العدد 2219 - الخميس 02 أكتوبر 2008م الموافق 01 شوال 1429هـ

نحو قراءة مغايرة لمنظومات الفلاسفة المسلمين

الفلسفة الإسلامية وتاريخها (1)

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

كيف نقرأ تاريخ الفلسفة الإسلامية؟ هذا السؤال اشتغل عليه الكثير من الباحثين في أوروبا والعالمين العربي والإسلامي. وجاءت الأجوبة متعارضة في خلاصاتها النظرية بسبب اختلاف مناهج التحليل والتفكيك والتركيب، ما أدى إلى ظهور قراءات يصعب توحيدها في إطار مشترك.

الاختلاف على القراءة تأسس على مسألة التعريف (الهوية) وسؤال «ما هي الفلسفة الإسلامية». بعد سؤال «الماهية» جاء سؤال آخر عن المصدر «من أين أتت الفلسفة الإسلامية». وهكذا أخذت الأسئلة تنهمر لتوضيح طبيعة الفلسفة عند المسلمين والمراجع التي اعتمدها الفلاسفة لترتيب الاهتمامات وموضعة الانشغالات في سياق التوفيق بين الشريعة والعقل.

المشكلة لا تنحصر في موضوع الأفكار (سرد النصوص). فهذا الموضوع لاقى الكثير من الدراسة والبحث وإنما المشكلة تركزت على تاريخ الأفكار وتشكل منظوماتها. فهل الفكرة منعزلة عن العمران (الاجتماع البشري) أم أنها تأسست وتطورت في إطار آليات الزمن وتعاقب حقباته. الاختلاف على تأريخ الأفكار ساهم في تشكيل ثغرات في القراءات التي أهملت الجانب الشخصي للفيلسوف وسيرته وظروفه المعيشية ومحيطه وعلاقته بالسلطة والفضاءات السياسية التي عايشها ومهنته ودورها في التأثير على تفكيره ومنهجيته.

الاختلاف على تاريخ الفكرة لعب دوره في التشويش على خصوصية الفلسفة الإسلامية واستقلالها البحثي والمنهجي عن غيرها ومدى تأثيرها اللاحق على نشوء فلسفات في أوروبا المعاصرة. وجاء الاختلاف بسبب ذاك الإهمال لظروف الفيلسوف ودور سيرته الشخصية ومهنته في تكوين أفكاره وتأثيرهما في توجيهه نحو هذا المنحى أو ذاك.

في كتابه عن «الفلسفة الإسلامية» يشير إبراهيم مدكور إلى هذه الإشكالية حين يذكر أن للباحثين في تاريخ الفلسفة مذاهبَ مختلفة فهناك جماعة ترى «أن واجب المؤرخ ينحصر في دراسة الأشخاص وتفصيل القول في حياتهم وبيان الظروف المحيطة بهم والعوامل الداخلية والخارجية التي أثرت فيهم. ولا يعنون عناية كبيرة بأفكارهم في نشأتها وتكوينها وارتباطها بالآراء والنظريات السابقة واللاحقة». وهناك جماعة أخرى «تؤمن بأن الفلسفة دائمة، وأن الأفكار الفلسفية في مختلف العصور متصلة الحلقات مرتبط بعضها ببعض، فيجب على الباحث أن يبيّن تطورها ومقدار تأثر الخلف بالسلف». وينتهي مدكور إلى رؤية جامعة حين يؤكد «أن الدراسة التاريخية الكاملة تستلزم الجمع بين هاتين الطريقتين، وكي تفهم الأفكار فهما صحيحا يجب أن تدرس في ضوء حياة أصحابها والبيئة التي تكونت فيها». (في الفلسفة الإسلامية - منهج وتطبيقه، دار المعارف، الجزء الأول، ص100).

هذه الخلاصة المنهجية المتقدمة التي توصل إليها مدكور نظريا لم ينجح في تطبيقها في كتابه البحثي المهم عن الفلسفة الإسلامية. فهو أكد أهمية التاريخ وبيئة الفيلسوف وحياته في تشكيل أفكاره ولكنه عاد واتبع منهج ملاحقة تطور الأفكار (سرد النصوص) من فيلسوف إلى آخر وتوافق هذا وتعارض ذاك بعيدا عن سياق الزمن وتفاعلاته وتحولاته وتراكماته المعرفية.

مدكور حدد نظريّا الخلل المنهجي ولكنه لم يصححه واكتفى بوضع الملاحظة وتراجع عن معالجتها. فهو من جانب يتحدث عن صلة المفكر بالواقع واتصال أفكاره ببعضها وخطأ نزع الفيلسوف من بيئته ثم يتجه فورا إلى استعراض أفكار الفلسفة الإسلامية ومقارنة مدارسها انطلاقا من حصرها في ثلاث نظريات: السعادة، النبوة، والنفس. ليبدأ بعدها في قراءة الحلقات الثلاث في تتابعها الفكري خارج التحقيب الزمني ومن دون ربط التحولات النظرية بالمتغيرات الواقعية.

اختصار مدكور بحثه في عناصر ثلاثة (السعادة، النبوة، والنفس) دفعه أيضا إلى تفكيك الفلسفة الإسلامية إلى ثلاث مدارس وهي: الفلسفة (الكندي، الفارابي، ابن سينا، الغزالي، ابن باجه، ابن طفيل، وابن رشد) والمتكلمة (المعتزلة، الأشعري وما تفرع عنهما من مدارس فقهية وكلامية) والتصوف (الجنيد، الحلاج، البسطامي، السهروردي، ابن عربي، ابن سبعين). وبعد التفكيك أخذ مدكور بربط حلقات المداس فكريا وصولا إلى أوروبا المعاصرة (ديكارت، سبينوزا، كانط، فرويد إلى آخره) ومنها يعود إلى الفكر العربي المعاصر (الأفغاني، عبده، ورضا). والقصد من هذه الدائرة كان محاولة من مدكور البرهنة على أن الفلسفة مستمرة وهناك «تفكير فلسفي إسلامي امتد إلى اليوم» (الجزء الأول، ص201).

مناظرة كلامية

اجتهاد مدكور في البرهنة على وجود فلسفة إسلامية إلى يومنا جاء في سياق مناظرة كلامية ضد المستشرقين وفلاسفة أوروبا وعلماء الاجتماع الذين حاولوا انتقاص موقع العرب ودورهم التاريخي في إنتاج الفلسفة. فالمناظرة المشروعة التي قادها مدكور دفاعا عن العرب والمسلمين أضعفت بحثه وأخرجته عن السكة التاريخية لأنه دخل في مناقشات وسجالات خارج موضوع الدراسة القيّمة. فهو في كتابه الغني بالمعلومات اعتمد على عشرات المراجع والمخطوطات العربية - الإسلامية القديمة إضافة إلى عشرات من المصادر الأوروبية ولكنه لم ينجح في توليف نظرية مركبة من منهجيتين كما وعد القارئ في الجزء الأول من كتابه. فالمدكور يستند إلى كتاب «طبقات الأمم» (صاعد الأندلسي) و «مقدمة ابن خلدون»، و «الملل والنحل» (الشهرستاني) وابن سبعين وصولا إلى تلك الدراسات الاستشراقية التي أرخت للفلسفة الإسلامية مركزا بحثه الثَّمين على كتابين: الأول للمستشرق الألماني دي بور الذي ترجم كتابه للإنجليزية في العام 1903 ونقله إلى العربية محمد عبدالهادي أبوريده تحت عنوان «تاريخ الفلسفة في الإسلام» (القاهرة، 1938). والثاني لمصطفى عبدالرازق الذي حمل عنوان «تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية» (القاهرة 1944) وفيه يؤكد الباحث عبدالرازق أن الفلسفة الإسلامية مستقلة لكونها متصلة بالمدارس الكلامية والصوفية وهي مرتبطة عموديا بعلم أصول الفقه أي أن الفلسفة الإسلامية تنحصر منهجيا في «علم أصول الفقه».

مدكور اعتمد في كتابه البحثي على مصادر متنوعة ولكنه تأثر منهجيا في ملاحقته لتاريخ الفلسفة الإسلامية استنادا إلى المرجعين المهمين (دي بور وعبدالرازق). وتعتبر محاولة مدكور هي الثانية عربيا بالتتابع الزمني لتاريخ الصدور. فالطبعة الأولى من كتابه نشرت في القاهرة في العام 1947 ثم صدرت الثانية في العام 1968. ومحاولته تتميز عن السابقتين أنها بذلت جهدها للتوفيق بين ما ذهب إليه عبدالرازق في اعتباره أن علم الأصول (الفقه والتشريع الإسلامي) فرع من فروع الفلسفة الإسلامية وبين ما ذهب إليه المستشرق دي بور الذي وضع تطور الفلسفة الإسلامية في إطار ثلاث بيئات: الكلامية، والفلسفية (المشائين العرب) والتصوف (المتصوفة).

إلا أن مدكور لم يوفق في توليد مشروعه الذي وعد به القارئ حين انجرف في قراءة الفلسفة الإسلامية فكريا بعيدا عن الفضاءات السياسية وسيرة الفيلسوف ومحيطه وحرفته ومهنته وصلاته بالسلطة فانتهى الجزء الأول من الكتاب من دون ربط بين الفكرة وتاريخها ليبدأ الجزء الثاني بالعودة إلى المحطات الزمنية لظهور الفرق الإسلامية الكلامية والفلسفية والمتصوفية وصولا إلى مطلع القرن العشرين.

في الجزء الثاني فشل أيضا في الالتزام بمشروعه حين وعد بالربط بين حياة الفيلسوف وظروفه وبين اتصال حلقات الأفكار الفلسفية، إذ إنه ينتهي إلى خلاصات عامة تؤكد على «خصائص الفلسفية الإسلامية» وهي برأيه تنحصر في أربعة وجوه: فلسفة دينية وروحية، فلسفة عقلية، فلسفة توفيقية، وفلسفة وثيقة الصلة بالعلم (الجزء الثاني، صفحات 154 - 162).

في الوجه الرابع والأخير ينتبه مدكور إلى نقطة مهمة يستعرضها سريعا ولا يؤسس عليها منهجه البحثي الذي وعد القارئ أنه سيلتزم به. ففي تلك الأوراق المهمة التي تتحدث عن صلة الفلسفة الإسلامية الوثيقة بالعلم يشير إلى مهن الفلاسفة في التاريخ الإسلامي ودور حرفتهم (أسلوب المعاش) في صوغ أفكارهم والتأثير عليها. فهو يقول عن الكندي إنه «عالم قبل أن يكون فيلسوفا، عني بالدراسات الرياضية والطبيعية (...) واجتهد في تطبيق الرياضيات في الفلك والطبيعة والطب (...) وحاول أن يبرهن على وجود الله برهنة رياضية. وعوّل على التجربة، واستخدمها في بعض دراساته الكيميائية». وعن الفارابي يقول إن لديه «بحوثا في الهندسة وعلم الحيل (الميكانيكي)، وهو دون نزاع أكبر موسيقيي الإسلام». وعن ابن سينا فهو «حجة في الطب بقدر ما هو حجة في الفلسفة، تعلم الطب في سن مبكرة، وزاوله عملا ولما يجاوز العشرين، وأحرز فيه شهرة فائقة». وعن فلاسفة الأندلس يذكر مدكور أن فلاسفته الثلاثة الكبار (ابن باجه، ابن طفيل، وابن رشد) أطباء «وإن تفاوتت رتبهم». ويشير كذلك إلى الرازي العالم الكيماوي وحرصه أن يلقب بالفيلسوف، وابن الهيثم «من أعظم الرياضيين والطبيعيين في القرون الوسطى». ويستنتج مدكور من هذه الملاحظات المتأخرة خلاصة مهمة وهي «أن العلوم الطبيعية والرياضية وثيقة الصلة بالدراسات الفلسفية في الإسلام، ولا يمكن أن يفهم أحدها بدون الآخر، ويوم أن ضعف البحث الفلسفي ضعفت معه الدراسات العلمية» (الجزء الثاني، ص 160 - 161).

مدكور نجح في الجزء الثاني من كتابه في التقاط التأثيرات المتبادلة بين العلوم وحقوله وبين الفلسفة ونظرياتها ويقسم قادة الفكر الإسلامي إلى فئتين (الفلاسفة العلماء، والعلماء الفلاسفة) ولكنه فشل في استخدام هذا الربط في قراءة تطور الفلسفة الإسلامية انطلاقا من التحقيب الزمني فاكتفى بالسرد النصي لتطور الأفكار على رغم أنه لاحظ «أن الحركات العلمية في الإسلام سبقت الدراسات الفلسفية، ولابد لنا أن نعيش قبل أن نتفلسف» (ص162).

محاولة إبراهيم مدكور المتميزة في قراءة منهج الفلسفة الإسلامية وتطبيقاتها لم تتطور مع أنها جاءت الثانية عربيا بعد محاولة مصطفى عبدالرازق. فبعد أربعينات القرن الماضي صدرت الكثير من المؤلفات العربية تناولت تاريخ الفلسفة الإسلامية ولكنها في مجموعها العام لم تخرج عن نسق ربط النصوص وقراءة الأفكار خارج التاريخ والبيئة والمحيط والفضاءات وسيرة الفيلسوف وحرفته ومعاشه وتأثير مزاولته لمهنته على منهجه الفكري وبحوثه الفلسفية.

الفلسفة الإسلامية باتت تتطلب قراءة مغايرة تبدأ من الوقائع التاريخية (مقدمات الزمان والمعاش) لتنتقل إلى فضاءات الفكر (تطور العلوم وصلتها بسيرة الفيلسوف وتأثيرها على منهج بحثه). ومثل هذه القراءة تتطلب عودة إلى تلك الفرضية النظرية التي توصل إليها مدكور من دون أن يعتمدها منهجا في التطبيق

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2219 - الخميس 02 أكتوبر 2008م الموافق 01 شوال 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً