العدد 4995 - الثلثاء 10 مايو 2016م الموافق 03 شعبان 1437هـ

إنجازاتهم ورؤيتنا

هناء بوحجي comments [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

وصلني فيلم فيديو قصير، تم تداوله بكثافة الأسبوع الماضي، عن التعليم في فنلندا وكيف عقدت الحكومة فيها العزم على رفع المستوى التعليمي فيها خلال الفترة من 1960 حتى 2000 لتقفز إلى المستوى الأول. وفي الفيلم أجرى المخرج الأميركي مايكل مور لقاءات مع تربويين من مدارس فنلندية، قالوا إن ساعات الدراسة اختُصرت إلى 3 إلى 4 ساعات يومياً شاملةً لساعة الغداء، بحيث لا يزيد عدد ساعات الدراسة أسبوعياً عن 20 ساعة.

إحدى المدرسات قالت: «العقل يجب أن يرتاح فيما بين ساعات الدراسة وإلا فإنه يتوقف عن التعلُّم». مدرسٌ آخر ذكر أنه يتم جلب مهندسين وآخرين لتعليم الطلبة في أثناء لعبهم في فناء المدرسة». بينما أكّد أحدهم على «أهمية تعليم الأطفال القيم وكيف يكونوا سعداء».

في كل الأحوال، فإن التصنيف ليس حديثاً، إذ تقدّمت فنلندا أفضل عشرة أنظمة تعليمية في العالم في 2012، أما في التصنيف الأخير الذي صدر العام الماضي فقد أزاحت كوريا الجنوبية فنلندا إلى المركز الخامس.

ما يستحق الانتباه في هذا الفيلم ليس هذا التطبيق غير الاعتيادي لنظرية مبتكرة في فنلندا بشأن ساعات الدراسة للأطفال، أو نمط التعليم غير التقليدي الذي كان المتحدثون في الفيلم يركّزون عليه، وإنّما الرؤية لتطوير العملية التعليمية التي وضعت في وقتٍ لم تكن فنلندا راضيةً عن تصنيفها، والتي تم العمل في إطارها حتى تمكّنت فنلندا من حصد المركّز الأول والإعلان عن ذلك، وهو ما تحقّق بعد أربعين عاماً.

عن ذلك قال بروفسور جامعة هارفرد الذي أطلق اسم «الظاهرة الفنلندية» على نظام التعليم المبتكر في فنلندا، وأنتج فيلماً عن ذلك، توني واغنر: «في مطلع السبعينيات كان لدى فنلندا نظام تعليمي رديء بإنجازاته، مع اقتصاد زراعي لا يقدّم سوى منتج واحد، وهو خشب الأشجار التي كانت تقطع بمعدلات غير قابلة للاستدامة، وأدركوا أنهم لن يعبروا بها نحو المستقبل القريب. وعرفوا أن عليهم مراجعة نظامهم التعليمي وتجديده لتأسيس اقتصاد معرفة فعلي». (في مقابلة نشرت في 21 يوليو/ تموز2011 على Business.com).

كما هو متوقّع، قارن الطلبة لدينا وضعهم بما شاهدوه وتمنوا نظاماً تعليمياً مشابهاَ «حانياً» لشدة تراخيه مع الطلبة، فلا امتحانات حتى عمر 13 سنة، ولا تقييم ولا تصنيف للطلبة ولا تمييز لمستويات دراسية في الفصول، فالجميع سواسية، ويتم إعطاؤهم نفس الفرص، كما أنهم يتمتعون بفسح كثيرة طيلة اليوم الدراسي القصير أصلاً، وغيرها من المواصفات التي تجعل الطلبة هنا، يشعرون بسوء الحظ على الأقل من وجهة نظرهم.

التعليم في فنلندا مجاني، يبدأ من مرحلة الحضانة للأطفال الرضع، وتبدأ الابتدائية عند عمر 7 سنوات، ولا فروقات في الجودة تذكر بين المدارس، فما يظهر في التصنيف الأسوأ لا يقلّ في جودته بأكثر من 4 في المئة، ذلك لضمان حصول الجميع على مستوى متساوٍ من التعليم في مستويات جودته العالية.

لم يذكر الفيلم القصير شيئاً عن المدرسين، لكن بعض البحث عن النظام التعليمي في فنلندا أظهر أن للمدرسين نصيبهم السخي من رؤية التعليم الفنلندية، فالجميع يحصل على تدريب عالٍ ويحمل شهادة ماجستير تتحمل الحكومة تكلفتها. والأهم من هذا كله أن فنلندا نجحت في رفع مكانة المعلّم اجتماعياً. وتحدث واجنر بإعجابٍ، عن الكيفية التي ارتقت فنلندا بها بدور المعلم في عيون الناس، لتصبح أكثر من مجرد مهنة محترمة؛ بل مهنة تستحوذ على الإعجاب والتقدير، مقارناً ذلك بما يتعرض له المدرسون من التوبيخ والملامة في كل الدول التي تعتمد على الامتحانات. وقال: «ينظرون في فنلندا إلى المدرسين والمدرسات على أنهم علماء، وإلى الصفوف على أنها مختبراتهم، ولذلك فكل مدرس يجب أن ينال درجة ماجستير، وليس أي شهادة ماجستير؛ بل يجب أن تكون في مجال متخصص بشأن الإعداد الفكري في الصف، أما الناحية الثانية هنا فهي أنهم حدّدوا ما هي الاحترافية في مهنة التدريس على أنها العمل الجماعي والتعاوني بدرجة أكبر من العمل الفردي، حيث يمنح الأساتذة فسحة للعمل معاً لتحسين المناهج والدروس».

لا أدري إن كان هذا الفيلم الذي وصلنا متأخراً قد أثار شهية القائمين على صياغة الرؤى التعليمية للتحرّك برغم أنهم بحكم مواقعهم لابد أن يكونوا قد علموا عن تلك «الظاهرة» الفنلندية في وقتها، وليسوا بحاجةٍ لمشاهدة الفيلم القصير الذي كان محور أحاديث الكثيرين لسرعة انتشاره.

كشخص عادي انهمرت في ذهني التساؤلات. ترى كيف كانت رؤيتنا للتعليم الذي هو عماد التطور والتحضر والتقدم، أو ربما رؤانا إذا ما افترضنا مرورنا بمراحل مختلفة وكل منها يحتاج لتعديل الرؤية بما يتناسب مع التطورات، منذ أن سبقت البحرين جيرانها في التعليم في عشرينيات القرن الماضي؟ أو ربما منذ جريان أموال النفط في موازناتنا قليلاً بعد تغلغل أهمية التعليم في ثقافتنا؟ أين هي نتائج تلك الرؤى؟ ألم تطمح إحدى الرؤى أن ترى إنسان هذه البقعة من الأرض، التي أثثت ثروات النفط فضاءها بالمباني العالية وشوارعها بالسيارات الفارهة-- جديراً بتولّي كل المناصب العليا في القطاعين العام والخاص.

ربما تجدر الفرملة هنا قليلاً، فسيرة قدرات البحرينيين تذكّر بفتراتٍ ذهبيةٍ تميّزوا بريادتهم خلال العقود الوسطى من القرن الماضي، في المنطقة في تولّي المناصب العليا وتأسيس الشركات وتصدير الخبرات والأخذ بيد جيرانهم إلى المعالي. ترى أين تلاشت تلك الريادة وتلك القدرات وصار بعض المسئولين يقولون عن «البحريني أنه ليس جاهزاً بعد».

وإلى أسفل المناصب القيادية العليا، ألم تكن هناك رؤية لأن يأتي ذلك اليوم الذي يكتسح فيه البحرينيون جميع مواقع سوق العمل كنتاج لاستراتيجية وطنية صارمة وواضحة لقطف ثمار استثمار التعليم الذي يفترض أن يكون مفصلاً على احتياجات السوق على امتداد الأجيال والتطورات؟ هل نحن على وعي بأن ثمار أي خطة تعليمية سيحتاج عقدين لتُقطف؟ وهل نملك، ونحن نرزح تحت وطأة مختلف أنواع التحديات الداخلية والخارجية، أن نؤجّل أو نتباطأ في صياغة رؤية لخلق أنظمتنا التنافسية المناسبة التي نؤمن أن تنتج إنساناً تنافسياً في عصر زوال الحدود؟

حذّرني أحد الأصدقاء، وهو خبيرٌ في علم النفس البشرية، من الكتابة، خصوصاً في أوقات الشدة، التي تطرح أسئلةً دون اقتراح إجابات لها وحلول، وعلى عكس الموضوعات الإبداعية التي تنشِّط التساؤلات فيها الخيال وتحفزه، فإن التساؤلات التي تنطوي على اللوم والشكوى، تؤدي إلى حيرة القارئ وتحبطه أو تزيد من إحباطه. كما تقول حكمة سائدة، محذّرةً على المستوى الفردي: «لا تقارن نفسك بأحد، وكن نفسك دائماً وفق قدراتك وأحلامك»، ولكن بين إنجازات الآخرين والإيمان بقدراتنا الإنسانية الكامنة التي يشهد عليها الإرث المسجّل في صفحات التاريخ، عليّ أن أعتذر للخبير، ولقائل الحكمة بأن أسمح لنفسي بمخالفتهما، فمشاهدة القطار يمضي سريعاً بالعالم من حولنا لن تأخذنا معهم إلى حيث يذهبون، لابد من أن نقفز إلى داخله ونطمئن إلى مكاننا فيه، وهذا لن يتحقق إلا برؤية واضحة ومحدّدة المعالم تعبّد الطريق، وتخلصنا من كل ما يثقل حركتنا ويشدّنا إلى الوراء إلى الأسفل.

إقرأ أيضا لـ "هناء بوحجي "

العدد 4995 - الثلثاء 10 مايو 2016م الموافق 03 شعبان 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 12 | 2:34 ص

      كلام جميل، حركه فلم قصير
      مثل هذه الرؤية كانت تلازمنا نحن المدرسين منذ منتصف السبعينات ، وبعد أن كنا اختصاصيين
      اذن لماذا لم يكترث أحداً بالمبادرات المتميزة ،ببساطة لأن هناك أهرامات،ليس فى وزارة التربية ،وإنما فى كل وزارة وادارة وقسم ،؟خوفو لم يغادر رأس كل مسؤول ،الرؤية رؤيته والأمر أمره. نكتب كما كتبت ،نذكر نقدم الإقتراحات
      تذكرى أن التغيير لايبدأ من وزارة اوأكبر من وزارة.
      هى ثقافة فى داخلنا، تشدنا الى الارض ، نحتاج أن نقلبها ونتغلب عليها " ان الله لا يغيرمابقوم حتى بغيروا ما بأنفسهم"

    • زائر 11 | 12:45 م

      الوزارة تحتاج الى موظفين عندهم تخصص اكاديمي ويكونوا من بني آدم مو من خشب جهنم يفعلون ما يؤمرون ، فهم كالانعام بل هم اظل ومنهم له اجندة حزبية في رأسة من داعش .. يود لو يكون كل قالب المدرسة صورة مصغرة

    • زائر 10 | 12:41 م

      اضم صوتي للقائل احتفظي بالمقال الى عام 2120 . للتذكير به. اقول اللوم الاكبر في ذلك على الحكومة فهي المتسببة بكل هذا التخلف .. التفاهات التى تلاحقها التربية في تسجيل الخروج والاستئذان والضبط والربط في الحضور والانصراف للمعلم والطالب فقط . وكأنها تنجز أعظم مهمة في ميدان التعليم وتعتبر نفسها حققت قفزة نوعية في ضبط الكل وبالتالي الكل نجح !

    • زائر 9 | 10:49 ص

      نشكر الكاتبة على المقال الجميل. في فنلندا النابغة من خريجي الجامعات يتم اختيارهم كمدرسين ويتم الأهتمام بهم لتخريج أفضل الطلبة. في الدول العربية لا تعليق.

    • زائر 7 | 7:07 ص

      احسنتِ اختي هناء الكاتبة المتألقة، في كل أسبوع ننتظر المقال الذي يعبر عما بداخلنا من هموم و مشاكل و اقتراحات و أفكار أشبه بمن يضع يده على قلبنا و يتكلم نيابةً عنا فعلا نحن من يشهد له التاريخ بأنا اهل العلم و الفكر من الدول المجاورة و من اقل الشعوب أمية لكن للأسف أين كنّا و أين أصبحنا الان بسبب سوء التخطيط و التنظيم و تفضيل المصالح الشخصية فوق التعلم الذي اهو رمز الدولة وفخرها يجب ان يبعد هؤلاء وان يتم وضع كل شخص في مكانه الصحيح لنستفيد من خبرائنا و ننهض ببلدنا مرة اخرى. شكرا مرة اخرى استاذة هناء

    • زائر 6 | 4:15 ص

      مقال جميلة و يحمل رسالة قيمة للمجتمع
      فعلا هل ممكن نتعلم من الاخرين بعض الدروس و المماراسات الناحجة لمسقبل وطننا و الالرتقاء بعطاء افضل

    • زائر 5 | 3:59 ص

      مشكلة تدني التعليم عندنا مشكلة أزلية وتكاد أن تكون مزمنة، لا جدال بأنه التعليم هو محور ومركز الأسرة المجتمع الأمة القوم إلخ..، فعلا أختي العزيز أشرتي إلى نقطة مهمة جدا ومريره في نفس الوقت "أين رؤية التعليم قبل النفط".. ونحن السباقون بين دول الخليج في رصف السكة التعليمية التي يمر بها ذلك القطار المسرع إلى النهضة والتطور .. أول مدرسة للبنين/وللبنات، أول إذاعة، أول تيلفزيون، أول بئر نفط، أول أول أول.. هل ما أصابنا سرطان استطاع أن يتنتشر في أحشاء مجتمعنا ونهضتنا؟ مقال رائع شكرا

    • زائر 4 | 2:49 ص

      احسنت اختي الكريمة
      أنا معلمة لكني لا اشعر بروعة مهنتي بسبب ما اشاهده كل يوم من عدم الاحترام من قبل الطالبات وعدم التقدير من بعض الادارات . والنظرة الدونية لنا ممن يعمل في الإدارة المدرسية وكأننا عاملات في المدرسة وانهم افضل منا من كثرت الأعمال التي علينا ونقوم بها.
      اتذكر يوم كنت في الإبتدائية كنا نحترم ونقدرمعلماتنا لأقصى حد وهذا مالا اجده الآن
      اصبحت اتمنى التقاعد اليوم قبل الغد لولا الظروف المعيشية الصعبة
      اتمنى أن يصلح الله الحال

    • زائر 3 | 2:19 ص

      لاجدال ان التجربة ناجحة بكل المقاييس وممكن نقلها ولكن المشكلة تكمن في وجود أمور أساسية متأصلة في فنلندا عكفوا على بنائها طويلا كثقافة الفرد والمجتمع والقوانين والدساتير الداعمة وقيمة الأنسان سواء اكان طفلا أم بالغا .. فدول عدة حاولت نقل التجربة ولكنها لم تنجح بل فشلت للأسباب الآنفة .. لذا من ينقل التجربة عليه توخي الحذر بنقلها مع ادق وابعد جذورها ويعكف على تغيير نظام كامل متكامل لضمان نجاحها.. أما نقل أساليب وطرق مجردة فالفشل حتمي .. ناهيك عن الوقت الذي يستلزمة تهيئة ارضية مناسبة لنقل التجربة

    • زائر 8 زائر 3 | 7:48 ص

      صحيح، لكل بلد ومجتمع خصائصه التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند الاستفادة من تجربة الآخرين. على سبيل المثال كان معدل ساعات الدراسة اليومي في المدارس الفنلندية مابين 3 إلى أربع ساعات عندما حصلت على المرتبة الأولى، أما في كوريا الجنوبية كان الطلبة يذهبون إلى المدرسة 7 أيام في الأسبوع. جزء من ثقافة شعبها الاستمتاع بالتعلم، ولأن هذا النظام هو الأنسب فقد أزاحت فندلندا وفازت بالمرتبة الأولى.

    • زائر 2 | 1:14 ص

      نعم الدول المتقدّمة انجزت وفعلت ووصلت ونحن فقط للتنظير
      أولئك يعملون ونحن مطبّلون
      أولئك يطوّرون ونحن نصفق
      أولئك يفعلون ونحن نملأ الكون صراخا
      لدينا منظرون ومبشّرون بمستقبل واعد وجميل لا ندري سنعيشه ام لا
      وأولئك يعيشون انجازاتهم ويتنعمون بها الآن
      نحن يستكثرون علينا ديمقراطية حقيقية ويهموننا بأننا لا زلنا قاصرون

    • زائر 1 | 10:50 م

      رجاء احتفظي بالمقال و أعيدي نشره في عام 2116 لربما هناك من يقرأه و يفهمه و يدركه. الله يطول في عمرك.

اقرأ ايضاً