مسلسل الاعتداء على الاطفال... إلى أين؟!

لقد قدمت «فاطمة» وهي طفلة تعد سنوات عمرها على اصابع اليد إلى المجتمع اكثر مما أخذت منه، فاحتفاؤها على رغم ما تركه من جرح نفسي ومجتمعي نازف فجر قضية اخشى ما اخشاه ان يعمد المجتمع الى ركلها في سلة النسيان مجددا. وهذه القضية هي «قضية الاعتداء على الطفولة»...

فمنذ ان اختفت «فاطمة» والاعلام المحلي يطالعنا في كل يوم بشكل من اشكال الاعتداء السافر على الاطفال والذي لم تخل منه حتى المدارس الابتدائية ورياض الاطفال التي يفترض بها ان تكون دورا لضمان بناء الانسان السليم، وفرصة لتصحيح الاخطاء التربوية التي وقع فيها الابوان خلال سنوات الطفل الاولى، على رغم ان ما ينشر في الصحافة المحلية لا يعدو ان يكون غيضا من فيض.

ومع ذلك فإن الظاهرة التي يلاحظها الجميع هي انه كلما حدثت حادثة جديدة ثار الاعلام ثورته وظهر المسئولون على شاشات التلفزيون، هذا يبرر وذاك يفسر وآخر ينظِّر، الا اننا حتى يومنا هذا لم نر مسئولا واحدا ظهر امامنا ليقرر... اجل لم نر اي مسئول اتخذ قرارا جريئا للحد من هذه الظاهرة على رغم ان الاسباب الاولية والعوامل الفاعلة في استمراريتها ظاهرة وبارزة للعيان لا سيما للمختصين من رجال قانون او تربية او علوم اجتماعية ونفسية او حتى ذوي الاهتمامات المجتمعية والتربوية. فهل يا ترى شغلتنا السياسة عن الالتفات إلى ما يحدث في مجتمعنا من مآس وويلات تهجم عليه كالسيل الجارف الذي يخلف وراءه الخراب والدمار؟! ام انه ضعف العلاقات الاجتماعية الذي كان نتاجا مباشرا للتطور العلمي والتكنولوجي والحال الاقتصادية هو ما يدفعنا إلى النظر تحت اقدامنا فقط من دون ان نبذل جهدا في رفع رؤوسنا إلى الأعلى للنظر ولو على بعد امتار من موضع اقدامنا؟! ام هو عدم الاكتراث؟! ام يا ترى قد اصبحت هذه الظاهرة عندنا من الظواهر الطبيعية التي لا تسترعي انتباهنا وعنايتنا؟! ام انها خليط من هذا وذاك؟!

أجل يثور من يثور، لكنها ثورة سرعان ما تبرد وتخمد نيرانها وكأن شيئا لم يكن إن الله سبحانه وتعالى عندما امتدحنا في كتابه المجيد «كنتم خير امة اخرجت للناس»(آل عمران: 110)، انما امتدحنا كأمة، كمجتمع، لا كأعراق عربية او فارسية او إسلامية او غير ذلك... امتدحنا لاننا كنا نعيش بالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، فما لنا نتجاوز هذه الحقيقة ونختار العيش في عزلة ونتمثل الحال الفردية في المجتمع ونحن نرى قيمنا ومبادئنا تتآكل وتتلاشى؟!.

ان برود الفعل الذي لاقته قضية الطفلة «فاطمة» رغم سخونة التغطية الإعلامية ورغم استعداد الشخصيات البارزة لساعات أمام المرآة قبل الظهور على شاشة التلفاز أو التوجه إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون أو الجريدة، إن هذا البرود هو ما دفع البعض ممن يعانون من الشذوذ الفكري والنفسي للاستمرار في مسلسل الاعتداء على الأطفال او ربما تجربته بالنسبة إلى البعض... فأخذت الصور تتالى والمشاهد تتوالى من اعتداء بالضرب إلى الاعتداء الجنسي إلى استغلال الطفل بشتى السبل، والعزيز الحكيم وحده يعلم النهاية.

ولعل أبرز الأسباب المؤدية الى تفاقم هذه الظاهرة الى جانب ضعف الوازع الديني وفرة المغريات القذرة التي ليس يخلو منها بيت بفضل التقدم والتطور التكنولوجي، وكذلك سهولة القوانين وافتقار قانون العقوبات المعمول به للعقوبات الرادعة التي من شأنها أن تحد من انتشار هذا السرطان الخبيث. فماذا بالله عليكم يمكن ان تصنع عقوبة التوقيف لمدة أسبوع او الحبس لمدة شهر او ثلاثة او حتى سنة كاملة من تأثير على الجاني؟! إن هذه العقوبات لا تفتقر الى قوة الردع فحسب بل إنها تشجع الجريمة في بعض الأحيان لا سيما إذا تكاملت مع «الواسطة» التي تقلب الحق باطلا والباطل حقا فيكون الضحية جانيا والجاني ضحية، وضحية الاثنين هي المجتمع وقيم الفضيلة.

هل يجرؤ منصف أن ينكر أن الفساد الذي ينتشر في بعض أقسام وزارة الداخلية والمحسوبيات والعلاقات الشخصية تلعب دورا في تعزيز الانحراف السلوكي في المجتمع؟! فلماذا لم نسمع رغم ذلك بأن مسئولا واحدا صغيرا كان أو كبيرا قد عوقب نتيجة استغلاله موقع السلطة والقانون؟! أم ترى ننتظر ما تبقى من فلافل أخرى للحاق بفليفل حتى نبدأ بالمطالبة بمحاسبتهم بعد أن تكون الأيدي قصيرة عن بلوغهم؟!

لقد اصبح مجتمعنا البحريني بكل أسف مجتمعا يسير نحو التفسخ والانحلال وباتت تسوده شتى أنواع الانحرافات السلوكية والشذوذ النفسي حتى بتنا نقلب الصحف أو المجلات المحلية مرتين أو ثلاثا بحثا عن اخبار جريمة اغتصاب أو قتل او اعتداء او تحرش او سرقة او ما الى ذلك من جرائم وسلوكيات منحرفة، فإذا لم نجد ضالتنا، اعتقدنا بأن في الأمر خطأ... وإذا وجدنا أيا من هذه الأمور ولم نجد من بينها اعتداء على طفل او مجموعة أطفال، زاد ترجيحنا لكفة ضعف نظرنا او تسرعنا في تقليب صفحات الجريدة او المجلة فعدنا لفعل ذلك من جديد وبتأن وحذر.

ألم يحن الوقت لمراجعة قانون العقوبات البالي؟! لو أن من اعتدى على طفل بريء فلوث طهارة المجتمع بما أراق من براءة ذلك الطفل، لو أن هذا المعتدي حرق إطارا في الشارع أو كان سيلقى عقوبة سهلة كالتوقيف العابر التي سيلاقيها الجاني الأكبر؟! ما لنا نرى أن إطارا يحرق في الشارع يمس أمن الدولة ولا ترى كيف يهتز الأمن الاجتماعي عندما يعتدي شاذ هنا او منحرف هناك على طفل بريء؟

العدد 71 - السبت 16 نوفمبر 2002م الموافق 11 رمضان 1423هـ

التعليقات (0)
التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أنت تعلق الآن كزائر .. يمكنك التعليق بـ3000 حرف عندالتسجيل من هنا

اقرأ ايضاً

شاركونا رأيكم