العدد 5143 - الأربعاء 05 أكتوبر 2016م الموافق 04 محرم 1438هـ

بين الكتمان والحديث عن أنفسنا

سوسن دهنيم Sawsan.Dahneem [at] alwasatnews.com

هناك أسطورة شعبية منتشرة في إحدى البلدان الآسيوية تقول: كان الثعلب سابقاً يخاف الديك، وكلما مرّ من أمام الثعلب ديكٌ، فرّ الأول هارباً؛ لأنه يظن عرفه ناراً بسبب تشابه لونهما. وذات يوم سأل الديك الثعلب عن سبب خوفه منه وهو الطائر الصغير، فأخبره الثعلب أن السبب هو النار التي على رأسه. وعلى الفور صاح الديك: هذا مجرد عرف لين، إذ كيف لمخلوق أن يحمل ناراً على رأسه من غير أن تحرقه؟ وطلب من الثعلب لمس العرف ففعل وقال في نفسه: مادام ملمس العرف طريا هكذا، فبالطبع طعمه لذيذ. ومن ذلك اليوم والثعلب يطارد الديك ليأكله ويستمتع بطعم عرفه!

كثيراً ما نكون سبباً في جلب المتاعب والمشكلات لأنفسنا. وكثيراً ما نفتح للآخرين صفحات ضعفنا ليطلعوا عليها فيستغلونها مستقبلاً.

من المهم أن نثق بالآخرين ممن يستحقون ثقتنا كبعض الأهل والأصدقاء، ولكن هذا لا يعني أبداً أن نكون أمامهم كتاباً مفتوحاً بكل عيوبنا ومزايانا وأحلامنا ومخاوفنا. فكم من صديق استطاع أن يستغل صديقه وتاجر بأفكاره وأحلامه، وكم من قريب سرق أقرباءه في حين غفلة منهم؟ وكم من عدو شمت بأحد بعد أن عرف ما يعانيه من مخاوف ومشكلات؟

عن جهل ومن غير قصد، نكون سبباً أول في ضعفنا أمام أحدهم. إذ أحيانا يستغل بعض هؤلاء حديثاً قلناه ذات مكاشفة، فيلجموننا حجراً ذات زعل أو سوء تفاهم. فكم من صديق عرف عنا ما لا يعرفه غيره، وذات ارتياح لأحدهم قال له ما لا يجب أن يقال عنا؟

وكم من عدو استخدم معلومات كنا سبباً في نشرها وإخباره بها من غير أن نعرف عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي أو عن طريق حديثنا أو تفاخرنا، فاستغلها وكانت سببا في كوارث حقيقية عشناها بعد ذلك؟

التعامل مع الناس ببساطة وشفافية لا يعني أبداً تقديم ما يمكن أن يحسب ضدنا لهم على طبق من ذهب بكل سذاجة وغباء أحياناً.

وعلى رغم من أننا كثيراً ما نفاخر بالنعم التي أنعم بها الله علينا من باب «وأما بنعمة ربك فحدّث»، إلا أننا نتناسى الحديث المروي عن الرسول الأكرم والذي يقول فيه: استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود. وبرغم أنني لا أؤمن بالحسد بمعناه المنتشر اليوم بين الناس، إلا أن الكتمان في بعض الأمور أمر محبب؛ بسبب وجود ضعاف النفوس من حولنا ممن يمكنهم أن يؤذوننا لمجرد أنهم عرفوا بما هو آتٍ لنا، وما نعمل عليه والأمثلة على ذلك كثيرة من حولنا لو تلفتنا قليلاً.

لا أعني بما كتبتُ أعلاه أن يحبس الإنسان نفسه في قوقعة ويغلق على نفسه كل باب للعيش بحرية وبعفوية، خوفاً من الناس وما يمكنهم أن يضروه به، ولكن من المهم ألا نكشف جميع أوراقنا للآخرين؛ حتى لا نكون في مواقع ضعف يوما ما، ولا نشعر بالأسى والصدمة لأن فلانا قد وشى بنا، او فلاناً استغل ضعفنا أو ما يعرفه عنا.

إقرأ أيضا لـ "سوسن دهنيم"

العدد 5143 - الأربعاء 05 أكتوبر 2016م الموافق 04 محرم 1438هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 4 | 7:23 ص

      مقال جميل... بس العفوية صفة في الانسان مثال ما الكتمان صفة ... اني قاعدة احاول أغير من طبيعتي و من عفويتي بين الناس لأَنِّي كل مرة أنصاد من اللي يحسدوني في الشغل بس ما قادرة اتغير تغير كلي ... يمكن صرت أحاسب على كلامي بس بعد محتاجة جهد اكبر

    • زائر 3 | 1:55 ص

      روعة .. نعيشها أحيانا

    • زائر 2 | 12:55 ص

      مقال جميل، فعلا لدينا الكثير من المرضى النفسيين الذين يحاولون استغلال كل ما يعرفون واخرين يحسدون الفقير على موتة الجمعة مثلما يقول المثل

    • زائر 1 | 10:26 م

      مقال في الصميم... شكرا للكاتبة المبدعة

اقرأ ايضاً