العدد 4977 - الجمعة 22 أبريل 2016م الموافق 15 رجب 1437هـ

معارك البحر أخطر من معارك اليابسة

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

في أحيان كثيرة، يكاد المرء يُجزم أنّ لا موقع في هذه الأرض إلاّ وفَتَحَت القوى الكبرى عينها عليه وبالتحديد الولايات المتحدة الأميركية. لا أقصد يابسة العالم فقط والتي تصل إلى 17 مليوناً و852 ألف كيلومتر، بل حتى المياه كذلك والتي تزيد مساحتها في هذا الأرض على الـ 357 مليون كيلومتر. دققوا في بحار آسيا السبعة، أو بحار وخلجان أوروبا وكذلك بقية ذلك في أنحاء العالم.

في بحر الصين الجنوبي هناك صراع، وعين بكين على طاقة بحر بوهاي. في البحر الأصفر هناك مناورات عسكرية وإثبات وجود. في بحر آرال مشاكل بيئية أساسها اقتصادي وتنافس إقليمي. بحر قزوين لايزال ينتظر قِسْمَة القوى المتشاطئة. ذات المشكلات توجد في أغلب بحار العالم. مؤخراً، ثار جدلٌ روسي أميركي حين ادّعى البنتاغون قيام طائرة سوخوي 27 روسية بالاقتراب (50 قدماً) من طائرة استطلاع أميركية طراز أر. سي 135 فوق بحر البلطيق. وهو الحادث الثاني في أسبوع واحد فقط.

بينما قال الروس إن دفاعاتهم الجوية تعيَّن عليها «الدفع بطائرة مقاتلة بعد تحديد هدف غير معلوم ذات سرعة عالية فوق بحر البلطيق ويتجه نحو حدودها، إلى أن غيّرت طائرة الاستطلاع الأميركية مسارها بعيداً عن الحدود الروسية بعدما أجرت اتصالاً بصرياً بالطائرة الروسية سوخوي». سبق هذا الحادث تحليق طائرتَيْ سوخوي روسيتين فوق المدمرة الأميركية دونالد كوك في بحر البلطيق.

الحقيقة، أن هذا الخبر جدير بأن يُتأمّل فيه، كي تُعرف مناطق الصراع بين الدول جيداً. وكان جون ب. كيلي يقول منذ أزيد من مئة عام، إنه ليس بوسع أيّ دولة أن تمارس نفوذاً على منطقة الخليج العربي ما لم تكن تلك الدولة تملك السيطرة على البحار. ثم يقول إنه لم توجد دولة مارست مثل هذه السيطرة منذ سقوط الخلافة العباسية وحتى القرن السادس عشر سوى البرتغال. لكن الحقيقة اليوم باتت تؤكد أن تلك النظرية تشمل ما هو أوسع من منطقة الخليج، حيث جميع البحار.

ولأن الخبر يتحدث عن بحر البلطيق، دعونا نتحدث عن شيء يخص ذلك البحر لمعرفة حجم أهميته. هذا البحر يكاد يكون الأهم على الإطلاق على مستوى التنافس الاستراتيجي بين الشرق والغرب. فهو بحر تتجاور فيه عدة دول كالسويد وفنلندا والدنمارك وألمانيا وبولندا وليتوانيا ولاتفيا واستونيا وصولاً إلى روسيا التي تعتبر الضلع الأصعب فيه، والمغاير لكل التحالفات الموجودة.

مساحة هذا البحر الواسعة والتي تصل إلى أزيد من 415 ألف كيلومتر، وكثرة الدول المطلة عليه جعلته بحر المدن، حيث تطلّ عليه 18 مدينة أساسية أوروبية وروسية، وفيه العديد من الموانئ والتي تصل إلى 14 ميناءً. كما يمتاز هذا البحر بأن دورة مياهه ترتبط باتجاه الريح، ويُمرّر تياراً من الرياح الباردة باتجاه بحر الشمال من كُوَّة الدنمارك، المربوط بالبلطيق عبر قناة كيل منذ 232 عاماً.

هذا التنوع الجغرافي لبحر البلطيق جعله منطقة مواصلات مهمّة لشمال أوروبا ابتداءً من الوسط وحتى الشمال حيث الدول الاسكندنافية وانعطافاً شرقاً باتجاه روسيا. يضاف إلى ذلك مشاريع نقل الغاز الروسي إلى وسط وشمال أوروبا وبالتحديد للدول الاسكندنافية شديدة البرودة. كل هذه العوامل كانت سبباً أساسياً لجعل هذا البحر في عين أهم القوى الدولية وبالتحديد الغربية.

قبل تفكك الاتحاد السوفياتي كانت حدود موسكو أوسع بكثير من الآن. وكانت تصل عبر الانحنائة اللاتفية إلى وسط البحر بالاشتراك مع السويد. لكن وبعد تفكك الاتحاد في العام 1991 واستقلال ليتوانيا ولاتفيا واستونيا وابتعاد هذه الدول عن المدار الشيوعي وانضمامها للاتحاد الأوروبي أصبح وضع الأخير أفضل بكثير فيما خصّ حدوده البحرية في البلطيق، حيث باتت على تماس مع الروس وبالتحديد عبر شمال استونيا باتجاه سان بطرسبورغ (أو لييننغراد سابقاً) شمال غرب روسيا.

ومنذ ذلك الوقت، بدأ التنافس المحموم بين الروس والأوروبيين يحتدم في البحر. وزاد ذلك، دخول حلف شمال الأطلسي على الخط، والذي ينتمي إليه ست دول مُطلّة على البلطيق. وقبل قرابة العام أعلنت ليتوانيا أن دول البلطيق الثلاث (ليتوانيا ولاتفيا واستونيا) ستطلب من الحلف «نشر عدة آلاف من الجنود كقوة ردع في وجه روسيا». وإيجاد «قوات أطلسية دائمة بالتناوب، كإجراء ردعي».

الروس مقتنعون أنهم لم يعد بإمكانهم عمل تغيير جغرافي جديد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لكنهم قادرون على توسيع دائرة السياج الأمني في غور البحر، وتعطيل أي مساعٍ أوروبية لتقليل اعتماد شمال ووسط أوروبا على الغاز الروسي، وفي الوقت نفسه مستندين إلى اتفاقية العام 1997 التي وقعها الاتحاد الأوروبي مع «روسيا اليلتسنية» عندما كانت دولة ذات علاقة «صفراء» مع الغرب.

فروسيا ترى هذا البحر مجال سطوتها في المدار الغربي باتجاه أوروبا وحلف الناتو، بالضبط كما هو البحر الأسود الذي يُفضِي بالنفوذ الروسي إلى حيث البحر الأبيض المتوسط، وبالتالي شرقاً حيث سورية وعموم الهلال الخصيب، أو جنوباً حيث قناة السويس فالبحر الأحمر، أو باتجاه الجنوب الغربي حيث شمال إفريقيا والمغرب العربي، وكذلك جنوب أوروبا وصولاً إلى مضيق جبل طارق.

هذا مَلْمَح من ملامح الصراعات الدولية. وهو صورة من عدّة صور مشابهة تجري في غير مكان من هذا العالم.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 4977 - الجمعة 22 أبريل 2016م الموافق 15 رجب 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 3 | 12:06 ص

      تكملة تتبع التعليق المتعلق بالسلسلة الوثائقية (لالئ بحر البلطيق).
      الشركة قالت أن السلسلة Out of print و غير متداولة في الأسواق، و لكنهم قالوا لي أنهم سيرسلونها إلى عنواني مجانا.
      حقا أن هؤلاء الشعوب الإسكندنافية في غاية الرقي و التحضر، فبمجرد أن أرسلت لهم ايميل استفسر فيه عن كيفية شراء الفيلم، عرضوا منهم تبرعا ارسالها لي مجانا و هم لا يعرفون من أنا!
      قمت بشكرهم على رقيهم و تمنيت لهم النجاح و التوفيق!

    • زائر 2 | 12:02 ص

      على ذكر بحر البلطيق، أتذكر أنني شاهدت سلسلة وثائقية مترجمة على قناة الجزيرة الوثائقية اسمها (لآلئ بحر البلطيق). كانت السلسلة في غاية الروعة من كل النواحي، الدبلجة و الموضوع و الإخراج.
      بعد بضعة سنين اشتقت لمشاهدة السلسلة الوثائقية، بحثت في النت لكي أشاهد السلسلة مرة ثانية، سواء بالعربية أو باللغة الأصلية، لم أجد العنوان الأصلي إلا بعد جهد عسير. اكتشفت أنه كان باللغة الفنلندنية، فراسلت الشركة المنتجة عن كيفية الحصول على السلسلة، فقالوا لي أنها لم تعد متداولة في الأسواق. تكملة تتبع ...

    • زائر 1 | 11:52 م

      لماذا تستخدم لفظة (أزيد)؟
      أنت تسن بدعة سيئة بذلك!

    • زائر 4 زائر 1 | 12:31 ص

      رد على زائر رقم واحد

      استخدام كلمة أزْيَد صحيحة ولا يوجد بها إشكال لغوي

    • زائر 5 زائر 1 | 3:26 ص

      كلمة ( أزيد )

      هي الأصح لغويّاً وليست بدعه

اقرأ ايضاً