العدد 5351 - الإثنين 01 مايو 2017م الموافق 05 شعبان 1438هـ

رؤية بشأن تطبيق العقوبات البديلة

نفيسة دعبل comments [at] alwasatnews.com

محامية بحرينية

العقوبات البديلة أو بدائل السجون هي مجموعة من البدائل يتخذها القاضي لإحلال عقوبة السجن بخدمة يقدمها السجين لفئة من فئات المجتمع أو لجهة أو موقع خيري أو الالتحاق بمرفق تعليمي يستفيد منه السجين بهدف إصلاحه وحمايته من الأذى، وتقديم خدمة لمجتمعه وقد تعرّف أيضاً بالعقوبات ذات النفع العام؛ لأن السجين ينتفع منها من خلال إصلاحه في المجتمع والمجتمع ينتفع منه من خلال اندماجه.

يذكر أن غالبية الأنظمة العدلية والقضائية في كثير من دول العالم اليوم تتجه لتفعيل السياسات العقابية الحديثة، فتعمل على تطبيق العقوبات البديلة أو بدائل السجون لأسباب إنسانية واجتماعية ووطنية واقتصادية، بالأخص في الجرائم والمخالفات التي تقع أول مرة أو من الفئات العمرية الصغيرة التي تعاني من مشكلات نتيجة ضعف التنشئة، وسوء التكيف الاجتماعي وقلة الوعي، فتفتح أمامهم نافذة نحو المستقبل للخروج من دائرة الضياع، وذلك بالتوسع في الأخذ ببدائل السجون.

وقد أخطأ من عارضها حينما أرجع أمر رفضه لسياسة التوسع في التدابير المجتمعية كبدائل للسجن، بأنها تدعو لإلغاء عقوبة السجن تعاطفاً وتساهلاً مع المجرمين وتزيد من نسبة الجرائم جراء ذلك، أما مؤيدوها والذين ننضم لهم قد أوضحوا أهم الأسباب الداعية لتطبيق هذه البدائل والتي لم تستطع العقوبات السالبة للحرية الحد منها أو تجاوزها وهي الآتي:

1 - الإبقاء على مهارات وخبرات السجين الذي يتمتع بفن من فنون العمل في الهندسة أو الطب أو الحرف وخلافه، وتوجيه طاقاته باتجاه إيجابي يستفيد منه المجتمع، فلن يكون لطاقاته قيمة بسجنه.

2 - نظرة المجتمع لمن يدخل السجن وأثر ذلك على السجين نفسه وعلى أسرته وعائلته.

3 - تعرض السجين أثناء فترة سجنه للاحتكاك بمجرمين عتاة لهم ضلع كبير في الإجرام، وتجارب وخبرات كثيرة ستساعد في انحراف السجين، وقد أثبتت بعض الأبحاث المتخصصة التي أخذت في بريطانيا قبل البدء بوضع تصور لتطبيق ذلك النظام بأن 50 في المئة من المجرمين يعودون لارتكاب الجرائم بعد انتهاء محكومياتهم، كما أن غالبية المجرمين بالصدفة يتحولون لمجرمين بالاحتراف بعد فترة وذلك الأمر خطير جداً.

4 - التكاليف المادية الكبيرة جداً التي تصرف على السجناء من قبل ذويهم لتأمين احتياجاتهم أو من قبل خزينة الدولة مع غياب الفائدة العملية من مدة السجن البسيطة.

5 - وطبعاً أهم تلك الأسباب هي إصلاح السجين وتهذيبه وإدماجه في المجتمع بدلاً من إدراجه وإنخراطه مع السجناء، وما ينطوي على ذلك من آثار سلبية تلحق بالسجين مباشرة أو بأهله بشكل عام.

وقد حققت هذه السياسة صدى واسعاً على مستوى العالم، حيث أوصت الكثير من المؤتمرات الدولية للأخذ بها، ومنها على سبيل المثال المؤتمر السادس للأمم المتحدة للوقاية من الجريمة المنعقد في كاراكاس فنزويلا العام 1980 إذ اعتمد في توصيته رقم 8 والذي نصت على التالي «العمل على نشر التدابير البديلة لعقوبة السجن في العالم على نطاق واسع وذلك بإدخالها ضمن التشريعات الجزائية، وإعطاء أجهزة العدالة الجنائية التأهيل اللازم لفهمها وتطبيقها واعتمادها» كما أن المؤتمر السابع للأمم المتحدة المنعقد في ميلانو العام 1985 اعتمد في توصيته رقم 16 والتي نصت على التالي «وجوب اتخاذ التدابير اللازمة لعلاج ظاهرة تكدس السجناء والاستعاضة ما أمكن عن عقوبة السجن بالتدابير البديلة والمؤهلة لإعادة دمج المحكوم عليهم في الحياة الاجتماعية كأعضاء فاعلين» .

وقد وضعت مملكة البحرين أقدامها الأولى في هذه السياسة عندما أقدمت على مسألة إجازة استبدال العقوبة بعمل خيري، بشرط ألا تتجاوز عقوبة الحبس المراد استبدالها بثلاثة شهور وألا يخرج العمل عن الكشوف الواردة بالقانون. كما أن ما تقوم به المملكة الآن من دراسة لتوسيع قاعدة تطبيق بدائل السجون هي خطوة جداً ممتازة للتقليل من ازدياد عدد الجرائم والمجرمين، وستساهم في الكثير من الأمور التي لم تستطع عقوبة السجن تجاوزها أو الحد منها، وأهمها إصلاح السجناء وتهذيبهم وإعادة تأهليهم وإدراجهم في المجتمع، والحد من حالات العودة للجريمة أو ارتكاب جرائم أكبر من تلك التي سجنوا من أجلها.

ولكنني أجد أن مملكة البحرين وهي بصدد العمل بذلك ينبغي عليها: 1 - أن تقوم بتقنين تلك البدائل تحسباً لسوء إدارة تلك السياسة جهلاً أو تعسفاً من قبل القائمين عليها في جهاز القضاء، فتوضح الجرائم المشمولة بالعقوبات البديلة، شروط تطبيق العقوبات البديلة، العقوبات البديلة التي من الممكن تطبيقها. 2 - كما ينبغي عليها أن تقوم بتأهيل القضاة بحيث يكون بمقدورهم التعامل مع ذلك النظام. 3 - ندب معالج نفسي يقوم برصد حالة السجين من خلال عدد من الجلسات، وأخصائي اجتماعي لكتابة تقرير عن حال المحكوم عليه يرفق بملفه عند النظر في مدى أحقيته بتطبيق العقوبة البديلة. 4 - تخصيص قاضٍ مستقل للنظر في تطبيق العقوبات البديلة لضمان الجودة وتيسير العمل وسرعته، لا أن يتم كما هو الحاصل الآن من قبل قاضي تنفيذ العقاب الذي يعمل على الوجه الاستثنائي لمسكه لمحكمة على الوجه الاعتيادي فتتشعب مهامه واختصاصاته ولا نصل للنتيجة المرجوة من هذا النظام، كما أنني أرى بأن العقوبات البديلة قد تتسع لتشمل: 1 - النظر في توسيع قاعدة الجرائم القابلة للصلح. 2 - إقرار نظام الغرامات التصالحية بالنسبة للجرائم البسيطة. 3 - إقرار نظام التخفيض التلقائي للعقوبات استناداً لسلوك السجين وامتثاله للأنظمة مع وضع نظام يحد من حالات العودة. 4 - النظر في التوسيع بنظام الاختبار القضائي. 5 - توسيع من قاعدة الأعمال الخيرية وإحلالها مكان عقوبة السجن وما إلى ذلك من أمور.

ختاماً أقول بأن العقوبات البديلة أو بدائل السجن ما هي إلا إحدى أهم خيارات العدالة الناجزة، والغور في روح القانون والتي تعمل على تهذيب نفسية المجرم وإصلاحه وتأهيله وإدماجه في المجتمع وخفض معدلات الجريمة مستقبلاً.

إقرأ أيضا لـ "نفيسة دعبل"

العدد 5351 - الإثنين 01 مايو 2017م الموافق 05 شعبان 1438هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 4 | 4:05 ص

      يجب الأخذ في عين الاعتبار الفكرة المطروحة من قبل الكاتبة ولكم يجب توخي الحذر في تطبيقها على السجين الذي قد يتمادى في جرائمه تبعا للتساهل الكبير المتوفر من قبل إدارة السجن.

    • زائر 3 | 12:35 ص

      فكرة ممتازة و يا حبذا أخذ الموضوع باهتمام

    • زائر 2 | 12:21 ص

      العقوبة يجب ان تكون قاسية حتى تردع المجرم والمتربص والمحرض. دعوتك هذه هي لإلغاء عقوبة السجن تعاطفاً وتساهلاً مع المجرمين وستزيد من نسبة الجرائم

    • زائر 1 | 11:22 م

      من المحزن ان هذه الطروحات لا تجد طريق الا الصحافة في حين ان جمعية المحامين يجب ان تتبنى مثل هذه الرؤى وكذلك وزارة العدل منقطعة عن العالم الحر الذي يبحث دوما عن سبيل لخفض الجراءم ولا حول ولا قوة الا بالله

اقرأ ايضاً