العدد 5061 - الجمعة 15 يوليو 2016م الموافق 10 شوال 1437هـ

«الوسط» تسيح في الدير: في «أديرتها» الأربعة... والتنقيب لايزال بعيداً عنها

نخيل الدير... «حدوة فرس» قبل تقلبات الزمان
نخيل الدير... «حدوة فرس» قبل تقلبات الزمان

لا تختلف الدير كثيراً عن جارتها سماهيج. بقعتان يصفهما الباحث التاريخي علي هلال، بـ «الأرض الواحدة، والتي تشكل في مجموعها محور الحديث عن تاريخ الحقبة المسيحية (النسطورية، التي لا تؤمن بالتثليث) في البحرين»، مضيفاً «يشي الاسم (الدير) وهو مصطلح مسيحي، بهذه المحورية».

وفي الدير التي اختارتها «الوسط»، ضمن سلسلة تقارير سياحتها الداخلية في مملكة البحرين، والتي أنجزت 7 مناطق، شملت إلى جانب الدير، (بوري، عالي، الحد، عراد، قلالي، سماهيج)، كان الحديث عن المساجد الأربعة التي يرجح أنها كانت أديرة وكنائس قبل دخول البحرين في الإسلام، فـ «في الديانات السابقة للإسلام، لا يجاز في حال تم هدم معبد، نقل حجارته لبناء معبد آخر، نظراً لقداستها، ولذا تبقى الحجارة في مكانها».


بين رغبة «الثقافة» وخوف الأهالي: التنقيب لايزال بعيداً عن دير الراهب

«الوسط» تسيح في «الديـر المقـدسة»: في «أديـــــرتـــها» الأربعة... وباطنها الذي لم يصله التنقيب

الدير - محمد العلوي

لا تختلف الدير كثيراً عن جارتها سماهيج. بقعتان يصفهما الباحث التاريخي علي هلال، بـ «الأرض الواحدة، والتي تشكل في مجموعها محور الحديث عن تاريخ الحقبة المسيحية (النسطورية، التي لا تؤمن بالتثليث) في البحرين»، مضيفاً «يشي الاسم (الدير) وهو مصطلح مسيحي، بهذه المحورية».

وفي الدير التي اختارتها «الوسط»، ضمن سلسلة تقارير سياحتها الداخلية في مملكة البحرين، والتي أنجزت 7 مناطق، شملت إلى جانب الدير، (بوري، عالي، الحد، عراد، قلالي، سماهيج)، كان الحديث عن المساجد الأربعة التي يرجح أنها كانت أديرة وكنائس قبل دخول البحرين في الإسلام، فـ «في الديانات السابقة للإسلام، لا يجاز في حال تم هدم معبد، نقل حجارته لبناء معبد آخر، نظراً لقداستها، ولذا تبقى الحجارة في مكانها».

\وبدءاً من مساجد القرية الأربعة والقديمة: المسجد الشيخ أحمد، مسجد الراهب، مسجد السيد بَرَدانْ، وأخيراً جامع الدير الغربي، يأخذ الباحث علي هلال بيدنا في الجولة الميدانية التي طافت مقدسات الدير المختبئة بين «زرانيق» الدير وطرقاتها، وهو يقول «تعمد الأهالي تضييق طرقاتهم، حماية لهم من اللصوص ومن الاعتداءات الخارجية، واحتماءً وتقارباً من بعضهم البعض، حيث العلاقات الاجتماعية الحميمة والتكافلية التي كانت سمة الديريين».

لماذا المساجد الأربعة؟

يوضح هلال «جميع هذه المساجد تتشابه من حيث ارتفاعها على تلال لاتزال شاخصة للعيان، بما يشير لأهميتها التاريخية والدينية، تحديداً في الترجيحات التي تشير لكونها أديرة قبل دخول البحرين في الإسلام»، مشدداً في هذا الصدد على ظلامة القرية فيما يتعلق بعدم وصول يد التنقيبات الأثرية لباطنها حتى اليوم.

ويضيف «نقول ذلك، ونحن ننبه إلى محورية هذه المنطقة (تضم الدير وسماهيج)، في الكشف عن تاريخ الحقبة المسيحية في البحرين».

عطفاً على ذلك، يتحدث الاهالي في القريتين، عن منطقتهم المظلومة، والتي كانت مقراً للأسقفية (في سماهيج)، وفي العادة تنتشر حوالي الأسقفية، المدارس والمكتبات والمستشفيات والأديرة.

غموض الحقبة المسيحية

حتى اليوم، لايزال الغموض يكتنف الحديث بشأن الحقبة المسيحية في البحرين، تحديداً فيما يتعلق بمواطنها وآثارها.

يعلق على ذلك، هلال، مستعيناً بما يذكره بعض الكتاب والمؤرخين، عن قبيلة عبدالقيس التي ينحدر منها أبناء المنطقة وفي سماهيج كانت منازلها «المعروف أن قبيلة عبدالقيس تنصرت قبل أن تسلم طواعية، ومنذ أن أسلمت محت كل آثار المسيحية من الأديرة والكنائس، وبنت عوضاً عنها المساجد فذهبت الآثار، ومن بين كل ذلك بقي شاخصاً الدير ومسجد الراهب، رغم أن لقبيلة عبدالقيس التي التصق ذكرها بالبحرين، آثارها في عدد من المناطق كالجفير».

ويضيف «رغم ذلك، تبقى المعلومات عن الحقبة المسيحية شحيحة، حيث الحاجة للمزيد من البحوث المعمقة في هذا الجانب».

ويتابع «ضمن البحث، أحصيت 99 ديراً على مستوى المنطقة العربية جميعها تحمل أسماء مركبة كدير ياسين، عدا موقعين حملا اسماً مفرداً (الدير)، أحدهما هنا في البحرين (قرية الدير) والآخر في العراق»، مرجحاً أن يعود ذلك لعدم معرفة أصحاب هذين الديرين ولغياب المعلومات الخاصة بذلك.

من «ريا»... كانت البداية

ومن المنطقة المتداخلة بين سماهيج والدير، كانت البداية. تحديداً من المنطقة التي تضم مسجد سلمان بن مطر، وعين ريا، ثم مقبرة الدير التي تضم مسجد الشيخ أحمد.

ويقع المسجد الذي جدد قبل سنوات (أعيد بناؤه العام 2009)، على تلة في أقصى شرق القرية، فيما يعقب على ذلك الباحث هلال «الجهل بقيمة الآثار والتراث أدى لهدم البناء القديم للمسجد، والذي ترجح أسبقيته على المقبرة التي يتوسطها، حيث تشير الفرضيات إلى عمر يمتد للقرن الثامن عشر ميلادي»، مضيفاً «حتى اليوم، لا وجود لبيانات ثابتة بخصوص شخصية الشيخ أحمد، حيث لا وجود لقبر، فيما إذا كان ذا صلة ببقية العلماء المدفونين في مساجد سماهيج، وفيما إذا كان ديراً قبل تحوله لمسجد، وهو ما يتوجب أن يترك للبحث التاريخي، العلمي، والرصين»، وتابع «هذا أول المواقع التي لم تطلها يد التنقيب، رغم أهميته».

وبجوار مقبرة الدير ومسجد الشيخ أحمد، تقع عين ومزرعة ريا الشهيرة. البقعة الغناء التي طغى عليها العمران فأحالها أرضاً بوراً.

عنها، يتحدث هلال «أضحت العين أثراً بعد عين، وهي التي كانت قبلة الأهالي من سماهيج والدير وحتى من خارج القريتين، تحديداً من البسيتين التي كانت نساؤها ترد العين للسقيا. كانت مقصداً لـ «العرسان»، للسياحة والاستجمام والاستمتاع بحمَّامها وأشجارها المثمرة بمختلف صنوف الفواكه واللوز، وبوفرتها كانت تغذي القرية بالرطب، قبل أن ينتهي كل ذلك بعد أن استحوذ عليها التصحر».

ويضيف «نتحدث عن عين سياحية شهيرة، ضرب فيها المثل، حتى قال فيها الأجداد: (الطين طين ريا والهير هير شتية)، ما جعلها وجهة المصطافين من الوجهاء والحكام السابقين، كما هو الحال مع حاكم البحرين السابق الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، والوجيه المرحوم سلمان بن مطر والذي لاتزال بصماته في المنطقة حاضرة، بمسجده وعلاقاته الاجتماعية الممتدة مع رجالات وطواويش القرية».

الدير... حذوة فرس

وبالعيون و«الجواجب»، ذاع صيت «السماهيجيين والديريين والقلاليين» كثيراً، إحدى تلك العيون، العين العودة أو (الحنبوة)، والتي تفجر ماؤها مصادفةً، حين كانت تنقيبات الإنجليز في الأربعينات تقصد النفط، فجاءهم الماء الزلال عوضاً عن الذهب الأسود.

بعيداً، في جهة الغرب، كانت الدير التي كانت محاطة بمزارع على هيئة «حذوة فرس»، تضم «عين تنه»، موقعها خلف المبنى المقابل لمقر جمعية الدير الخيرية، وكانت ضمن منطقة خضراء مشهورة بالبرسيم وتضم البساتين التي اختفت، كما هو الحال مع بستان تنه، والبستان الغربي، و«سلوس» التي هي عبارة عن مجموعة من النخيل، بالإضافة لمزرعة سهيلة وموزة.

في الحديث ذاته، كانت إشارة الديريين لقرية أم نخيلة المندثرة، والتي كانت زراعية ومزدحمة بالنخيل، وإليها تصطاف العوائل من جميع مناطق المحرق، قبل أن يبتلعها مطار البحرين الدولي.

وبجانب ذلك، امتازت الدير بمصايفها الخلابة التي تلتقي فيها زرقة البحر بخضرة النخيل، كما امتازت بمعالمها ومن بينها «خسيفة»، التي يتناقلها كبار السن والأهالي كمنتجع، وأسطورة من أساطير الزمان.

بشأن خسيفة، يستذكر هلال «تحولت اليوم لثكنة عسكرية، وسابقاً كانت منتجعاً لرحلات طلبة المدارس، ولها مع الأهالي ذكريات جميلة لا تنسى».

إلى مسجد الراهب... صعوداً

خروجاً من مسجد الشيخ أحمد وما يجاوره من عين ومزرعة، دخولاً في حي القُلية (تلفظ الكُلية). هناك حيث يستريح المسجد الأكثر شهرة، والذي احتفظ باسمه الذي كان عليه حين كان ديراً للمتأملين، بعيداً عن صخب الحياة وضجيجها.

وحيث الجانب الغربي للقرية، سارت «الوسط» لتقطع أزقة الحي، والهدف «مسجد الراهب»، الموقع المقدس الثاني الذي يقع على تلة لاتزال ملامحها شاخصة، بامتدادها الجغرافي الكبير.

وتشير الفرضيات/ الترجيحات عن الموقع الأثري، والتي تضمنها كتاب (الدير... سيرة ذاتية) للباحث علي هلال، إلى «تأسيسه كدير في العام 410 ميلادية، أي قبل الإسلام بـ 200 عام، وذلك بعد نزاع بين أساقفة فارس ورئيسهم (تحدثت عنه محاضر الأسقفية التي عثر عليها الباحثون)، وهو النزاع الذي انعكس على المطرنة ليترك أثراً على الأسقفيات التابعة للمطرنة ومنها أسقفية سماهيج، حيث طال النزاع أسقفها (باطاي)، كما جاء في قانون 21 لماري اسحاق في بيت قطرايا من محضر الاجتماع الكنسي النسطوري توصية بحرمان باطاي سماهيج، وعلى هذا الأساس وبخ وأنب وفصل العام 410م».

ويضيف هلال في كتابه «إذا عطفنا هذه الحقيقة على ما ذكره الباحث القطري المسلماني من ان عمر دير الراهب يمتد إلى 200 سنة قبل الإسلام، (جاء الإسلام العام 610م)، فهذا يعني أن الدير أسس العام 410م وهو نفس العام الذي طرد فيه (باطاي) من الأسقفية، حيث يعني هذا ان راهباً من رهبان الاسقفية اتخذ له مكاناً في هذه المنطقة للتعبد، وتشير الفرضيات إلى أن صاحبه هو (باطاي)»، وتابع «هي فرضية تنتظر المنقبون والباحثون للكشف عن الحقيقية الغائبة حتى الآن»، وأردف «نقول ذلك، وننوه الى عدم وجود دليل يدعم الحديث عن دفن (باطاي) في الدير».

الدير... قبلة المتأملين

وحيثما يولي السائح للدير وجهه، فثم ارتفاع يسبق المسجد. ارتفاع تحدث عنه الباحث الإنجليزي لوريمر في كتابه (دليل الخليج).

فقبل قرون موغلة، لم تكن هذه المنطقة للسكن، يقول الباحث هلال، ويضيف «لا يفضل الرهبان الا الأماكن الخالية من الصخب والضجيج، ولا يجلسون وسط المصر، وهم يبتغون ممارسة التأمل والعبادة»، ويتابع «كانت هذه المنطقة بيضاء بلا مساكن، أما الحياة فكانت تتركز على الساحل، هناك حيث المهنة الأساسية للأهالي ممثلةً في صيد الأسماك».

وعن مسجد الراهب، يقول «قبل بنائه، كان المسجد عبارة عن حصير مفروش وكومة من الحجارة التي يعتقد أنها من بقايا الدير المهدم، وقبل اتخاذه مسجداً كان صومعة لإقامة الراهب وعبادته»، لافتاً إلى أن «للحفاظ على مسمى «الراهب» دلالات، من بينها الجذور التاريخية الضاربة للمنطقة، بالإضافة للتأكيد على أن أهلها لم يكونوا وثنيين، بل كانوا من أصحاب الكتب السماوية».

ومثل تشبث المسجد باسمه السابق، «قيمة كبيرة للموقع، ودليلاً لا يرد على انتمائه للحقبة المسيحية في كل من سماهيج والدير»، كما يقول هلال.

ووفقاً لمرويات الأهالي، فإن المسجد وقبل بنائه على أنقاض الدير، ظل مقصداً للبحرينيين ومن الطائفتين الكريمتين حتى ستينيات القرن الماضي. حتى توقف مشهد النذورات التي كانت ترد للمسجد وهو كومة من الحجارة، الصعود له عبر السلم المشيد من الحجارة، وصولاً لتاريخ بنائه الحالي في (15 جمادى 1420 هـ).

توثيقاً لذلك، يعلق هلال «غالبية من يقصدون المسجد هم من أهالي المحرق من العوائل تحديداً، وبعد زيارة المسجد للنذورات والصلاة فيه، يتوجه الناس للضيافة في البيت المجاور للمسجد (بيت عبدالله درويش)».

ورغم محوريته التي جعلت منه مزاراً لقساوسة من بينهم القس عطا الله حنا مطلع الألفية الثالثة، لايزال مسجد الراهب خارج نطاق التنقيب، فيما المعلومات التي تحصلت عليها «الوسط»، تشير لوجود رغبة جادة لدى هيئة البحرين للثقافة والآثار، فرملتها ممانعة أهلية، بسبب هواجس تحويله موقعاً سياحياً على غرار مسجد الخميس (المشهد ذو المنارتين).

«دالية الراهب»... وأولى المدارس

في الجهة الغربية من مسجد الراهب، تقع «دالية الراهب»، وهي عبارة عن مزرعة تحتوي عيناً، تم وقفها من قبل ملاكها للمسجد، وذلك بعد اضطرارهم للهجرة من البحرين إلى البصرة وإلى بوشهر.

اليوم، اختفى كل ذلك، فحلت محل «الدالية» أول مدرسة للبنات في القرية، قبل أن يصبح المكان مقراً لجمعية الدير الخيرية، منذ السبعينات.

وبشأن بواكير التعليم في قرية الدير، يجدد الاهالي عتبهم على عدم مساهمة علماء الدين، من الذين «مروا من هنا» في عقود سابقة، في حث الاهالي على التعلم والاكتفاء بصلاة الجماعة وهو ما جعل القرية فقيرة في إرثها العلمي.

بدوره، يوضح هلال «كان التعليم محرماً على البنات بسبب هيمنة النظرة المتشددة، فتوجهت بنات القرية لجارتها قلالي، حيث المدرسة التي تأسست هناك مطلع الستينات»، مضيفاً «نتيجة لارتفاع منسوب الوعي، تبدلت الأحوال، فافتتحت أولى المدارس النظامية في الدير».

كان ذلك، حين استأجرت وزارة التربية والتعليم، الموقع بالاتفاق مع إدارة الأوقاف الجعفرية، وذلك بعد الرسالة التي قدمها الأهالي للوزارة وفيها يشكون عدم وجود مدرسة في قريتهم، حتى انتصر أصحاب النظرة المنفتحة.

واليوم، لايزال الديريون، مستمرين في وقف الموقع للمسجد الأثري، وعبر ذلك يتم إطعام الأهالي في ليلة استشهاد الإمام علي (ع)، والتي تحل في 21 رمضان من كل عام، ويشمل ذلك، استقدام خطيب وتوزيع الطعام في عادة متوارثة ومستمرة لأكثر من نصف قرن.

بَرَدانْ... ثالث المساجد

إلى ثالث المواقع المقدسة. إلى مسجد السيد بَرَدانْ، الذي يقول عنه الباحث هلال لحظة الوصول لموقعه «لايزال معنى الاسم مجهولاً. تنتشر الاحتمالات والفرضيات، فيما إذا كان فارسياً أو محرفاً بمرور الزمن، والاستقرار على المعلومة المؤكدة رهن للبحث العلمي وأدوات المعرفة الحديثة التي تستعين بالوثائق والمخطوطات، لوضع النقاط على الحروف، ولتوضيح سبب التسمية وعمر المسجد»، واستدرك «رغم ذلك، فإن المتيقن أن عمر المسجد قديم».

وبحسب ما يرويه الأهالي نقلاً عن كبار السن من الأجداد، فإن الجهة الأمامية للمسجد كانت عبارة عن مقبرة خاصة بالأطفال، وهو عرف درجت عليه عدد من القرى في البحرين، قبل أن يأتي عليها الاسفلت بحلول السبعينات وليمحي كل أثر لها، فيما يعقب هلال «مجدداً، تعود مشكلة غياب التوثيق، وهو ما يجعلنا نتحدث عن معلومات متناقلة، أكثر من كونها مؤكدة».

الجامع الغربي... رابع المقدسات

ورابع مقدسات الدير، هو جامع الدير الغربي الذي يقع على تلة واضحة الارتفاع.

يقول هلال ويده تؤشر ناحية الجامع «انظر للتل المرتفع، هذا أحد أدلتنا على أن هذه المساجد بنيت على أديرة»، مرجحاً عمر الجامع بالتزامن مع إنشاء مسجد السيد بَرَدانْ. ويضيف، حيث الأرض المجاورة للجامع «هنا كانت عين السادة، أما هناك (بعد 50 متراً عن الجامع)، فكانت عين النسوان، التي خصصت لنساء القرية وبحلول السبعينات لم تعد موجودة».

ولادة مجانية

للديريين في «الأميركي»

تاريخ المنطقة، وامتداده الذي يرتبط بالحقبة المسيحية في البحرين، أكسبها وأهلها خصوصية. من بين ذلك ما يرويه الأهالي هناك من حكاية لا تخلو من أهمية وطرفة.

في العام 1968، قدم مستشفى الإرسالية الأميركي عرضاً لأهالي المنطقة، بموجبه تلد الديريات في المستشفى بالمجان!

يوثق هلال «كان ذلك إكراماً لدير الراهب الذي تحتضنه القرية، ومن بين من شملهن العرض، ابنتي».

كوارث ديرية لا تنسى

ذاكرة الديريين حبلى بالحكايات، يصاحب بعضها الأسى، حيث الحديث عن كوارث انتهت بخسائر بشرية فادحة.

من بين ذلك، سنة الطبعة التي شهدها العام 1925م، وشكلت بداية النهاية لحقبة الغوص في القرية.

يذكرها ابن القرية علي النهام، والذي اشتق لقبه من الغناء في عرض البحر للتخفيف من معاناة البحارة «كان الغوص مهنة الديريين حتى العام 1925، وهو العام المعروف بسنة الطبعة وفيها توفي عدد من ابناء القرية، بعد ان هبت عاصفة هوجاء على البحرين استمرت 40 دقيقة فقط، لكنها كانت مدمرة تسببت في غرق الكثير من الغواصين وسفنهم وأدت لخسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، وقد غرق في تلك الحادثة 15 سفينة من الدير».

ومع ظهور اللؤلؤ الياباني الصناعي واكتشاف النفط، كانت مهنة الغوص تغادر، فيما ظل البحر ملاصقاً لاهل الدير.

وفي الحديث عن كوارث الدير، لن يبرح ذاكرة الأهالي مساء الأربعاء (23 أغسطس/ آب 2000)، حين كان المساء الديري كارثياً، ولم تشهد له القرية مثيلاً طيلة تاريخها. إنها حادثة الطائرة المنكوبة، التي أقضت مضجع البحرينيين، حين أدى سقوط طائرة تابعة إلى شركة طيران الخليج بالقرب من ساحل سماهيج والدير ما أدى إلى وفاة جميع ركابها وطاقمها وكان بينهم عدد من العوائل البحرينية (كان على متن الطائرة 134 شخصاً، بينهم 34 بحرينياً).

يستذكر الباحث هلال صورة القرية في تلك اللحظات العصيبة «حل الظلام والبكاء والحزن، لكن كل ذلك لم يوقف عزيمتهم وتعاونهم، فخاضوا البحر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه».

«عرين» علي هلال

واختارت الجولة بيت الباحث علي هلال، محطة أخيرة لرصد جهود التوثيق المبذولة في مجال التاريخ.

يتحدث عن مكتبته المزدحمة بالكتب والتي يصفها بـ»العرين»، «هي جزء من حياتي وشخصيتي، بدأت معي وعمري 11 سنة، فكبرت وكبرت معها، أغذيها باستمرار عبر التجوال في المراكز الثقافية في عدد من البلدان الإسلامية»، مضيفاً «الى جانب المجال التاريخي احرص على القراءة في تخصصي (مجال الفلسفة)».ويصف هلال مستوى التوثيق في البحرين، بالقول «مؤسف، ان نقول ان ثقافة الارشفة لاتزال تنقصنا، على مستوى الافراد والمجموع والمؤسسات، بما يحيل كل قطعة لقيمة تاريخية بالغة الأهمية»، مضيفاً «تنقصنا الدروس في تحقيق المخطوطات، وفي ظل الاهتمام الغائب عن الاوساط التربوية والثقافية والاوساط العامة، فإننا أمام مشكلة كأداء لمن يسعى للكتابة في التاريخ». وتابع «سأستشهد على ذلك بتجربتي عن نادي الدير الذي تأسس العام (1961)، فحين اردت توثيق مسيرته كمؤسسة مدنية، فوجئت بعدم توفر الاوراق، الى ان عثرنا على ما تبقى منها في حاويات القمامة!»، وتساءل «إذا كان هذا حال المؤسسات في الوعي بشأن أهمية التوثيق، فكيف هم الأفراد؟».

ويرى هلال حاجة التأليف لجهود جماعية وفرق عمل، موجهاً في السياق ذاته نصائحه «العمل الفردي لم يعد مجدياً، ولابد من تشكيل فرق العمل من كل التخصصات، ويمكن الاستعانة بالأقلام الواعدة لخلق صفٍّ ثاني للمؤرخين»، مشدداً على أهمية تلقي الدورات في التحقيق وفي التوثيق وفي الأرشفة، وصولاً لجمع كل الشتات من الوثائق التاريخية وحفظها بصورة ورقية وعدم الاكتفاء بالحفظ على شبكة الإنترنت، بما يحمي التاريخ من الضياع ومن اية محاولات للتشويه والتضليل.

ما تبقى من نخيل في الدير
ما تبقى من نخيل في الدير
موقع العين العودة... إحدى عيون الدير الشهيرة
موقع العين العودة... إحدى عيون الدير الشهيرة
مسجد الشيخ أحمد... يرجح بناؤه فوق دير
مسجد الشيخ أحمد... يرجح بناؤه فوق دير
في الخلف... الجامع الغربي أحد «أديرة القرية المحتملة» - تصوير : أحمد آل حيدر
في الخلف... الجامع الغربي أحد «أديرة القرية المحتملة» - تصوير : أحمد آل حيدر

العدد 5061 - الجمعة 15 يوليو 2016م الموافق 10 شوال 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 11 | 3:59 ص

      الدير وسماهيج تاريخ واحد ومصير واحد

    • زائر 9 | 3:33 ص

      لم نجد في سياحتكم بعض الصور التاريخية النادرة الموجودة لدى الدكتورعلي هلال

      لم نجد في سياحتكم بعض الصور التاريخية النادرة الموجودة لدى الدكتور التي تؤكد وتسند سياحتكم التاريخية للمدن والقرى وتوثقها مستقبلا عند الرجوع اليها ، واقصد المفروض ان توثق وتؤرشف سياحتكم ، وشكرا للوسط واسرتها ، وتشكر على مشروعها السياحي التاريخي لوطننا الحبيب وكذلك الشكر موصول للدكتور على جهوده المتواصلة .

    • زائر 8 | 3:32 ص

      الله يديم المحبة و الاخوة بين القريتين
      تحياتي للاستاذ علي هلال

    • زائر 7 | 3:01 ص

      في التسعينات عندما كنت صغيراً ، حدث لي أمر ومازلت اتذكره جيداً ، في يوم العاشر من محرم ، وعند خروج موكب عزاء القرية ، ذهبت أنا مع أحد أصحابي لمسجد بردان من باب الفضول كان هناك غرفة علوية للمسجد ، ما إن فتحت الباب وإذ بي أرى رجل كبير في السن لحيته بيضاء طويلة ... من هيبته اغلقت الباب وهربت خائفاً ... ولم يكن من أهل القرية!

    • زائر 6 | 2:55 ص

      يعطيكم العافية على التقرير الرائع .. نحن في سماهيج دائما الاجداد يحدثونا عن هذه المعالم في التاريخ .. ونتمنى أن يتم المحافظة على هذه المعالم لبعدها التاريخي في المنطقة

    • زائر 5 | 2:50 ص

      سلاااااالمي واشواااااقي ....... عاشت الدير ...

    • زائر 4 | 2:40 ص

      بارك الله جهودكم أستاذ علي والوسط فعلا البحرين بجميع مناطقها تستحق البحث والتنقيب فهي اوال ودلمون وتايلوس وأرض الحضارات والزراعة والغوص والفخار وأرض الإنسان الطيب الذي آمن برسالة الإسلام طواعية على يدي مبعوث الرسول محمد (ص) موفقين .

    • زائر 3 | 1:53 ص

      سماهيج ((تدمر السورية )) الدير ((بعلبك اللبنانية ))
      ماشاء الله التراث يتفلت في الشوارع عدهم وين ماتروح تشوف شي عمره 300 سنة

    • زائر 12 زائر 3 | 4:45 ص

      سماهيج ، الدير ، بلادالقديم، جدحفص، باربار، عالي، النبي صالح ، كرباباد، ومختلف قرى البحرين تشكل عبق التاريخ القديم للبحرين
      بسك مسخره ،، روح تثقف

    • زائر 13 زائر 3 | 4:47 ص

      بل هناك ما هو اقدم بكثير ،، نتحدث عن الفترة النسطورية ما بعد المسيح وما قبل الاسلام اي اكثر من ١٤٠٠ سنة ،،

    • زائر 2 | 1:46 ص

      يعطيكم الف عافية و نشكر الدكتور العزيز ابن الدير علي هلال على الإهتمام بالتاريخ الديري الذي لا يشغل إهتمام معظم أبناء الدير
      الغريب لا أجد من يسبر أغوار الماضي غير الفئة القليلة جدا المحدودة على أصابع اليد ذات الفئة العمرية المتقاربة المتقاعدة
      أما الشباب لا أعرف أحدا من أبناء الدير يهتم بهذه الأمور
      عكس الجارة سماهيج ففيها اهتمام أكبر حتى من قبل المؤسسات
      تحياتي للجميع

    • زائر 1 | 1:24 ص

      الدير دائرة إذا اعددتها اعددت شعباً طيب الاعراق

اقرأ ايضاً