العدد 2220 - الجمعة 03 أكتوبر 2008م الموافق 02 شوال 1429هـ

أزمة الرأسمالية؟

مصباح الحرية comments [at] alwasatnews.com

مشروع مصباح الحرية

هل تعد هذه «أزمة الرأسمالية العالمية» الأخيرة، إذا ما اقتبسنا من ادعاءات معظم، إن لم يكن كل، الكتاب العرب؟ فقد قيل ان الأزمة التي تقضي على الرأسمالية تحدث أثناء كل ركود وأزمة مالية منذ تنبأ كارل ماركس بسقوط الرأسمالية في منتصف القرن التاسع عشر. وعلى رغم اعترافي بالتقليل من قدر حدة هذه الأزمة المالية، فإنني على ثقة من أن النمو الاقتصادي العالمي سيتواصل في ظل اقتصاد رأسمالي في أساسه.

فلنضع بالاعتبار، على سبيل المثال، مرور كل من إجمالي الناتج المحلي العالمي والتجارة العالمية بنمو غير مسبوق في العقد الذي تلى التنبؤات بسقوط الرأسمالية العالمية في أعقاب الأزمة الآسيوية في التسعينات من القرن العشرين. وأتوقع أن يتواصل النمو الاقتصادي العالمي القوي في حال تغلبت الولايات المتحدة على الصعوبات المالية الحادة الحالية.

هل كان مدى مشاركة الخزانة الأميركية ومصرف الاحتياطي الفيدرالي في الأسواق المالية خلال الأسابيع القليلة الماضية مبررا؟ بالتأكيد، كان هنالك اعتقاد واسع النطاق خلال الأسبوع الماضي لدى كل من المسئولين الحكوميين والمشاركين في الأسواق المالية بالانهيار التام لأسواق الأسهم قصيرة الأجل. وعلى رغم قلقي العميق بشأن وجود سيطرة حكومية أكبر على التعاملات المالية، فقد توصلت على مضض إلى أن التدخل الملحوظ قد كان مبررا لتجنب انهيار كبير قصير الأمد للنظام المالي والذي من شأنه أن يدفع بالاقتصاد العالمي إلى حالة ركود كبيرة.

ولكن علينا وضع المخاطر المحتملة لهذه التحركات الحكومية بالاعتبار:

1 - قد يجد دافعو الضرائب أنفسهم عالقين بمئات المليارات، وربما ما يزيد على الترليون دولار من الخسائر الناتجة عن التأمينات المختلفة والتعهدات الحكومية الأخرى. وعلى رغم من تضخيم وسائل الإعلام العالمية لهذه الاحتمالية من خلال عناوين أنباء مثل: «750 مليار دولار للإنقاذ!»، فمن غير المرجح إلى حد بعيد أن تكون الخسارة بذلك الحجم شريطة ألا يقع الاقتصاد الأميركي في حالة ركود كبير متواصلة.

2 - تبعث الأخطار المعنوية الناشئة عن هذه التحركات إلى القلق بكل تأكيد. فمن جانب، فقد هلكت أسهم المساهمين والإدارة في «فاني ميه» و»فريدي ماك» و»بير ستيرنز» و»إيه آي جي» و»ليمان براذرز» بأكملها تقريبا، بحيث انها لم تُستثن من الخسائر الكبيرة. من جانب آخر، فإن ذلك يصعّب الحصول على أسهم إضافية للشركات التي تعاني من المشكلات لأن المزودين سيتوقعون هلاك رأسمالهم في أي برنامج مساعدة حكومية مفروض في المستقبل. علاوة على ذلك، فقد تمتع حاملو السندات في «بير ستيرنز» وهذه الشركات الأخرى بحماية شبه تامة مما يعني ضمنا ميل التمويل المستقبلي نحو السندات وبعيدا عن الأسهم اذ سيتوقع حاملو السندات حماية من الاستجابات الحكومية للشدائد لا تتوفر للمشاركين في الأسهم.

3 - يثير التأمين الكامل لسوق المال في المصارف الاستثمارية مخاطر معنوية جادة. فحيث انه من غير المرجح أن يكون ذلك التأمين مؤقتا فقط، سيكون لدى هذه المصارف الحافز للقيام بمخاطر أكبر في استثماراتها لأن التزاماتها قصيرة الأجل في أموال المودعين في أسواق المال تتمتع بحماية حكومية كاملة. لقد شكل هذا النوع من الحماية أحد العوامل الرئيسة في أزمة «الادخارات والقروض» في ثمانينات القرن العشرين، وقد يكون لها دلالة أكبر في قطاع المصارف الاستثمارية الأكبر بكثير.

4 - تم ارتكاب عدد من الأخطاء في تحركات الحكومة في الأسواق المالية خلال الأسابيع القليلة الماضية. يمثل حظر عقود البيع القصيرة مثالا على النهج المتكرر في معالجة الصعوبات في الأسواق المالية وغيرها؛ وبالتحديد: «أقتل الرسول». فعمليات البيع القصيرة لم تسبب الأزمة ولكنها تعكس الاعتقادات بالمدة المتوقعة لاستمرار الهبوط. وتؤدي محاولة منع التعبير عن هذه الاعتقادات إلى كتم معلومات مفيدة، وتخلق مشكلات جدية بالنسبة للكثير من صناديق التحوط التي تستخدم عمليات البيع قصيرة الأجل للتحوط من مخاطر أخرى أيضا. كما أن منع ذلك قد يثير ذعرا أكبر في أسواق أخرى.

5 - كما تلوح مخاطر سياسية محتملة لهذه التحركات الحكومية. فقد كان ينبغي إغلاق «فاني ميه» و»فريدي ماك» منذ وقت طويل أو تحويلها إلى مؤسستين خاصتين دون حماية تأمينية حكومية لأعمال الإقراض فيهما. فقد كانت مشاركتهما المكثفة في الأوراق المالية المدعمة بالرهن أحد أسباب التمويل المفرط للرهون السكنية. ولكني أخشى من قيام الكونغرس بإعادة تشكيل هاتين الشركتين بصورتهما الأولى تقريبا، وبمهمة مواصلة توسيع سوق الرهون بصورة زائفة.

6 - هنالك تأثيرات بعيدة الأمد للتدخل الحكومي، وستظل ملازمة لنا لجيل كامل. بالنسبة لكافة مشاكلها الأخيرة، فقد أحدثت أسواق الأسهم الأميركية الديناميكية ازدهار البلاد الفريد. ومن حيث الأساس، يعد إضعاف هذه الأسواق من أجل التخفيف من الاضطرابات قصيرة الأمد أمرا ينم عن قصر نظر بالغ.

أوافق على أنه ربما تكون «الإصلاحات» ضرورية، ولكن ينبغي على محبي الحكومة أن يكونوا متنبهين لخنق المهام المشروعة لهذه الأدوات القوية في التمويل المعاصر.

علاوة على ذلك، ينبغي على خبراء الاقتصاد والمحللين السياسيين والصحافيين والمفكرين في العالم العربي أن يضعوا حجم هذه الأزمة في المنظور. وعلى رغم من أن هذه هي الأزمة المالية الأكثر حدة منذ «الكساد العظيم» في ثلاثينات القرن العشرين، فإنها أزمة أصغر بكثير تحديدا من حيث آثارها في الإنتاج والتوظيف: بلغ معدل البطالة حوالي 25 في المئة خلال معظم ذلك العقد من 1931 وحتى 1941، مع انخفاضات حادة في إجمالي الناتج المحلي. ولكن إجمالي الناتج المحلي الأميركي لم ينخفض من حيث الأساس خلال هذه الأزمة، وبلغ معدل البطالة حوالي 6.5 في المئة فقط. من المرجح أن يزداد سوءا هذان الرقمان، ولكن ليس لهما أبدا أن يقاربا تلك التي كانت في ثلاثينات القرن العشرين.

ستنجو الرأسمالية من الأزمة المالية الحالية، حتى وإن أدت إلى ركود كبير (الأمر الذي قد لا يقع). وستنجو نظرا لعدم وجود بديل لم يتم إثبات عدم موثوقيته بصورة معمقة. فالبدائل السوفياتية، والماوية، والإيطالية الميركنتلية (الفاشية)، والكوبية، والفنزويلية، وغيرها، تمثل بدائل غير جذابة على أقل تقدير!

لن تؤدي الأزمة الحالية - ولا ينبغي لها أن تؤدي - إلى استبدال رأسمالية السوق الحر بنظام بديل للإدارة الاقتصادية. وفي حال كان لديكم براهين تجريبية لنظام آخر أفضل من النظام الرأسمالي من حيث تحسين أوضاع البشر على كافة الصعد، نرجو إعلامنا بها!

وعلى رغم من أن الأزمة قد أدت إلى تغيير الحد بين السوق الحرة والحكومة لصالح الأخيرة، فإنني مازلت متفائلا في مستقبل رأسمالية السوق الحر باعتبارها النظام الوحيد الذي يجسد النمو الاقتصادي والريادة والتسامح واحترام الكرامة الإنسانية.

* محلل اقتصادي في معهد كيتو، واشنطن العاصمة، ورئيس تحرير مشروعها الصادر باللغة العربية، والمقال ينشر بالتعاون مع «مصباح الحرية

إقرأ أيضا لـ "مصباح الحرية"

العدد 2220 - الجمعة 03 أكتوبر 2008م الموافق 02 شوال 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً