العدد 5144 - الخميس 06 أكتوبر 2016م الموافق 05 محرم 1438هـ

بالفيديو... في حضرة ملا علي بن رضي: «الوسط» تنشغل بـ «الخطيب المسيس»... وصاحب الإرث «المعطل»

رحيل مبكر خلّف نتاجات وأشعاراً لم تر النور بعد

ملا علي بن رضي (1932 – 1981)
ملا علي بن رضي (1932 – 1981)

انتصفت عشرة المحرم، وفيها تصل «الوسط» إلى تقريرها الخامس، ضمن سلسلة تقارير توثق سير أبرز خطباء المنبر الحسيني في مملكة البحرين.

فبعد الملا عطية الجمري، وملا عبدالحسين العرادي، والخطيب العدناني، وملا أحمد بن رمل، كان ملا علي بن رضي (1932 – 1981)، أو (الرضوي)، الخطيب الحسيني الكفيف، المنشغل بالسياسة وصاحب الأشعار السياسية الشهيرة، من بينها تلك التي تناقلتها الأجيال، وتبدأ بشطر (لم لا أشكر ربي كل حينِ...).

اجتمعت «الوسط» بأبنائه، تقي وفيصل ومالك، في منزل الأخير بمدينة حمد، ومن هناك، بدأت العائلة تنسج سيرة (الرضوي). سيرة لاتزال علاماتها وحتى اليوم، مبعثرة هنا وهناك، ممثلةً في إرثه الخطابي والشعري المحفوظ في غالبه على شرائط الكاسيت.

وحي المنبر

فيصل الذي كان ظلاً لوالده، معيناً له وعينا، بدأ الحديث مستذكراَ أيام والده. يقول: «منذ الصغر وعمري لم يتجاوز الثانية عشرة، كنت ملازماً لوالدي على الدوام، وكنت عوناً له لإيصاله للمآتم التي يخطب فيها، وبالمناسبة، هو من تكفل بشراء السيارة الخاصة بي والتي كانت تقلنا للمآتم، شرق البحرين وغربها، شمالها وجنوبها».

يتوقف الابن فيصل لبرهة، ويستأنف «أتذكر هنا أيضاً والدي وهو معي في السيارة، كان يسبق وصوله للمأتم بترديد عفوي لبعض من الخطب والأشعار، وكنت أسأله باستغراب عن مصدر ذلك، فيجيب (هو وحي المنبر)»، مضيفاً «امتاز والدي بذكاء شديد وقوة وسرعة حافظة».

وتابع «كان في اشتغاله الخطابي، يعتمد على جهاز التسجيل (المسجلة) كثيراً وذلك بسبب فقد البصر، وكذلك كانت وسيلته لحفظ قصائده».

ملح الزاد

تتلمذ ملا علي بن رضي، على يد الخطيب الحسيني المعروف الشيخ محمد علي آل حميدان، وكان تعلقه بالخطابة في وقت مبكر حدده الباحث مجيد علي فتيل في كتابه (راحلو المنبر الحسيني) بـ 12 سنة، متصدياً للأفراح والأتراح، وفي ذلك أنشد (ملاكم ملح بكل زاد ... للتعزية وللميلاد).

خبره منبر مأتم الكليتي، حيث «قرأ» هناك مجالسه الحسينية لعقود متتالية. كذلك، كانت مجالس (الرضوي) ابن فريق الحطب، تتنقل ما بين مآتم المنامة كالقصاب ومدن وبن رجب والصفافير، وامتدت إلى حدود الأرياف، وإلى دول الخليج.

بجانب ذلك، فقد اشتهر ملا علي بن رضي ووفقاً لتوثيق كتاب (ملامح) الصادر عن جمعية العاصمة للثقافة الإسلامية، بقراءته يوم الأربعين في الصحن الحسيني في كربلاء المقدسة، وهناك خلد ذكراه بقراءته جميع أطوار ملا علي بن فايز وملا أحمد بن رمل، بصوت لايزال عالقاً في ذاكرة مستمعيه.

يعزز ذلك، إضافة ابنه فيصل «اشتهر والدي بقصيدة (أحرم الحجاج) الشهيرة للشيخ حسن الدمستاني، وبقصيدة عن علي الأكبر والتي كان يرددها باللغة الفارسية»، وتابع «بشكل خاص، أحب والدي أطوار ملا علي بن فايز وملا أحمد بن رمل».

خطيب مسيس

وفي الحديث عن أسلوب ملا علي بن رضي الخطابي، يقول ابنه تقي: «ركز على النعي، لكن كان للشأن العام حضوره أيضا، بما في ذلك الحديث في الموضوعات السياسية، والتطرق حتى لأبعد من الشأن المحلي، والإشارة لقضايا اقليمية من بينها قضية فلسطين»، مضيفاً «مع إصراره على الحديث في الشأن السياسي، جاءه تنبيه من قبل وزارة الداخلية».

انشغال ملا علي رضي، السياسي، يرجعه كتاب (ملامح) إلى معايشته الأحداث السياسية التي رافقت تأسيس هيئة الاتحاد الوطني منتصف خمسينات القرن الماضي، الامر الذي أثر في تشكيل وعيه الديني والسياسي والاجتماعي منذ وقت مبكر لينعكس ذلك على طبيعة المواقف التي اتخذها بعد ذلك مطلع السبعينات مع الاستقلال السياسي للبحرين، وأواخر السبعينات ومطلع الثمانينات.

وبهذا التكوين الثقافي والسياسي وبممارسته الخطابة في مختلف مناطق البحرين من المنامة إلى سماهيج، ومن بني جمرة إلى سترة إلى دمستان وقرى المنطقة الغربية، وباتساع دائرة علاقاته وصداقاته بحكم ما عرف بع من طرافة وسرعة حاضرة في الفكاهة، يضيف (ملامح) «بكل ذلك اتسعت شهرة ملا علي بن رضي».

الإرث المعطل

تدعيماً لدوره المنبري، تمكن ملا علي بن رضي «المهتم بالكتابة» على حد وصف أبنائه، تمكن من ترك إرث خطابي وشعري، غالبيته اليوم معطل.

ورغم خروج بعض من ذلك للنور، ممثلاً في ديوانه الشعري (الروضة الرضوية، 3 أجزاء)، الصادر عام 1960، ومنه اشتق هو كنيته (الرضوي)، فقد ظل إرثه «أكبر من ذلك بكثير»، يقول ابنه مالك، ويضيف «بفضل من الله ومن المرحوم الشيخ محمد علي الناصري، رأى ديوان والدي النور، وكان للناصري دور بارز في تجميع قصائد الجزأين الأول والثاني».

وتابع «كان الوالد يفتح جهاز التسجيل، فيما الناصري يباشر الكتابة».

وفي الحديث عن مؤلفاته، يشير أبناؤه إلى سمة التحدي التي أكسبت شخصية والدهم إصرارها، حيث كانت كتبه تتعرض لمقص الرقابة، فيقابل ذلك بعدم الاكتراث وعدم الاستجابة.

كما أشار الأبناء، إلى نتاج والدهم الرابع والذي لم ير النور بعد، وهم يعدون «سنسعى لطباعته ودمجه مع الأجزاء الثلاثة من ديوان (الروضة الرضوية) واخراجهم في كتاب واحد».

ورداً على مطالب لـ»الوسط» بضرورة العمل على حفظ إرث ملا علي بن رضي، قال ابنه مالك: «حاولنا العمل على ذلك قبل عامين، فكنا نتواصل مع من يمتلك إرث الوالد من الصور وأشرطة التسجيل تحديداً، لكننا كنا نجابه بعدم التعاون، وهي بصورة عامة مهمة ليست بالسهلة قياساً بانتشار نشاط والدي الخطابي على رقعة واسعة من قرى البحرين ومناطقها».

رغم ذلك، ظل الإصرار حاضرا، يقول الابن مالك: «نعم، رغم تلك التحديات، سنستأنف جهودنا، وسنعيد الكرة، ونأمل أن نوفق في حفظ إرث والدنا الفكري».

العمى... وقوة السمع

لم ينعم ملا علي بن رضي بنعمة النظر، بعد أن فقدها بالتدريج بسبب إصابته بالمياه البيضاء منذ الصغر، لكنه استعاض عن ذلك بقوة السمع.

يقول ابنه فيصل: «يكفيه سماع أي شيء لمرة واحدة، ليحفظه عن ظهر قلب، كما اتصف بسرعة البديهة».

مقالب الخطيب العدناني

يسجل حديث أبناء ملا علي بن رضي، صورة من صور العلاقات التي كانت سائدة بين خطباء المنبر الحسيني، وفي الحديث عن (الرضوي) تكون الإشارة إلى علاقاته وصداقاته، فهو الصديق الصدوق للشيخ محمد علي الناصري، وملا حبيب، ومن هذا الاخير تعلم اللغة الفارسية.

ولم تخل بعض العلاقات من طرائف، بل كانت سمتها البارزة. من بين ذلك ما جمع ملا علي بن رمل والسيدمحمد صالح الموسوي (الخطيب العدناني)، من حكاية تعود لـ 50 عاما تقريباً، ويرويها الابن تقي علي بن رضي فيقول: «حدثت الحكاية الطريفة أو باصطلاحنا (المقلب)، في صالون الحلاقة الخاص بالملالي، لصاحبه الحاج أحمد العسكري ويعرف بـ(حلاق المشيخة) في إشارة لزبائنه وهم من رجال الدين، وموقعه المنامة». وأضاف «كنت بمعية والدي ملا علي بن رضي، دخلنا لصالون الحلاقة، وكان على والدي الانتظار حتى يفرغ الخطيب العدناني والذي توجس منه والدي وهو المعروف بكونه (صاحب مقالب)، وهو ما حصل بالفعل، فحين فرغ العدناني وغادر صعد والدي، كرسي الحلاقة، وما إن انتهى حتى طلب مني تسليمه بشته وهو لايزال على الكرسي، وما أن لمس البشت حتى قال (سواها فيني)».

وتابع «فعلها الخطيب العدناني مجدداً، وهو ليس (المقلب) الأول له، وبسبب ذلك طلب مني الوالد التوجه للعدناني حيث يتواجد في «سوق الخضرة»، وكان وصفه للمكان دقيقا بصورة مدهشة، وحين وصلت استقبلني الخطيب العدناني وهو يقهقه ويظهر عدم تعمد ما حصل».

وفي حكاية أخرى من حكايات ملا علي بن رضي، يرويها هذه المرة ابنه فيصل: «في مرة من المرات وفي إحدى الوفيات، تفاجأ والدي بمجموعة أطفال يطلبون منه قراءة مجلس حسيني لهم، وبالفعل لم يخيب طلبهم، فكان المقابل مبلغا رمزيا أخفوه في علبة تدخين!».

رحيل «بيرق»

بيت رضي

في آخر سنوات عمره الذي توقف عند سن الـ 49، اعتاد ملا علي بن رضي على القراءة كل جمعة من كل أسبوع في النعيم، تحديداً في مجلس المرحوم سيدعلوي الغريفي، وهو من ألبسه العمامة التي زينت رأسه لمدة 6 سنوات، قبل أن يتوفاه الله.

وعلى نهج والده، اتخذ الشيخ فاضل بن علي بن رضي، الخطابة الحسينية أداة لممارسته دوره الديني والاجتماعي، وهو الذي اختار مدينة قم محلاً لدراسته واتباعاً لوصية الوالد. عن ظروف الرحيل، يتحدث ابنه فيصل «كانت ليلة الثلثاء، وكنت معه نغادر قرية جنوسان بعد أن انتهى من قراءة مجلسه الحسيني هناك، وفجأة شعر والدي بألم مفاجئ فنقلناه لمستشفى السلمانية، وهناك أعلمنا الطبيب رضي العكري بإصابته بجلطة، حتى انتقل إلى جوار ربه وهو في المستشفى».

رحيل مبكر لملا علي بن رضي الذي شيعته الحشود من محبيه ومن عموم البحرينيين إلى مثواه الأخير في مقبرة الحورة، وفي ذلك يقول أبناؤه: «خيمت أجواء حزينة، حتى قال عم والدي الحاج المرحوم محمود عبدالله رضي (بيرق بيت رضي انكسر)».

عائلة الملا علي بن رضي لدى حديثها الى «الوسط» - تصوير أحمد آل حيدر
عائلة الملا علي بن رضي لدى حديثها الى «الوسط» - تصوير أحمد آل حيدر

العدد 5144 - الخميس 06 أكتوبر 2016م الموافق 05 محرم 1438هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 4 | 7:56 ص

      الله يرحمه ولد بن رضي

    • زائر 3 | 7:04 ص

      الله يرحمه ويدخله الجنه يارب

    • زائر 2 | 4:05 ص

      الله يرحمه برحمته الواسعه ويحشره مع محمد وال محمد

    • زائر 1 | 3:20 ص

      الله يرحم ملا علي الرضوي صاحب الصوت الشجي كنا صغار وكان صوته يملئ أزقة الحورة الحدادة كل عصر خميس حيث يقرء في مسجد المقبرة الداخلي. ملا على من القراء الذين تحب تسمعهم تمتاز قراءته باطوار شجيه وحين رحمه الله تعالى وادخله فسيح جناته

شاهد أيضا