العدد 5234 - الأربعاء 04 يناير 2017م الموافق 06 ربيع الثاني 1438هـ

الحروب اللغوية وموت اللغات... والمتهمون بالقتل اللغوي

في ملف «الدوحة» عن «العربية» في العدد 110...

العدد 110 من المجلة
العدد 110 من المجلة

يبرز ملف «الدوحة» القطرية في عددها المئة بعد العاشرة «الحروب اللغوية وموت اللغات»، عميقاً في موضوعاته، وزوايا تناوله؛ علاوة على الاسماء المشاركة، ومن بينها اسماء فاعلة وحاضرة في المشهد الثقافي العربي، وسنأتي على استعراض بعض تلك المشاركات، تركيزاً على «المتهمون بالقتل اللغوي»، عنوان ورقة الأكاديمي فتحي المسكيني، و «التلهيج والحرب على الفصحى»، لعبدالرحيم الرحموني، من دون أن يعني ذلك عدم جدِّية الأوراق التي تضمَّنها ملف العدد.

الملف تزامن مع أجواء احتفالية عربية، ومن المفترض أن تكون عالمية، باليوم العالمي للغة العربية الذي يوافق 18 ديسمبر/كانون الأول من كل عام. قرار الاحتفال قديم نسبياً، إذا ما عُدنا إلى القرار رقم 3190 الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1973، وتقرَّر بموجبه إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية ولغات العمل في الأمم المتحدة.

لم يهمل الملف تناولاً للوضعية التي تتمتع بها اللغة الإنجليزية، من خلال ورقة حملت عنوان «هل تفوُّق اللغة الإنجليزية أمر محتوم»؟ لرولان. ل. بروطون، في قراءة لواقعها الذي تتحرك فيه، وواقع لغات كانت متسيِّدة العالم في يوم من الأيام، إلا أنها أصبحت خارج المعادلة.

في الملف أيضاً ورقة حملت عنوان «أي مستقبل للغة البربرية في تونس»؟ للبروفيسور سالم لبيض، تسليطاً للضوء على لغات «الأقليات» إذا صح التعبير، وقدرتها على الاستمرار، في واقع لا تجد فيه اللغة العربية فضاءها اللائق، وبالتالي من المبكِّر الحديث عن مستقبل لتلك اللغات.

يبدأ الملف من استدعاء لما يشبه الصرخة التي أطلقها المفكِّر العربي الجزائري التنويري، مالك بن نبي، التي لخص فيها كارثة عُجمة اللسان العربي، التي اعتبرها إرثاً ثقيلاً عن بقايا الاستعمار، الذي عمل كل جهده من أجل عزل الأمة عن لسانها، تمهيداً لعزلها عن أي تأثير ووجود حضاري ذي قيمة، إلى تذكُّر ما كتبه المفكِّر المصري فهمي هويدي، وخصَّ فيه الواقع الذي يُنذر بالخطر، ذلك الذي تعيشه منطقة الخليج العربي، بغلبة الوجود الآسيوي في دولها على العرب من مواطنين ووافدين من أقطار عربية متعددة، من خلال ما يشبه البيان الذي حمل عنوان «عروبة الخليج في خطر».

في نوم اللغة... موتها

ملف «الحروب اللغوية وموت اللغات»، الذي أعدَّه ونسقَّه الأكاديمي حسين السوداني، بدأ بالإشارة إلى أن اللغة لم تتوقف في الواقع الاتصالي والتقني الجديد عند حدود الوظيفة التواصلية، وإنما أصبح للشأن اللغوي من الكثافة الرمزية ما جعل الدارسين وعموم المتكلمين ينظرون إلى لغاتهم «بمعيارية من أُوْكل للغته كل الاعتبارات الرمزية».

متطرِّقاً إلى الأوساط العلمية اللسانية التي تتلقَّى المعطيات الإحصائية عن اللغة بدرجة من المسئولية العلمية التي تحاكي حس الفجيعة «الذي لا شك أن غير المتخصص أيضاً يتلقَّى به خبر موت لغة معيَّنة»، مشيراً إلى أنه إذا كانت أشكال الموت فاجعة، فلا شك أن أشدَّ أشكال الموت وقْعاً في النفس هو المتعلِّق بالأداة التي نعبِّر بها عن كل معاني الحياة والموت.

ويضعنا السوداني أمام إحصاءات تكشف حجم الموت المتواتر لبعض اللغات، إما بفعل تسيُّد لغات تملك من قوة الإجبار، بقدرتها على احتواء كل الأدوات التي تجعل الهيمنة أمراً يسيراً وسط مجموعات بشرية لا تُحسن من الحياة إلا النوم، وتستيقظ لتعاود النوم ثانية، باختيار أن تكون على هامش الحضور البشري، وبالتالي لا يمكن للغات تلك المجموعة البشرية إلا أن تبدأ موتها بالنوم، مروراً بالاحتضار، ووصولاً إلى الموت والاندثار.

كما يضعنا السوداني أمام ما لفتت إليه منظمة الأمم المتحدة أنظار العالم إلى الخطر الذي يحيط بالألسنة البشرية، من أن العالم يشهد انقراض لغة كل 14 يوماً؛ ما يعادل 25 لغة في السنة «وهو أمر سيؤول إلى انقراض نحو نصف اللغات المُتداولة اليوم؛ إذ تشير المعطيات الإحصائية إلى أن نحو 600 لغة قد أخذت طريقها التدريجي نحو الانقراض، «وسيؤول النسق الحالي خلال القرن الحادي والعشرين إلى اندثار ما لا يقل عن 3000 لغة».

التخلِّي عن المعنى الرومانسي للغة

ورقة الأكاديمي فتحي المسكيني «المُتهمون بالقتل اللغوي»، يذهب عميقاً في تناوله بُعدين، ومن منظور الحداثة: واقع نظر أصحاب اللغة إلى لغتهم، وواقع كولونيالي يتطلَّب أو يفرض بالضرورة الدخول في اتفاق تبنٍّ لها، وهذه المرة من دون خيار، أمام حقيقة الواقع الاجتماعي والاقتصادي والمعرفي، بل الواقع الوجودي للعرب عموماً. يشير في بداية ورقته إلى أن ثمن الحداثة هو التخلِّي عن المعنى الرومانسي للغة - الأم - والانخراط في اللغة الكولونيالية، أي الإنجليزية المعوْلمة، وبعض اللغات التي تشاركها في قدر الغرب، مثل الفرنسية والإسبانية. ويرى أن الأمر لا يتعلق بمدى تشجيع الناس على التمسُّك بإرثهم اللغوي، أو بمدى عزوفهم عن لغتهم الأم، أو تشبُّثهم بها. موضحاً أن «ما تتعرَّض له اللغة المُهدَّدة بالحداثة الإجبارية هو جزء فقط، من جملة التهديدات الكولونيالية التي بنى عليها الغرب استراتيجية الاستيلاء الميتافيزيقي على العالم، وتحويله إلى (موضوع) أخرس للتملُّك والسيطرة التقنية».

ويُلفت المسكيني نظرنا إلى أن وقوع بعض اللغات التي تتكلَّمها أقليات إثنية تحت الخطر، أو تحت تهديد الانقراض هو ليس مجرد مُشكل لساني؛ بل هو نتيجة بنيوية لرؤية العالم الكولونيالية. مشيراً إلى أن الدخول في عصر المطبعة خلق وضعاً كولونيالياً أمَّن مروراً غربياً (ضد توصية أفلاطون في محاورة فيدروس) « الحوار فيدروس كتبه أفلاطون بعد الحوار الجمهورية، لأنه أشار إليها في هذا العمل، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً مع مواضيع حوار الندوة. فيدروس مصنف من ضمن حوارات المرحلة الأخيرة. ومن الممكن تصور ان الحوار حدث بين العام 420 و 410 قبل الميلاد.

«فيدروس» تعتبر من أهم المحاورات التي أظهرت لأفلاطون نظرية إيجابية في الفن وفلسفة الجمال التي كانت غامضة في المحاورات الأخرى»، من العصر الشفوي إلى العصر المكتوب، موضحاً أن عصر العالم الجديد هو حدث لغوي أو سيميطيقي، مثله مثل «الأزمنة الجديدة».

التلهيج... الحرب على الفصحى

الورقة التي حملت عنوان «التلهيج والحرب على الفصحى»، لعبدالرحيم الرحموني، تتناول مصطلحين: اللهجة واللغة، عودة بنا إلى تعريفاتها في القاموس، وأن اللهجة تظل «اللسان»، باعتبارها أداة تواصل بين مجموعات بشرية في نهاية المطاف، وما أعقب ذلك من دعوات عرفها العالم العربي، إلى استعمال العامية، وأحياناً استعمال الحروف اللاتينية لكتابة العربية، وكلتاهما لم تكونا جديدتين، وإن برزت في فترات وخبت في فترات أخرى.

خلاصة ورقة الرحموني، تتحدَّد في أنه على رغم الحروب المعلنة على الفصحى إلا أن انقراضها «أمر غير وارد» كما يرى، لسبب ذاتي فيها أولاً، «وهو ما تحتفظ به من تراث ضخم عزَّ نظيره على المستوى العالمي، ذلك التراث الذي يجعلها قابلة للحياة حتى وإن ضعف حالها ووصل إلى درجة الانحسار الكبير».

ولسبب واقعي أيضاً، كما يرى الرحموني، من خلال الإقبال على تعلُّمها واستعمالها في أكثر من مجال، بما في ذلك التواصل الشبكي.

ما لم يذكره الرحموني أن اللغة تتمدَّد وتجد بيئات جديدة بتوافر أسباب الهيمنة على أدوات العالم، ولم تعد اللغة هي أداة العالم بقدر ما أن معطيات تقنية وثورات معرفية أوجدت لغاتها الخاصة التي تتمدَّد من خلالها، لا من خلال ما أسماه «التواصل الشبكي» فحسب، وهو تواصل في عالم افتراضي، بل التمدُّد من خلال التواصل الإجباري في عالم لا افتراضية فيه، عالم واقعي يحدِّد ما يريده المواطن في نيويورك، ومواطن آخر في كينيا وعدن. هي ليست مسألة حروب بقدر ما هي مسألة وجود يتمدَّد بشكل ناعم، من دون تدخل عسكري، ومن دون احتلال عواصم ومدن بالشكل السافر. إنها حروب الحاجة التي لا بديل عنها، في عالم تحدَّدت أكبر مثالياته في القوة، ولا شيء غيرها. الأمم القوية يمكنها أن تجعل من لغتها رقماً صعباً في تعدد ألسن العالم. أما الضعيفة فقدرها الحفاظ ما وسعها الأمر على لغتها، استماتة وتوجُّهاً إلى لغات بيدها اليوم وغداً تشكيل الصورة التي تريدها للعالم.





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً