العدد 5200 - الخميس 01 ديسمبر 2016م الموافق 01 ربيع الاول 1438هـ

تحية للإمارات العربية المتحدة في عيدها الوطني

محمد نعمان جلال comments [at] alwasatnews.com

سفير مصر الأسبق في الصين

يصادف الثلاثون من نوفمبر/ تشرين الثاني، ذكرى قيام الإمارات العربية المتحدة، وهي دولة تتسم بثلاث سمات، أولها أنها دولة اتحادية، وثانيها أنها ذات قيادة رشيدة بصورة نادرة في عالمنا العربي، وثالثها إنها قيادة تتسم بالاعتدال والحكمة التي أرسي دعائمها المغفور له زايد بن سلطان آل نهيان الذي كان ذا رؤية بصيرة ثاقبة.

وإذ أتحدث عن تجربتي في الإمارات، فكأنما أتحدث عن مصر التي وُلدت فيها، وشربت من نيلها وتعلمت وعملت الكثير. وكان من أماكن العمل التي عملت فيها هي الإمارات حيث تم إيفادي لافتتاح سفارة مصر في أبوظبي، إثر الاستقلال، وكانت السفارة المصرية من أوائل السفارات العربية والأجنبية في المدينة الناشئة آنذاك، فالرباط القومي العربي هو المحرك لسياسة مصر الخارجية وما زال.

وعلى رغم أن فترة عملي في السفارة بأبو ظبي كانت زهاء عام؛ ولكنها تركت في نفسي تأثيراً كبيراً، إذ أنني شهدت بداية مولد دولة عربية شقيقة بقيادة حكيمة، وكنت أتولى الأعمال القنصلية، وذهبت مع أول سفير مصري، السفير سعد مرتضي رحمه الله، لمختلف الإمارات، للتعرف عليها وعلى أحوال المصريين. وشهدت مدى حرص الشيخ زايد على أن يوزع الثروة النفطية على شعبه بأساليب كثيرة، منها المساهمة في بناء المنازل للمواطنين، وإعادة تجديدها من حين لآخر، ليرتفع مستوى المواطن إلى ما نجده عليه هذه الأيام من تقدّم غير مسبوق.

وكان الشيخ زايد يتمتع بالأصالة العربية، فهو كريم بطبعه في كل تصرفاته، حتى أنه يمكن القول أن حاتم الطائي يتوارى خجلاً عندما يعرف ما كان يفعله الشيخ زايد بدون هدف أو قصد إنها طبيعة العربي الأصيل. أما السمة الثانية فهي الفراسة الشديدة، ومن ذلك عندما قدم له أستاذ مصري قدير متخصص في تخطيط المدن والعمران تخطيطاً لبعض مناطق مدينة أبو ظبي، فنظر الشيخ زايد بفراسته، وقال للمهندس هذا التخطيط فيه خطأ جسيم، فدهش المهندس، فأشار الشيخ بإصبعه لموضع معين في الرسم، قائلاً: هذا البناء المقترح ستبتلعه المياه في فترة وجيزة، وعندما راجع المهندس أوراقه اكتشف مدى صحة ودقة ما قاله الشيخ زايد.

حرمه الشيخة فاطمة كانت دائماً تستقبل زوجات السفراء والقناصل، وكثيراً ما دعت زوجتي لحضور مجالسها. وعندما ذهبت سفيراً لمصر في باكستان وجدت منشآت كثيرة تحمل اسم زايد وتبرهن بلا لبس على حبّه للخير، وفي دول كثيرة منها مصر والبحرين هناك آثار ملموسة .

هذا نموذج من النماذج النادرة في القيادة. إنه عربي مسلم أصيل. وعندما كنت سفيراً في الصين وجدت مركزاً للشيخ زايد في جامعة بكين لتعزيز دراسة اللغة العربية، مزوداً بأحدث الأجهزة الالكترونية.

وتجربة الشيخ زايد مع إخوته قادة الإمارات كانت فريدة، فهو معطاء لهم منذ البداية، وكريم في خلقه وتصرفاته وقراراته، وهذا ما أدى لقيام الإمارات كدولة اتحادية قادتها متضامنون متحابون. ولم يشعر الشيخ زايد بأنه يتفضّل على إخوته من الإمارات أو إخوته من الدول العربية والاسلامية، ولذا بادله الجميع حباً بحب، وأبناء الشيخ زايد ساروا على النهج الذي اختطه لهم.

في زياراتنا للإمارات المختلفة، السفير وأنا تشرفنا بمقابلة المغفور له الشيخ راشد آل مكتوم وكان لقاء طيباً، وبعد تبادل الأحاديث والآراء، قال لي: أين أنتم ذاهبون؟ فأجاب السفير: إلى باقي الإمارات، للتعرّف على شيوخها والجالية المصرية، فعلّق الشيخ راشد أن الطريق وعرة، وأمر بطائرة مروحية تأخذنا من إمارة إلى أخرى، حيث استقبلنا أصحاب السمو الشيوخ في كل إمارة. وهكذا تم وضع أول لبنة في العلاقات المصرية الإماراتية على أسس سليمة حباً في الأشقاء، وإيماناً بالعروبة وبالإسلام الصحيح .

ولا أنسى الشيخ القاسمي شيخ الشارقة، الذي تعلّم ودرس في مصر، وله فضل كبير في التواصل وتقدير من علّموه، وقد تبرع بإنشاء مبنى جميل للجمعية المصرية للدراسات التاريخية. المهم ليس المبنى وإنّما الأصالة العربية وحب العلم.

أحمد خليفة السويدي كان زميلاً بالكلية دفعة العام 1966 وأنا من دفعة 1965، تزاملنا، وكان كلٌّ منا مشغولاً بدراساته واهتماماته في الجامعة، وعندما ذهبت للإمارات كقنصل، وجدته وزيراً للخارجية وطلب بعض الدبلوماسيين المصريين للمساعدة في وضع الهيكل التنظيمي لوزارة الخارجية.

تلك بعض ذكريات لا تمحى عن الإمارات، وكلما سافرت للصين أو الهند أو باكستان عبر مطارات أبو ظبي أو دبي، أجد التقدم غير المسبوق، فأقول هكذا القيادات تضع الأسس وأبناؤها يسيرون على هدي ذلك، ويزيدون بحكم التطور والتقدم.

ومن هنا كنت حريصاً على كتابة بعض تلك الذكريات للتعبير عن محبتي للإمارات وشعبها وقادتها، وفي مقدمهم الشيخ زايد، وأبناؤه البررة لعروبتهم، والذين يعرفون قدر مصر وتاريخها وحضارتها وحبها العميق لعروبتها وتضحياتها من أجلها. ولست في مجال استعراض علاقات البلدين؛ ولكن مجرد إشارة سريعة للموقف العروبي الأصيل للإمارات وقادتها في دعم مصر في مختلف المراحل التاريخية، والأهم في هذه المرحلة الدقيقة من تطوّرها السياسي، وحقاً قال الشاعر:

قد مات ناس وما ماتت مكارمهم

وعاش ناس وهم بين الخلق أموات

هذه تحيتي للإمارات العربية المتحدة وشعبها وقيادتها في عيدها الوطني، ورحم الله القادة العرب الأفذاذ أمثال الشيخ زايد، والشيخ راشد وأخوتهم الذين رحلوا عن عالمنا.

إقرأ أيضا لـ "محمد نعمان جلال"

العدد 5200 - الخميس 01 ديسمبر 2016م الموافق 01 ربيع الاول 1438هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً