيا أو غيرهم، لكن، قليلاً ما نتفكر في أمرنا. ما الذي أوصلنا إلى هذا الوضع ولماذا تبددت أحلامنا وتراجعت طموحاتنا؟

رابطة العروبة ملازمة للعرب مع تراجعها أو تقدمها وبدرجات متفاوتة تبعاً للمكان والزمان، لكننا هنا سنعالج مشكلة العصبيات الضيقة المعاصرة. العصبيات والانتماءات الفرعية سمة المجتمعات ما قبل المجتمع المدني. أي الأرياف بصفة عامة، إذ إن سكان المدن يميلون لتمثل هوية واحدة جامعة مع وجود الهويات الفرعية تبعا للأصول وغيرها، كما أن الهوية الوطنية أو القومية الجامعة هي سمة الأمة الحديثة أو الدولة الوطنية أو الدولة القومية. وبالنسبة إلى العرب، فقد انبعثت الهوية القومية العربية، وإلى جوارها بعض الهويات الوطنية، لكن الأوسع نطاقا مثل الهوية الشامية والمصرية (بلاد وادي النيل وليس مصر فقط) والمغاربية في حقبة مقاومة الاحتلال العثماني. وبعد انهيار الدولة العثمانية وزوال الاحتلال العثماني، جرى انقسام البلاد العربية فيما بين الدول الاستعمارية الكبرى، وهي: بريطانيا العظمى وفرنسا وإسبانيا، وخضع معظم بلاد العرب لاحتلال وحكم استعماري مباشر، أو الحماية الاستعمارية أو الاستقلال الشكلي المقيد بمعاهدات واتفاقيات وقواعد عسكرية.

وفي خضم الكفاح ضد الاستعمار بمختلف الاشكال والصيغ انبثقت الهوية القومية العربية إلى جانب الهويات الكبرى مثل الشامية والمغاربية ووادي النيل، لكن وبسبب التجزئة نمت الهويات الوطنية بعدد الكيانات العربية مثل العراقية والسورية واللبنانية والفلسطينية والخليجية والأردنية والمصرية والسودانية والليبية والتونسية والجزائرية والموريتانية والصومالية واليمنية والسعودية، ومع نيل الاستقلالات على مراحل مختلفة، جرى تعزيز الهوية الوطنية على حساب الهوية العربية الجامعة، والهويات الإقليمية (الشامية والمغاربية والخليجية، ووادي النيل) وفي خضم النضال من أجل تحرير فلسطين، ومن أجل تحرير عدد من البلدان العربية المستعمرة، وكذلك النضال ضد الاستعمار الجديد بقيادة الولايات المتحدة، نمت النزعة القومية وطرحت مشاريع الوحدة العربية مثل مشروع الوحدة المصرية السورية ووحدة وادي النيل ووحدة المغرب، ووحدة الخليج، ووحدة الشام ووحدة اليمن، وباستثناء الوحدة المصرية السورية قصيرة الأجل، والتي تحققت لسنوات قليلة (1958 - 1961) والوحدة اليمنية التي تحققت في مايو 1990، والمتعثرة من وقتها، بل والمهددة بالتقسيم مرة أخرى، فإنه لم يكتب لدعوات الوحدة أن تتحقق.

إن من أهم تجليات فشل الدولة الوطنية العربية لما بعد الاستقلال، ليس فقط الدخول في مشاريع وحدوية على غرار شعوب أخرى مثل فيتنام وألمانيا والاتحاد الأوروبي، بل فشل الصيغ الاتحادية الفضفاضة مثل الاتحاد العربي والاتحاد المغاربي، ومراوحة مجلس التعاون العربي، بل تراجع الهوية الوطنية، والهوية القومية، بفعل السياسات التمييزية وإثارة العصبيات الفرعية الدينية والجهوية والقومية والعرقية التي اتبعتها غالبية الأنظمة العربية، للحفاظ ولتعزير سيطرتها وامساكها بالحكم.

إنه في غياب دولة المواطنة المتساوية، ونظام ديمقراطي يعزر المواطنية والانتماء ويكفل حقوق مختلف مكونات الشعب القومية والدينية والعرقية، وفي ظل وحدة قسرية شكلية، فقد نمت الهويات والعصبيات الضيقة، مبتدئة بالقومية العربية، ثم تراجع الهوية الوطنية، مثل العراقية لصالح هويات فرعية عرب واكراد وكلدان وتركمان وغيرها مع إقرارنا بوجود هذه الهويات وضرورة احترامها، لكنها تقدمت إلى الصدارة على حساب الهوية الجامعة، ثم ظهرت بقوة الهويات الدينية، مسلم، مسيحي وازيدي واشوري، ثم تدهور الوضع بتعزر الهوية الطائفية شيعي، سني، وقد سقت العراق كمثال؛ لأن ذلك ينطبق على بلدان عربية، لكن بتقسيمات أخرى.

ففي الجزائر والمغرب هناك تتعزز الهوية الامازيغية مقابل العربية، وفي موريتانيا العرب مقابل الزنوج، وفي مصر المسلمين مقابل الأقباط، وفي الخليج العرب مقابل العجم. وفي لبنان تشرذمت الهوية اللبنانية إلى 16 هوية بعدد الطوائف اللبنانية. أما في سورية والتي كانت نموذجا لقوة الهوية العربية الوطنية السورية، فقد تشظت الهوية السورية والانتماء السوري إلى هويات عديدة عربية وكردية وإسلامية وعلوية ودرزية ومسيحية، ومع تسعير الحرب الأهلية، فقد شهدت الهوية السورية مزيدا من التشظي بعدد العقائد المتصارعة، فهناك المسلم السني التكفيري والمتشدد، والمعتدل، وقس على ذلك.

يمكن القول إن ما يطلق عليه أمين معلوف الهويات القاتلة، قد تجسدت أفضل تجسيد في الوطن العربي ولم ينج منها بلد عربي إلا ما ندر، وعنصر الشد الأساسي لهذه الهويات الفرعية هي العصبية الضيقة، أي الولاء والانتماء الأعمى إلى المجموعة الفرعية، والتي تضيق مع انحدار الحكم الوطني الى المكونات التحتية، فمثلا نشهد في العراق، إلى جانب تعزز العصبية المذهبية، تعزز العصبية العشائرية حيث تتشكل الفصائل المقاتلة تبعاً للعشائر، كما هو جار في المحافظات التي تشهد قتالا، مثل نينوى والانبار وصلاح الدين مثلا. وكذلك الأمر في اليمن، والذي هو أصلا مجتمع قبلي، وقد جاءت الحرب الأهلية لتعزز العصبية القبلية... وبدأت تتشكل التشكيلات العسكرية بطابع قبلي.

وحتى مصر التي يضرب بها المثل في قوة الهوية الوطنية المصرية، فقد شهدت أيضاً تعززالهويات والعصبيات الفرعية.

إن أقوى رابطة في مصر وأكثرها تماسكا هي رابطة أبناء الصعيد في القاهرة والتي يتجاوز عدد أعضائها مليونين وهو ما ذكره لي أحد الباحثين الاجتماعيين. وفي اليمن تبرز اتجاهات ليس فقط لانفصاله للمكونين اللذين شكلا الوحدة، أي شمال (الجمهورية العربية اليمنية) وجنوب (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية)، بل إلى مكونات أصغر مثل المهرة وحضرموت وتهامة، وغيرها، ولذلك فإن الخوف من قيام يمن فيدرالي بخمسة أقاليم، من أن يؤدي إلى تفتت اليمن هو خوف مشروع.

يمكننا الاستطراد في البحث لكن ذلك محكوم بالمساحة المتاحة. لا يكفي أن نتذكر الماضي عندما كانت الهوية القومية هي الجامع من المحيط إلى الخليج، ولا يكفى وحدة المغرب العربي في مقاومة الاستعمار الفرنسي أو وحدة وادي النيل في مقاومة الاستعمار البريطاني ولا وحدة أبناء الشام في التصدي لمخطط التقسيم البريطاني الفرنسي وزرع الكيان الصهيوني في قلب الشام، كما لا يكفي استذكار التوحد العربي في معارك ومواقف فاصلة مثل معركة الجزائر، ومعركة بور سعيد، والحروب من أجل فلسطين، والفرحة العربية العارمة بقيام أول وحدة في عصرنا في 8 فبراير 1958 أو تأميم قناة السويس.

من الضروري تذكرها لكن الأهم هو معرفة لماذا وصلنا إلى هذا المنحدر من العصبيات الضيقة بتجلياتها كافة، ولماذا انقلب الكفاح ضد الاستعمار والصهيونية إلى حروب أهلية أشد ضراوة من الحروب ضد العدو القومي؟ ولماذا انقلبت مشاريع الوحدة والاتحاد إلى مشاريع التفتيت والتجزئة؟ ولماذا انقلب النضال من أجل الاستقلال والتحرر من الاستعمار القديم والجديد، إلى تسابق لتأمين الحماية من قبل الاستعمار الجديد، وفتح الأرض للقواعد الغربية والشرقية، وتحول الأنظمة العربية إلى بيادق بيد الدول والأحلاف الكبرى في احترابها مع بعضها بعضاً؟ هذا ما يجب التفكير فيه وكما يقول ضمير العرب مظفر النواب «قتلتنا الردة

قتلتنا أن أصبح الواحد منا يحمل في داخله ضده».

إقرأ أيضا لـ "عبدالنبي العكري"

العدد 4795 - الجمعة 23 أكتوبر 2015م الموافق 09 محرم 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 4 | 12:55 ص

      رجاء ثم رجاء

      لا تخجل و اذكر ما كتب عنه جميع علماء الاجتماع و النفس الاجتماعي؛ المعايير الب............. لا تزال...... و تتحكم في العرب.

    • زائر 3 | 12:44 ص

      العرب والشعوبية = عكس ما جاء به الاسلام

      الاسلام دين المساواة بين كل البشر لذلك اعتنقه خليط من الناس خاصة في حياة النبي صلى الله عليه وآله
      لكن عندما انتقل النبي ص الى الرفيق الأعلى وحيث ان الأمة لا زال فيها بعض جذور الجاهلية لذلك بدأ البعض بتفضيل العرب على غيرهم في العطاء مما أسس لتفشّي ظاهرة جديدة وهي الشعوبية والعصبية الجاهلية

    • زائر 2 | 12:34 ص

      ويسلّموا تسليما= لقد سلّم العرب امورهم لامريكا والغرب بدل تسليمها لله

      هذه هي الحقيقة
      العرب سلّموا حالهم ومالهم للغرب يتلاعب بخيراتهم
      بترول العرب مضمون للغرب وامريكا ومقابله شراء سلاحهم مضمون فيربحون في الرايحة والجاية

    • زائر 1 | 11:25 م

      العرب

      ترى مردخاي غير أمريخي الأولي يهودي والثاني عربي مردخاي أتا وادعى عربي وتزوج من العرب وتالي نعز العرب وتسيد القبيلة ولعب لعبته إلى اليوم والآن الصهيونية جنبها سليم منه .

اقرأ ايضاً