العدد 5383 - السبت 03 يونيو 2017م الموافق 08 رمضان 1438هـ

القرية الإسلامية في موقع قلعة البحرين

آثار المدينة/ القرية الإسلامية في موقع قلعة البحرين (Hojlund & Andersen 1994)
آثار المدينة/ القرية الإسلامية في موقع قلعة البحرين (Hojlund & Andersen 1994)

ناقشنا في الحلقة السابقة تاريخ بناء القصر المحصّن الذي يوجد في موقع قلعة البحرين، وخلصنا إلى أن البعثة الدنماركية رجّحت أن هذا الحصن بُني في الفترة الإسلامية، فوق طبقة من الآثار الهلنستية، وذلك اعتماداً على الفخار الذي عثر عليه في هذا الحصن والذي يعود أغلبه إلى القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين. هذا وقد أكدت دراسات لاحقة على الفترة التاريخية التي يعود لها الفخار، كما رجّح Priestman في العام 2013م، اعتماداً على تاريخ الفخار، أن القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين هي فترة ذروة الاستيطان في الفترة الإسلامية في موقع قلعة البحرين.

يذكر، أن البعثة الفرنسية، التي نقبت في الحصن بعد البعثة الدنماركية، تتفق مع البعثة الدنماركية في الفترة التاريخية التي يعود لها الفخار الذي عثر عليه في موقع الحصن، إلا أنها تختلف معها في تاريخ بناء الحصن، حيث ترى أن الحصن بني في الفترة الهلنستية. أي أن ما اعتبرته البعثة الدنماركية آثاراً هلنستية مستقلة بني فوقها الحصن، اعتبرتها البعثة الدنماركية أساسَ الحصن. أما فيما يخص إعادة استخدام الحصن في الفترة الإسلامية، فترى البعثة الفرنسية أن هذا الحصن أعيد استخدامه في فترة السيطرة السلغرية قرابة العام 1250م.

القرية الإسلامية

إلى الجنوب من موقع الحصن، تمتد آثار لبيوت تعود إلى الفترة الإسلامية، التي تمثل قرية/مدينة لا يعرف بالتحديد مدى امتدادها، حيث إن هذه الآثار الإسلامية لم تكن محط اهتمام الباحثين، كما أن جزءاً منها قد دمّر أثناء بناء قلعة البحرين قرابة العام 1500م والحصار الذي حدث لهذه القلعة والمعارك الحربية التي حدثت في الموقع (Kervran 2005, pp. 329 - 330). ومع ذلك، فقد خلّفت أعمال التنقيب لكل من البعثة الدنماركية والبعثة الفرنسية نتائج آثارية كافية يمكن من خلالها تحديد فترة بناء وهجران هذه القرية، مع إعطاء ملامح عامة لها.

هذا، وترجّح كل من البعثة الفرنسية والبعثة الدنماركية، أن هذه القرية الإسلامية بنيت في الفترة الإسلامية التي كان يستخدم فيها الحصن، سالف الذكر. وهنا يظهر الخلاف من جديد بين كل من البعثة الفرنسية والبعثة الدنماركية، حيث تتمسّك البعثة الدنماركية بدليل الفخار الإسلامي الذي يعود أغلبه إلى القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، بينما تتمسّك البعثة الفرنسية بلقىً آثارية أخرى تعود إلى النصف الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي.

وصف القرية وتاريخ بنائها

من خلال نتائج كلا البعثتين الدنماركية (Frifelt 2001, pp. 35 – 36, pp. 45 - 61)، والفرنسية (Kervran 2005, pp. 329 - 339)، فقد تم تحديد وصف مبسّط لهذه القرية الإسلامية، والتي تتكوّن من ثلاثة أحياء، حي خاص لعامة الناس، وحي يتميز ببناء يدل على رخاء معيشي أكثر، أطلق عليه «حي التجّار»، بالإضافة إلى وجود حي خاص عبارة عن سوق على شكل بازار، أي محلات صغيرة متجاورة ومتقابلة. وبالإضافة إلى ذلك يوجد هناك مسجد وحمّام.

وتشير نتائج تحليل الفخار للبعثة الدنماركية، إلى أن الفخار الذي عثر عليه في هذه القرية يشبه تماماً الفخار الذي عثر عليه في الحصن، أي أن غالبيته يعود إلى القرنين الثاني عشر والثالث عشر، بالإضافة إلى وجود فخّار يعود إلى فترات إسلامية لاحقة، وبالتحديد القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، وكذلك فخار يعود إلى القرن السابع عشر الميلادي. وبحسب هذه النتائج، ترجح البعثة الدنماركية أن القرية الإسلامية بدأت في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين. هذا وقد عثرت البعثة الدنماركية في «حي التجار» على ثلاثة أختام إسلامية، منها ختمين يعودان للفترة الإسلامية المبكرة (القرنين التاسع والعاشر الميلاديين)، والثالث يعود للقرن الرابع عشر الميلادي وقد نقش عليه أسماء الأئمة الاثني عشر (Porter 2001). أي أن الموقع يحتوي على آثار إسلامية مبكرة أيضاً.

أما البعثة الفرنسية فتختلف مع البعثة الدنماركية في تاريخ بداية القرية الإسلامية حيث ترجّح أنها تأسست قرابة العام 1300م، بعد إعادة استخدام الحصن. وقد بنت هذا الترجيح على جزء من اللقى الآثارية التي عثر عليه في الحي الذي عرف باسم «السوق» فقط. وترى البعثة الفرنسية أن القرية قد استمرت حتى قرابة العام 1500م حيث هجرت بسبب بناء قلعة البحرين بالإضافة إلى المعارك التي حدثت في هذه المنطقة (Kervran 2005, pp. 329 - 339).

المقبرة الإسلامية التابعة للقرية

كشفت نتائج التنقيب للبعثة الفرنسية في موقع قلعة البحرين عن مقبرة إسلامية ضخمة، لا يعرف بالتحديد عدد القبور فيها؛ حيث إنه لم يسمح بالتنقيب فيها (Kervran 2005, pp. 334 – 342)). كل ما ذكر عن هذه المقبرة أن بها قبور شبيهة تماماً بمقبرة أبي عنبرة، وغيرها من المقابر الإسلامية القديمة التي عثر عليها في مناطق مختلفة من البحرين Kervran 2005, pp. 334 – 342)). كذلك، يعرف أنها مقسمة إلى قسمين أساسيين، القسم الشرقي، وهو مخصص لعامة الناس، حيث تدفن في قبور عبارة عن لحود غير مبنية، أما القسم الغربي فيبدو أنه خصص لطبقة معينة من الناس حيث يوجد به أضرحة وقبور لها ساجات.

الخلاصة

إنه في موقع قلعة البحرين، بني حصن، استخدم لأغراض تجارية، وهناك خلاف جوهري حول بناء هذا الحصن وإعادة استعماله في الفترة الإسلامية، إلا أننا نميل لترجيح نتيجة البعثة الدنماركية التي اعتمدت على دليل الفخار والتي رجّحت أن ذروة استخدامه كانت في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين (تشمل فترة الدولة العيونية وما بعدها). كما نشأت بالقرب من هذا الحصن قرية / مدينة، كذلك اختلف في تاريخ بدايتها، إلا أننا نميل لترجيح النتيجة التي توصلت لها البعثة الدنماركية والتي بنيت على أساس تحليل الفخار، والذي يتشابه مع الفخار الذي عثر عليه في الحصن، وبالتالي فالقرية بدأت في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، كما نتفق مع نتيجة البعثة الفرنسية والتي ترجّح أن القرية استمرت حتى قرابة العام 1500م حيث هجرت بسبب بناء قلعة البحرين والمعارك التي حدثت في المنطقة.





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً