العدد 5276 - الأربعاء 15 فبراير 2017م الموافق 18 جمادى الأولى 1438هـ

معاقبة العلم والعلماء

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

في الملف الذي أعددناه في «الوسط» ونُشِرَ في 8 فبراير/ شباط الجاري، تحدثنا عن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الهجرة. فقد حَظر ذلك القرار دخول مواطني 7 دول ذات غالبية مسلمة (سورية والعراق وليبيا والسودان واليمن والصومال وإيران) من دخول الأراضي الأميركية. وقد أشرنا إلى أن نسبة تعداد تلك الدول من مجموع تعداد العالم الإسلامي هو 15.7 في المئة. هذا يعني أننا نتحدث عن 213 مليون و700 ألف إنسان. وهو رقم كبير ومؤثر في مجالات مختلفة بعضها غاية في الأهمية.

لذلك، قد يظن البعض أن ذلك القرار ربما يتضرَّر منه المهاجرون من تلك الدول فقط أكثر من غيرهم، إلاّ أن ذلك ليس صحيحاً؛ فالقرار مزَّق أسراً وشَطَرَها إلى نصفين، بعضها في بلدين قريبيْن والبعض الآخر بين قارتيْن حتى. وبالتالي فالتداعيات الاجتماعية في ذلك كبيرة جداً. لكن هناك فئة متضررة قد لا تبدو صورتها واضحة في الإعلام، إلاّ أن تضررها مختلف كونه ضررا مزدوجا.

إنها فئة العلماء الأكاديميون المشتغلون في أرقى وأهم الجامعات الأميركية وفي أدق الأبحاث العلمية. وهو أمر لا يبدو غريباً مطلقاً إذا ما عَلِمنا بأن أصل التطور في الولايات المتحدة قد أقامه المهاجرون منذ 5 قرون، كون هذا البلد تأسس أصلاً على الهجرات التي جاءته من العالم القديم (أوروبا وآسيا وإفريقيا) وساهمت بشكل كبير في إقامة اقتصاده الذي بات يُهيمن على نصف العالم.

ليس فقط عبر التاريخ بل حتى في السنوات المتأخرة. فحسب دراسة أجرتها المؤسسة الوطنية للسياسة الأميركية في أرلينجتون بولاية فرجيينا، أشارت إلى أن المهاجرين يقفون وراء الكثير من الشركات التي حققت نمواً كبيراً في وادي السيليكون، وأن «الشركات الرائدة التي تقدر قيمتها بمليار دولار أو أكثر يقف مهاجرٌ واحدٌ على الأقل بين مؤسسي كل منها» في العام 2016.

دعونا نُفصِّل الأزمة التي وَجَدَ العلماء المهاجرون أنفسهم فيها بعد قرار ترامب، وكذلك أزمة أميركا ذاتها جراء ذلك. فقد صُدِمت الجامعات الأميركية المرموقة بذلك القرار، كونها وجَدَت الكثير من أبحاثها وتجاربها قد تعطلت على اعتبار أن القائمين على إنجازها وإتمامها علماء وطلاب دكتوراه من المهاجرين الذي ينتمون إلى واحدة أو أكثر من تلك الدول السبع التي شملها قرار ترامب.

لذلك وجدنا أن أزيد من 12 ألف باحثٍ بينهم 40 باحثاً حاصلا على جائزة نوبل و6 آخرين منهم حاصلين على ميدالية فيلدز (أهم جائزة في مجال الرياضيات أنشئت عام 1936 يُوقعون على عريضة تندِّد بقرارات ترامب. وقد كَتَبَت كل من لورين موريللو وسارة ريردون تقريراً مفصلاً نُشِرَ في دورية نيتشر، تحدثتا فيه عن قرابة الـ 20 من الباحثين في الولايات المتحدة ممن تضرروا من قرار ترامب.

«المهاجر» كافيه دانيشفار عالِم بارز في الوراثة الجزيئية. وهو يقوم بأبحاث ما بعد الدكتوراه في كلية الطب هارفارد، ومستشفى ماساتشوستس العام في بوسطن. لقد تضرَّر هذا العالِم من قرار الهجرة الذي صدَرَ نهاية يناير/ كانون الثاني الماضي على رغم امتلاكه «الجرين كارد». علي شوريدة عالِم مهاجر آخر، ولكن في مجال الاقتصاد بجامعة كارنيجي ميلون في بنسلفانيا كذلك.

فتاة مهاجرة اسمها سميرة ساميمي تدرس علم الجليد في جامعة كالجاري في كندا، وكان من المقرر أن تذهب إلى غرينلاند بعد شهرين، في رحلة استكشافية تمولها وكالة ناسا للفضاء كي تدرس ذوبان الجليد. فالفريق كان من المفترض أن ينطلق من قاعدة للحرس الوطني الجوي الأميركي في سكنيكتادي في نيويورك إلاّ أن هذه الباحثة لن تستطيع الذهاب الولايات المتحدة اليوم.

نموذج رابع وهو طالب دكتوراه مهاجر اسمه عبادة صباغ المتخصص في علم الأعصاب بجامعة فرجينيا تِك في بلاكسبرج. نموذج خامس وهو أمير حاجي أكبري، وهو عالِم في الفيزياء الإحصائية الحاسوبية والذي يعمل كـ أستاذ مساعد في جامعة ييل في نيو هافين في ولاية كونيتيكت، وزوجته التي تدرس الأحياء الكمّيّة والحاسوبيّة بجامعة برينستون في نيو جيرسي كذلك.

لم يتوقف الأمر على هؤلاء العلماء من الدول السبع، بل انتقل حتى إلى الأوروبيين الذين زوجاتهم من إحدى تلك الدول السبع كالعالِم الإيطالي لوكا فريسكي وهو المتخصص في علم الوراثة الميكروبية في جامعة لافال في كيبيك في كندا والذي قرر الانتقال إلى كلية الطب بجامعة هارفارد بحسب نيتشر، وكذلك عالِمان فرنسيان بارزان، إذ إن الزوجة هي من إحدى الدول السبع. وهكذا تبدو الساقية.

قد يعتقد الرئيس ترامب أن ما قام به هو لصالح بلاده على المدى البعيد، لكن ما يغيب عنه «ربما» هو أن المصلحة ستنقلب إلى خسارة، إذ هي تصيب الزاوية الأهم في المجتمعات والدول وهي التطور العلمي. وربما الجامعات الأميركية هي أول مَنْ يدرك ذلك كونها تضم الآلاف من الطلاب المهاجرين (أقل من مليون طالب بقليل قبل سنتين). لذلك لم تقبل الكثير من الكليات الأميركية البارزة (يصل تعدادها إلى 62 مؤسسة بحثية) أي مِنَح بحثيّة تُقيّد مشاركة الأجانب في الأبحاث العلمية.

15 جيلاً لا يُشكلون مجتمعاً قائماً بذاته يجنح إلى العزلة والاكتفاء. لذلك فالولايات المتحدة في جزء من قرارها ذاك لا تُعاقِب 213 مليون و700 ألف إنسان ينتمون إلى الدول السبع بل هي قبل كل شيء تعاقِب نفسها وتحدّ من تطور شعبها وإنتاجها.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 5276 - الأربعاء 15 فبراير 2017م الموافق 18 جمادى الأولى 1438هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً