العدد 5366 - الأربعاء 17 مايو 2017م الموافق 21 شعبان 1438هـ

هل تزداد الأمور سوءاً بالنسبة إلى النساء في قطاع النشر؟

%78 من صناعتها تقوم بها الإناث في أميركا...

مقر دار بنجوين راندوم - المملكة المتحدة
مقر دار بنجوين راندوم - المملكة المتحدة

هل تبدو مسألة التمييز في العمل بين النساء شأناً شرقياً فحسب؟ هل للتجربة الديمقراطية ولتقدّم المجتمعات في شقّها المدني، ولثورات التحديث دور في اختفاء مثل تلك الممارسة؟ أو على الأقل عدم وصولها إلى مستويات تتحوّل فيه إلى عُرف يمكن الصمت عليه، والتعامل معه باعتباره أمراً مألوفاً؟

لا يمكن أن تكون مثل تلك الممارسات في النموذج الثاني من المجتمعات بالحدَّة والاستمراء نفسه في النموذج الأول الذي يكاد يكون غالباً وشائعاً، ولا تحتاج إلى كبير جهد للوقوف على صورها اليومية. لكن شيئاً من تلك الممارسة يظل قائماً وإن حاولت موجات التحديث أن تُعتِّم عليه، أو تساعد على عدم رؤيته، على الأقل من قبل الآخر المضاد.

في حقل النشر تحديداً، ثمة ما هو طاغٍ وسافر في الوقت نفسه. لا علاقة للتجربة الديمقراطية ولتقدّم المجتمعات في شقّها المدني، ولثورات التحديث، في الحدّ منه. ثمة تمييز لا يخفى، بدافع - أحياناً - من توسّع سوق النشر، وما تحقّقه من مليارات سنوياً لدور النشر والمطابع من جهة، وملايين للكتَّاب الذين يتم التعاقد معهم.

لكن هذه المرة يتناول تقرير صحيفة «الغارديان» الذي كتبته دانوتا كين يوم الخميس (11 مايو/ أيار 2017)، حضور المرأة في مجالس إدارات دور النشر، والمراكز القيادية والتنفيذية. يتتبَّع التقرير استطلاعاً أجري في الولايات المتحدة الأميركية، يوضح الفجوة بين واقع حضور المرأة هناك في قطاع النشر، وافتقار بريطانياً إلى استطلاع من هذا النوع؛ إذ لم يتم إجراء أي استطلاع حتى اللحظة يقدم مؤشرات عن حضور النساء في قطاع النشر. الصورة الظاهرة، وبحكم حجم السوق، لن تكون المملكة المتحدة مرشَّحة إلى غلبة النساء فيها على الرجال، فيما يتعلق بقطاع النشر وصناعته.

يمكن لانتسابك إلى طبقة ما - الوسطى أو العليا - وحتى العرق، وتلقي التعليم في المدارس والجامعات الخاصة دور في أن تنخرط في هذا القطاع، أو أن تكون فرصتك ضئيلة بالنظر إلى تلك المعايير التي هي بالطبع ليست ممنهجة، وأساسية بشكل ظاهر، بحكم التبعات القانونية التي يمكن أن تترتَّب عليها. القليل ممن هم خارج تلك المعايير، تتاح لهم فرصة الوصول إلى المناصب القيادية أو التنفيذية؛ عدا الوصول إلى مجالس الإدارات.

الإحباط

يركِّز تقرير كين على الاستطلاع المذكور، والذي يتناول الفجوة بين الجنسين في قطاع النشر بالولايات المتحدة الأميركية؛ إذ يشير إلى أن 78 في المئة من منتسبي هذه الصناعة تقوم بها الإناث (لم يتم بعد إجراء مسح على نطاق المملكة المتحدة). ولكن الاستطلاع نفسه وجد أن 40 في المئة ممن استجابوا للاستطلاع هم من الرجال، ويحتلون مراكز إما في الإدارات التنفيذية أو مجالس الإدارات. «إيدي» ليست وحدها التي تُعاني من الإحباط بسبب الانقسام الحاصل على مستوى مجلس الإدارة: هناك قلق مُتزايد بين الرتبة الوظيفية والمجموعة المُصنَّفة.

ويوضح تقرير كين بأنه عندما بدأت إيدي وزميلها إدي العمل كمحرِّريْن صغيرين في الشركة نفسها التي تعمل في مجال النشر، كانت لديهما الكثير من القواسم المشتركة: بدءاً من المنطقة التي ينتميان إليها: أوكسبريدج، إلى جانب الطموح الوظيفي، والشغف بالكتب وكذلك الأفكار. عندما رأت إيدي نموذجها الذي يُقتدى قد انتقلت من مكتب الرئيس التنفيذي ليحلّ محلّها رجل، أصبح الأمر مُرتبطاً بسؤال مفاده: كم من الوقت يتم استغراقه للوصول إلى القمّة.

ولكن كما لاحظ الاثنان الشيء نفسه يحدث في دار نشر تلو الأخرى، كانت السخرية أخف وطأة. أحبط إيدي لعدم وجود ترقية، حدث تغيّر. تقول إدي: «ارتدى بدلة وبدأ يسير ويتحدث مثل الرجال الذين رآهم ينخرطون للحصول على العمل، وفجأة تغيّرت الأمور بالنسبة له». وأضافت «كان الأمر يسيراً».

بالنسبة لها، يبدو أن «كل ما تحتاجه كي تثبّت نفسها الآن هو أن تكون في هيئة رجل يرتدي بدلة وحذاء رجالياً، ليبدو وكأنه من حملة درجة الماجستير في إدارة الأعمال. يذكّرني الاثنان بكل من: ديفيد كاميرون وجورج أوزبورن. فالاثنان من البِيض، ومن الطبقة الوسطى وحَسَنَي الطلعة، ومن الذكور طبعاً، وهو شيء بالتأكيد لا أستطيع أن أطمح إلى أن أكونه». (إيدي وإدي ليسا اسمين حقيقيين، ولكن مثل العديد من الأشخاص الذين تمّت مقابلتهم من أجل هذه الفرصة، لم ترغب إدي في تحديد هويتها).

استبدال النساء بالرجال

هذا تقييم للنشر قاسٍ في المملكة المتحدة. وهي صناعة أبدَت ارتياحها لأن مجال التنوّع الذي تحتاجه لم يتم تحديده من خلال النوع. هذا لا يعني أن النساء تَرَكْنَ مجلس الإدارة تماماً. ولكن، كما لاحظت واحدة من كبار المحرّرين، أن نساء يعملن في دور نشر مثل: غيل ريبوك في دار «راندوم هاوس»، وهيلين فريزر في دار «بنجوين»، وأنيت توماس، في دار «ماكميلان» وأورسولا ماكنزي، في دار ليتل، براون، من اللواتي يجسّدن كل شيء مثالي للنساء الناشرات، ممن لا يواجهن سقفاً زجاجياً، تم استبدالهن جميعاً في الخمس سنوات الأخيرة بالرجال.

وتضيف إحدى المحررات «هناك مشكلة، لأنه ينتابك شعور يتعلّق بما تبقّى من النساء في الإدارة العليا ما دمن سيرحلن في يوم من الأيام، وفي كل حالة من أولئك النسوة مطلوب منهن الاستجابة لعمليات إزاحة أو تقليص لصالح ما يقارب 40 رجلاً كي يحلّوا محلهن».

إن الشعور بالقلق الذي ينتاب قطاع النشر لا يقتصر على المراكز العليا التي تم الاستحواذ عليها من طبقة البِيض أو الذكور أو من الطبقة المتوسطة، كما هو الحال مع بقية الصناعات، ولكن يبدو أن قطاع النشر أقل ترحيباً بالأجانب، سواء كانوا من الإناث، أو أعضاء في المجتمعات غير البيضاء في المملكة المتحدة: السود، الآسيويين، الأقليات العرقية، أو المعوّقين (ذوي الاحتياجات الخاصة).

الأفكار الجديدة... الابتكار

وبوصفه مجالاً إبداعياً، نما النشر على خلفية رواد الأعمال وأصحاب الرؤى، وكما قالت إحدى الناشرات: «يجب أن يتمحور قطاع النشر حول الأفكار الجديدة، الاختلاف والابتكار، ولكن هؤلاء الرجال جميعاً ينظرون إلى كل تلك المسائل بطريقة أخرى».

فيما قالت ناشرة أخرى تعمل في الرُّتب الوسطى بإحدى دور النشر الثلاث الكبرى: «يبدو أنه تم اختيارهم لحسن مظهرهم من خلال نشرات جاذبة فيها وصف مغالٍ للمؤسسة. كل ذلك حصل بعيداً عن أي شيء آخر. حتى الرجال العظماء في قطاع النشر من أمثال: فيكتور غولانتزيس، ألين لينيس وأندريه ديوتشس، لن يكونوا ملائمين في هذا العالم».

وعلى رغم أن نصف مجالس دور النشر الكبيرة يتألف من نساء، فإنهن في كل حالة تقريباً يضطلعن بأدوار أكثر تقليدية مثل: النشر، الاتصالات، الموارد البشرية، أو الأقسام التعليمية. إلقاء نظرة على المجموعة المنوط بها العمل بدءاً من الرئيس التنفيذي للمجموعة، رئيس مجموعة العمليات، ضابط ومدير الشئون المالية للمجموعة - حيث تكمن السلطة الحقيقية - نجد أن النساء غائبات.

يقول ناشرون، إن هذا الأمر يرجع ببساطة إلى جيل من النساء سيتقاعدن، وإلى دمج دور النشر؛ الأمر الذي ترك عدداً أقل من الوظائف التي يمكن تدويرها من أجل المنافسة. بالتأكيد لا يعني ذلك أن النساء يفتقدن الدافع إلى تلك المنافسة. تقول المديرة التنفيذية لمجموعة «هودر للتعليم»، وهي جزء من مجموعة هاشيت البريطانية ليز تريب: «في دور النشر الكبرى، فإن المديرين الإداريين للأقسام، وهم الأشخاص الذين يتخذون قرارات النشر، كثير منهم من النساء». هناك خمسة مديرين أو مديرين تنفيذيين من النساء في مقاطعة هاشيت، وستة أقسام تديرها نساء في (بنغوين راندوم هاوس)».

الرجال يختارون الرجال

«تريب»، التي تولَّت مؤخراً مهمة الرئيس في جمعية الناشرين، مُصرّة على أنه لا توجد مشكلة مع وصول المرأة إلى القمّة؛ فيما لا يوافق آخرون على وجهة النظر تلك. «نعم، صحيح!» تقولها امرأة، طلبت عدم الكشف عن اسمها، وهي تضحك، بعد أن تركت دار نشر من أجل إقامة مشروعها الخاص. تقول: «هناك أيضا نزعة نميل إلى تجنيدها في صورتنا الخاصة». «لديك الكثير من الرجال البِيض، من الطبقتين الوسطى والعليا، تلقوا تعليماً خاصاً، يختارون رجالاً آخرين من البِيض ومن الطبقة المتوسطة وتلقت تعليماً في المؤسسات الخاصة. إن لذلك تأثيراً تقشعر له الأبدان».

هناك فجوة مستمرة في الأجور بين الجنسين في قطاع النشر، كشفه الاستطلاع الأخير الذي أجرته «Bookcareers.com» بوصول تلك الفجوة إلى 16 في المئة في المملكة المتحدة. ويعتبر ذلك دليلاً على أن الرجال يأخذون عدداً غير متناسب من الأدوار التنفيذية ذات الأجور العالية، مقارنة بما تحصل عليه المرأة. «أجد أنه من المُحبط حقاً أنه بعد كل هذه السنوات ما زلنا لم نبرح الحديث نفسه حول الأجور والتنوّع. لم يتغير شيء»، بحسب ما قالت سوزان كولير، من «بوكاريرز دوت كوم».

غيل ريبوك
غيل ريبوك
أورسولا ماكنزي
أورسولا ماكنزي




التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً