العدد 5246 - الإثنين 16 يناير 2017م الموافق 18 ربيع الثاني 1438هـ

تونس 14 يناير... ذكرى وتحديّات

سليم مصطفى بودبوس slim.boudabous [at] alwasatnews.com

-

في الذكرى السادسة لنجاح ثورة الكرامة في تونس، يتساءل الكثير من المتابعين عمّا تحقّق من استحقاقات النّاس الذين خرجوا بكلّ ثقة يوم 14 يناير/ كانون الثاني 2011، واضعين نقطة نهاية لمرحلة قاسية ولّت وانتهت، ومدشّنين مرحلة جديدة في تاريخ تونس المعاصر. خرجوا دون حسابات ودون أجندات سوى أنهم ضاقوا ذرعاً بالفساد والاستبداد، فكان منهم الشهيد ومنهم الجريح.

هؤلاء «الناس» لا يجدون اليوم بعد ست سنوات شيئاً ذا بال يخفّف عنهم المعاناة، وحتى إذا نظرنا في الأرقام والإحصاءات فلن نجد ما يطمئن الشباب العاطل عن العمل؛ إذْ أنّ نسب النموّ الاقتصاديّ بطيئة، وعجلة الاستثمار تراوح مكانها، ومحاولات الهجرة السرية إلى أوروبا لم تتوقف. وحتّى بعض المكتسبات التي نتفاخر بها بين الأمم والتي اعتبرناها القطر الذي يسبق المطر، وأعني هنا الحريات السياسية وحرية الإعلام والتعبير... حتّى هذه المكاسب المستحقّة بدأت منذ سنتين يشوب تطبيقها الكثير من الشبهات، وإن كان أمرها لا يعني عامّة التونسيين في هذه المرحلة بقدر ما يؤرق الطبقة السياسيّة، وخاصة المعارضة الديمقراطية، وكذلك المجتمع المدني بمختلف تشكيلاته وخاصة منها الجمعيات والمنظمات التي تضطلع بدور بارز منذ 2011.

تتزامن الذكرى السادسة لنجاح ثورة الياسمين في تونس مع تحديات جديدة تضع صبر التونسيين وحنكة السياسيّين منهم تحت المحكّ، تحديّات ينتظر أن يقف لها عامّة التوانسة قبل طبقتهم السياسية، بل قبل حتى الحكومة التي بدورها تعاني الأمرّيْن.

تتزامن هذه الذكرى مع بدء عودة المقاتلين الذين شاركوا في الحرب سواءً في سورية أو العراق أو ليبيا... ولأن الإعلام العالميّ هوّل من حجمهم فعدّهم خمسة آلاف، فإنّ الداخليّة التونسيّة تؤكّد أنهم لا يتجاوزون ثلاثة آلاف. وأيّاً كان الرقم الأصحّ، فإنّه مَهولٌ ومهدِّد للسلم الاجتماعيّ والأمن الوطنيّ. وقد اختلف الموقف في تونس بشأن عودتهم بين قابلٍ مع المحاسبة، ورافض مع المحاكمة حيث وجدوا في بؤر القتال.

هذا التحدّي الأمني والاجتماعي لا يثير مخاوف الطبقة السياسية الحاكمة فقط، وإنّما أيضاً مخاوف عامّة الناس بعد الهدوء النسبيّ الحاصل أمنياً؛ إذْ ما لبث التونسيون أن شعروا بالأمان من تهديد «داعش» وأخواتها، حتّى طفت على السطح قضية عودة المقاتلين. غير أنّه، وبفضل يقظة الشعب التونسي وتعاونه مع أجهزة الأمن التي حققت انتصارات كثيرة سواءً من خلال العمليات الأمنية الاستباقية أو من خلال المواجهات المسلحة، فإنّ الكلمة الأخيرة ستكون لشعب إرادة الحياة لا لصنّاع الموت.

كما تتزامن هذه الذكرى السادسة مع وضع اجتماعيّ غير مستقرّ ولا سيما في الجبهات الداخلية، والتي كانت قد انطلقت منها شرارة الثورة، احتجاجات على التهميش والبطالة، وهي أهمّ مطالب الشباب التونسي منذ ديسمبر/ كانون الأول 2010، إضرابات قطاعية أبرزها إضرابات نقابات التعليم، وعمّال الحظائر وغيرها من القطاعات التي تضرّرت من ضعف أداء الحكومة الحالية، حكومة يوسف الشاهد المدعومة نسبياً من بعض الأطراف على رأسهم حركة النهضة ليس لها من حلّ سوى تفعيل ما وعد به مؤسسها، ورئيس الجمهورية الحالي الباجي قائد السبسي، حين أعلنها بكل ثقة أنّ سنة 2017 ستكون سنة الإقلاع. لكن بين الشعار والتطبيق مسافة صدق ما فتئت تتقلّص بين الشعب والطبقة الحاكمة في البلاد.

كما تتزامن هذه الذكرى السادسة مع استمرار الاستماع العلنيّ إلى شهادات ضحايا الحكم البورقيبيّ وحكم المخلوع، وكذلك الاستماع إلى عائلات شهداء الثورة وجرحاها الذين لم ينل أحد منهم حتى الآن حقوقه لا بمعرفة القتلة ولا بتمكينهم من استحقاقاتهم. ولأن كان الاستماع العلني إلى هؤلاء في حدّ ذاته خطوة إيجابيّة نحو المصالحة الوطنية وطيّ صفحة الماضي، فإنّ الغريب أنه، وتزامناً مع أعمال هذه الهيئة الموقرة، وقُبَيْل ليلتين من إحياء الذكرى السادسة للثورة التونسية يطلّ على الشعب التونسيّ برنامج تلفزيوني في قناة خاصة تونسية تستضيف صهر الرئيس المخلوع، أخ زوجته ليلى الطرابلسي (بِلْحسَن الطرابلسي)، تستضيفه هذه القناة في محاولةٍ منها ومن منتج البرنامج ومقدّمه، تبييض الفساد والسرقات التي ارتبطت بعائلة زوجة المخلوع، لتعمّق الجراح من جديد في الجهات المحرومة، وهي تسمع هذا المطلوب للعدالة يعدّد مشاريعه التي أقامها في تونس بمئات المليارات من البنوك التونسية، مستغلاً نفوذ أخته، زوجة المخلوع، ليبطش بالعباد ويقيل ويعيّن من يشاء خدمة لمصالحه ومن والاه. وحريّ بهذا الفارّ أن يعود إلى بلاده ويُحاكَم على ضوء قانون العدالة الانتقالية. إذاً تتزامن هذه الذكرى مع مشهد إعلامي هجين، له أجندات خطيرة على مسار الانتقال الديمقراطي الهشّ في تونس.

لا شكّ أنّ تونس حقّقت مكاسب كثيرة منذ 2011 لا ينكرها إلاّ جاحد. وهي، وإن كانت مكاسب منقوصة، فإنها تجعل تجربتها السلميّة في الانتقال الديمقراطيّ درساً عربياً تستفيد منه كلّ التجارب الديمقراطيّة في العالم. غير أنّ التحديات التي لا تزال تواجه تونس أكثر من أن تعدّ وتحصى، وما تقدّم ليس سوى بعضها: إنّها تحديات غير مسبوقة تتطلّب تعاون الدول الشقيقة قبل الصديقة، لتدفع بنسق النموّ الاقتصاديّ إلى الأمام.

إقرأ أيضا لـ "سليم مصطفى بودبوس"

العدد 5246 - الإثنين 16 يناير 2017م الموافق 18 ربيع الثاني 1438هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 4 | 12:08 ص

      شكرا على التحليل:
      تتزامن الذكرى السادسة لنجاح ثورة الياسمين في تونس مع تحديات جديدة تضع صبر التونسيين وحنكة السياسيّين منهم تحت المحكّ، تحديّات ينتظر أن يقف لها عامّة التوانسة قبل طبقتهم السياسية، بل قبل حتى الحكومة التي بدورها تعاني الأمرّيْن.

    • زائر 1 | 1:05 ص

      أحسنتم أستاذ سليم، جمع لأهم المواضيع ومشاغل التونسيين،وأوجزتم...
      منذ ست سنوات، لم يصدق أي من التونسيين ما حدث، فرح الجميع،أو معظم التونسيين،إذا استثنينا "المتمعشين من النظام السابق" فضلا عن انتهازيي اللحظة(حسبنا الله فيهم)، حتى اللحظة كثر هم من تخلَّوْا عن مطالب كثيرة سيما التشغيل،إذ صرحت الحكومة بتوقف النتداب في الوظيفة العمومية و إلغاء مناظرات كثيرة، من بيتها انتداب المدرسين...
      المهم أنّ نسبة هامّة ممّن تخلوا عن مطالب خاصة وجماعية،بقي لديهم مطلب أقل ما يقال عنه أنه مصيري:كشف الحقائق والماضي.

    • زائر 2 زائر 1 | 10:44 م

      الغموض الذي اكتنف تلك الفترة،منذ ١٧ديسمبر حتى ما بعد ١٤يناير،أمر واقع،بعضه بل معظمه كما يقال هبة الشعب إلى الشارع،لكن الحقيقة أكبر من ذلك، قلة من يعرفون،يبدو أن ترتيبا وتنسيقا ساهم بشكل مباشر في "الفوضى" ثم ما لبث الأمر حتى استقر خلاف ما "خُطّط له"
      التونسيون مسالمون،دليل ذلك أنهم تجاوزوا "التشفي"،يريدون الحقيقة فقط،يريدون اعترافا واعتذارا
      عشية انتخابات٢٣أكتوبر٢٠١١ صدر قانون يسقط الدعاوى في حق من ارتكب التعذيب بمرور15سنة،ثم ذات جلسة للتأسيسي ألغي ذلك القانون
      لم ترفع دعوى حتى اليوم= دليل تسامح.

    • زائر 3 زائر 1 | 4:14 ص

      التسامح قيمة نادى بها ديننا الإسلامي الحنيف،بل كل الأديان السماوية،وقد لاحظنا في مداخلات وجلسات استماع هيئة الحقيقة والكرامة للمتضررين من طيلة فترة "بن علي" وخلال الحركات ٢٠١١، أن تسامح هؤلاء دفعهم لطلب معرفة الحقيقة والاعتذار و الله الغني في ما سوى ذلك.
      المهم لقد عانى الشعب التونسي مخاضا عسيرا حتى أكتوبر٢٠١١، ثم امتدت آلام الوضع حتى ٢٠١٢،لكن للأمّ الحنون المحبّة لشعبها"تونس"،تجاوزت الآهات والآلام، وهاهو الشعب التونسي يعطي مثالا في التسامح والتعايش. بعيدا عن التعصب والتطرف،فإذا الجميع يد واحدة.

اقرأ ايضاً