العدد 4953 - الثلثاء 29 مارس 2016م الموافق 20 جمادى الآخرة 1437هـ

تفجيرات بروكسل صناعة بشرية

منى عباس فضل comments [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

أن يضرب الإرهاب مجدداً أوروبا ومناطق أخرى في العالم؛ أمرٌ كان ولا يزال متوقعاً، خصوصاً وقد أعلنت الولايات المتحدة امتلاكها لمعطيات تؤكّد وجود مخططاتٍ لتنفيذ هجمات جديدة في عدة دول أوروبية بلغ بعضها مرحلة متقدمة.

مقاربة ظاهرة الإرهاب وحالة الاستنفار، لاسيما بعد تفجيرات بروكسل وقبلها اعتداءات باريس وتفجير منطقة السلطان أحمد وجادة الاستقلال المكتظة سياحياً وسط اسطنبول، فضلاً عن تونس والعراق وسورية والجزائر وأندونيسيا ولاهور التي سقط فيها مئات الأبرياء قتلى وجرحى، تركّزت أغلبها في البحث والتحليل على البعد السياسي والدوافع الاقتصادية والعسكرية وربطها بحالة الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، وتحديداً في سورية والعراق وتمدّدها في ليبيا وغيرها. بل إن بعض التحليلات خلصت إلى أنها مقدمةٌ لحرب كونية ثالثة تحدث بالنيابة جراء الأزمات البنيوية في الاقتصاد العالمي، وفشل الأمم المتحدة حتى اللحظة في إنهاء الصراعات الدائرة.

فشل أمني أوروبي

ثمة تحليلات متصلة ركّزت على الفشل الأمني الأوروبي لصد الهجمات الإرهابية المتكررة، على رغم الاستنفار والصخب المرافق للمداهمات والاعتقالات في فرنسا وألمانيا وبلجيكا وبقية الدول الأوروبية، لاسيما بعد تأكيد وجود خلايا تخطط لهجمات جديدة، وأن بعض المشتبه بهم كانوا ممن ألقي القبض عليهم على صلة وارتباط عضوي ومعروفين وملاحقين أصلاً من الأجهزة الأمنية الأوروبية، الأمر الذي يثير الاستغراب والتساؤلات بشأن الإحترازات الأمنية. في هذا الصدد قيل الكثير بشأن ضعف تشبيك الأجهزة الاستخبارية وبأنها لا تعمل كوحدة واحدة، وإن التنسيق بينها لا يرقى لمستوى ما تتعرّض له أوروبا من تهديد. فهناك قلّة ثقةٍ في تبادل المعلومات والتشارك بفعالية بها؛ الأمر الذي يستشف من تصريح وزير الداخلية الهولندي الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية للإتحاد الأوروبي حين قال: «نحتاج العمل أكثر مما نفعل حول تبادل المعلومات، فالتهديد عالمي، والجناة يسافرون من بلدٍ لآخر، ولهذا فالاستجابة يجب أن تكون دولية. لدينا شرطة وأجهزة استخبارات وطنية، لكن نحتاجهم أن يعملوا معاً، حتى بشكلٍ أفضل مما يفعلون الآن». ماذا يعني ذلك؟ يعني بوضوح تفاقم المشكلة الأمنية المتعلقة بتشتت أنظمة جمع المعلومات من جانب، وإهمال التعامل مع بعضها من جانب آخر، وهذا ما ألمح إليه الرئيس التركي رجب طيب أودوغان حين أعلن بعد هجمات باريس السابقة، بأن أجهزته أخطرت السلطات الفرنسية بشأن أحد الانتحاريين مسبقاً.

مفرخة العنف واستنساخه

الخطورة في المشهد السياسي الكئيب تتمثل في تفريخ العنف واستنساخه وتعزيز وجوده، إن برعاية إقليمية أو دولية، لهذا السبب أو ذاك، أو بغضّ الطرف عنه والتساهل معه وبالتالي تمريره تماماً كما يشير الكاتب الكويتي غانم النجار حين يقول: «لقد أصبح لمعظم أنظمة المنطقة متطرّفوها وإرهابيوها، يتم استخدامهم حين الحاجة أو غير الحاجة، وأصبحت المنطقة مزدحمةً بالتدخلات الأجنبية، والحروب، وتفريخ المنظمات المتطرفة التي قد تعمل لحسابها، وصار لدينا إرهاب خاص وإرهاب عام... ولا تزال المنظومة الدولية والإقليمية تتعامل مع واقع الحال المتردي باستهتار، ومازالت تنطلق من منطق القوة، لا منطق كرامة الإنسان، والأدلة تدل على فشل مكعب».

أما الكاتب اللبناني نصري الصائغ من «السفير»، فيدعو إلى تسمية الأشياء بأسمائها، حيث بات للإرهاب «دولة خلافة عظمى» ببعد معولم، يهدف إلى «أسلمة» العالم، ببسط عنف «إلهي» غير مسبوق، لا يضاهى في توحشه وجرأة التحدي بالموت والانتحارالمكافئ بملذات الجنة، ضحاياها لا يتحملون أي ذنب أو مسئولية، فهم وقود المعركة، والأسوأ إن الدول والرؤساء والملوك لم يعلنوا الحرب على «داعش» بعد، وما يلوكونه مجرد كلام مبتذل لا يساوي حروفه، لا تكفي إعلانات حالة الطوارئ وتشديد القبضة الأمنية ومشروعات تعديل قوانين نزع «الجنسية» عمن يشتبه به، الإسلام هنا لا يتحمل مسئولية أي اعتداء أو توحش؟ لا علاقة للإسلام بهذا التوحش»، وذلك برغم قناعة الصائغ إن هذه الدولة المتوحشة وُلدت هنا وبأدواتٍ من عندنا، ولها حاضنةٌ تحظى بتفهم غربي ورعاية أميركية ودعم عالمي»، السؤال: هل حقاً الإسلام لا يتحمل عبء هذا التوحش؟

الإجابة على السؤال وتداعياته تكمن في النظر إلى ما حرّره المفكر اللبناني علي حرب في كتابه «الإنسان الأدنى: أمراض الدين وأعطال الحداثة»، والذي يرى فيه فشل البشرية في معالجة العنف الفاحش والحد من انتشاره، على رغم تكاثر دعوات التسامح الديني وخطاباته وتناسل منظّمات حقوق الإنسان. إنه يزداد كماً ونوعاً حيث يستخدم الإرهابي جسده وأجساد الآخرين كأدوات للتفجير والترويع أو للخطف والتعذيب أو للتصفية والاستئصال، أساسه عقل أصولي أو طوباوي باحث عن الحلول القصوى أو الفردوسية بنفي العالم أو استئصال الغير. فالكاتب حرب ينتهي إلى أن الإرهاب يجسّد أزمة هوية ويصدر عن وعي مأزوم يتمثل في ارتداد الفكر الجهادي على قيمه وتعاليمه بالطعن والتدمير.

الهوية هنا كما يذكر مصابةٌ بداء في معناها وقيمها وثوابتها، والعلة تدور في العقول والعقائد المغلقة والمنازع النرجسية والدعوات المستحيلة والنماذج البائدة، لا تختصر المسألة في مجرد احتجاج على القهر والظلم أو الاحتلال، ولا بأن الإرهاب مجرد عنف تمارسه شرذمة منحرفة، بقدر ما هو موقف سلبي ومعادٍ للوطن والدولة أو المجتمع والمدنية، أو الناس والعالم. نحن إزاء آفة أو ظاهرة متفشية هي ثمرة ثقافة دينية رائجة بمرجعياتها ورموزها وتعاليمها وخطاباتها وفتاواها وأحكامها... صحيح أن الإرهاب يُخطّط له في السر والعتمة، لكنه يشكل الوجه الآخر لهذه الثقافة التي تسهم في إنتاجه وتعميمه، وهي ثقافة متحجّرة، أحادية، عاجزة، فقيرة، عدوانية، استبدادية تجري ممارستها وتُستنسخ أو تُعمَّم نماذجها، تحت سمعنا وأبصارنا في المساجد والمدارس ومن شاشات التلفزة والقنوات».

معالجة المعضلة

هل أغلقت منافذ الحل لهذا المأزق؟ قطعاً لا. فثمة معالجة يقترحها علي حرب، لكن الأمر يقتضي قبلها تفكيك جذور المشكلة التي نهرب من مواجهتها، وهي ترتكز على محاولة «أسلمة» الحياة المعاصرة وفقاً لمنظومة تفكير الفرقة الناجية التي تمتلك الحقيقة المطلقة، وعلى المنهج الأصولي الذي يحاول استعادة الماضي بحذافيره، وطرح شعار الحاكمية الإلهية لاحتكار مشروعية النطق زوراً أو عنوةً باسم الأكثرية، واعتماد استراتيجية الرفض والإقصاء للمختلف واتهامه ونبذه أو استبعاده وإلغاؤه، واللجوء للعنف أسلوباً ووسيلةً لتحقيق أهداف طوباوية ومشاريع مستحيلة، ما يعني أن التعصب يمارس داخل الدين وضد مبادئه، وبالتالي فإن الإرهاب صناعة بشرية، ومكافحته تقتضي العمل على الذات والمعتقدات والمؤسسات والبنية الثقافية ونماذجها. كما يتطلب العمل على جبهات متعددة، جبهة الفقر بالتنمية الاقتصادية؛ والاستبداد بالإصلاح السياسي والتغيير الديمقراطي والعمل المدني؛ وتوسيع مساحات الحرية ومجالات الحقوق؛ وتغليب منطق التفكير النقدي وتنوير الرأي العام إعلامياً، بالكفّ عن لغة التعبئة والشعوذة والإبادة؛ والعودة إلى لغة الوسط والتخلّي عن منطق التطرف والتكفير الذي يعدّ أناساً يتقنون استعداء المختلف في الداخل والخارج.

الحقيقة المُرّة المتفق عليها في الخلاصة، أن الإرهاب الذي نستنكر وندين، هو حصيلة أفكارنا وتربيتنا وخطاباتنا التعبوية وأحقادنا وكراهيتنا للآخر المختلف؛ وهو نتاج الاستبداد والقمع البربري والغطرسة المتوحشة التي تتعامل مع الأفكار كمطلقات ومقدسات؛ كما إنه نتاج هدر كرامة المواطن والارتهان للذل واستعباد القوى العظمى وتنفيذ مخططاتها، والفشل التنموي واستنزاف ثروات الشعوب وسرقتها. يا لها من فضيحة عصرية.

إقرأ أيضا لـ "منى عباس فضل"

العدد 4953 - الثلثاء 29 مارس 2016م الموافق 20 جمادى الآخرة 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً