العدد 5312 - الخميس 23 مارس 2017م الموافق 24 جمادى الآخرة 1438هـ

مسمار جحا...

فاطمة النزر

أخصائية علاج نفسي

كغيري من الأفراد والعاملين في المؤسسات الحكومية، أسمع بشكل شبه يومي كلمة "الولاء" والتي ذكّرتني بشكل مباشر بقصة "مسمار جحا"!
والذي لا يعرف قصة مسمار جحا سأحكيها هنا بشكل مختصر. فقد كان جحا يملك داراً وأراد أن يبيعها دون أن يفرّط فيها تماماً، فاشترط على المشتري أن يترك المسمار الموجود مسبقاً في الحائط داخل الدار ولا ينزعه. فوافق المشتري دون أن يلحظ الغرض الخفي لجحا من وراء هذا الشرط، وبعد أيام ذهب جحا لجاره ودقّ عليه الباب، فلما سأله جاره عن سبب الزيارة أجاب جحا: جئت لأطمئن على مسماري!
رحّب به الرجل، وأجلسه، وأطعمه. لكن الزيارة طالت والرجل يعاني حرجاً من طول وجود جحا، لكنه فوجئ بما هو أشد، إذ خلع جحا جبّته وفرشها على الأرض وتهيّأ للنوم، فلم يطق المشتري صبراً وسأله: ماذا تنوي أن تفعل يا جحا؟ فأجاب جحا بهدوء: سأنام في ظل مسماري!
وظلّ جحا يذهب يومياً للرجل بحجة مسماره العزيز! وكان جحا يختار أوقات الطعام ليشارك الرجل في طعامه، فلم يستطع الرجل الاستمرار على هذا الوضع وترك لجحا الدار بما فيها وهرب. ومن هنا انتشر مثل "مسمار جحا"!
إن ارتباط الكلمتين لديّ جاءت عندما كنت أتصفّح كتاب علم النفس التنظيمي، الذي تحدثت عنه في السابق، حيث يرتبط بأداء المؤسسات وجودتها في الأداء خاصةً أن مسألة الولاء الوظيفي قد أخذت حيّزاً كبيراً من اهتمام خبراء علم النفس التنظيمي (Organizational Psychology)، والذين يدرسون أساليب تحفيز الموظفين لتثبيت ولائهم وحبّهم لمؤسساتهم، وهذا الأمر لا يتحقّق بين عشية وضحاها، بل تحتاج المؤسسة إلى سلسلة من الإجراءات والبرامج لكي تنال ولاء موظفيها وحبهم، وفي الوقت ذاته، تقنعهم بولائها وحبها لهم.
إذاً فالعملية تبادلية بين الطرفين، ولن يستطيع الموظّف الاستمرار في العطاء من أجل مؤسسة، لا تقدّم له ما يتناسب مع عطائه. وقد تم وضع أساسيات الولاء التنظيمي، وهي حاصل تفاعل ثلاثة عناصر أساسية هي:
أولاً: التطابق: وتعني درجة تبنّي الفرد لأهداف وقيم المنظمة التي يعمل بها باعتبارها تمثل أهدافه وقيمه.
ثانياً: الانهماك "الاستغراق": وتعني أن يكون الفرد منهمكاً ومنغمساً بصورة متكاملة في نشاطاته وأدواره التي يقوم بها في المنظمة التي يعمل بها.
ثالثاً: الإخلاص والوفاء: ويعني الشعور بالارتباط القوي والعاطفة للمنظمة التي يعمل بها الفرد بحيث يحسّ بأن المنظمة جزء من ذاته وكينونته.
وبالتالي فإنه على الرغم من تعدّد تعريفات الولاء التنظيمي إلا أن هناك شبه إجماع بين الباحثين على اعتبار الولاء التنظيمي نوعاً من اتجاهات الفرد نحو المنظمة التي يعمل بها، وليس أفراد المنظمة ومدرائها، وأنه يقوم على فكرة أساسية هي الارتباط بين الفرد ومنظمته وليس بين الفرد ومسئولي منظمته. لهذا فالولاء التنظيمي ليس مسمار جحا، الذي يتردّد في أغلب بل كل مؤسساتنا بل هو مقدار العمل والعطاء.
#فاطمة_السيكولجست: "نستطيع أن نقاوم الهجوم والنقد، لكننا عاجزون أمام الثناء". سيغموند فرويد.

إقرأ أيضا لـ "فاطمة النزر"

العدد 5312 - الخميس 23 مارس 2017م الموافق 24 جمادى الآخرة 1438هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 5 | 1:35 ص

      ولاء للمدير وولاء للقسم او لدائرة ما
      ولاء للرئيس وولاء للمؤسسة
      ولاء للوطن وولاء لأشخاص
      ولاء للأمّة وولاء ...
      في مسرحية الزعيم لقطة يقول فيها الوزراء (انت الوطن والوطن انت) أي ان هناك اختزال للوطن والأمّة في شخص واحد
      وهذا ما يفسد المواطن والوطن

    • زائر 4 | 1:17 ص

      لا يا سيدتي فهناك ولاء جديد أن تكون مواليا ..... ويطالب المنادون به أن تكون الترقيات والحوافز مبنية على هذا النوع. وليست الكفاءة والإخلاص في العمل والتطوير أي دخل في العمل.

    • زائر 3 | 1:16 ص

      هكذا هم اذ لم يجدوا على شعب البحرين أي شيء يستطيعوا فيه ادانته اخترعوا شمّاعة .

    • زائر 2 | 1:11 ص

      (إذاً فالعملية تبادلية بين الطرفين،) نعم زبدة كلامك هذه الفقرة الولاء هو امر متبادل بين الطرفين وأنت كطبيبة نفسية اكثر من يستطيع تعريف ذلك وشخصنة المرض والعلّة.
      لكن المشكلة في الوطن وهو البحرين المطلوب الولاء من المواطن فقط بينما المواطن يرى حقوقه تسلب وتعطى للأجنبي فكيف يستقيم الأمر بمطالبة المواطن بإعطاء ولاءه في حين هو يسلب ابسط حقوقه كمواطن في وطنه

    • زائر 1 | 12:11 ص

      قال رسول الله (ص) : "إذا عمل أحدكم عملاً فليتقنه"
      لو طبقنا هذا الكلام قولاً وعملاً فهذا هو الولاء الصحيح للإسلام

اقرأ ايضاً