إحدى أهم محصلات الإصلاح وأجواء الانفتاح التي تسود البحرين هي أنها أتاحت لنا إعادة قراءة تاريخنا بشفافية وبعين فاحصة وسعي للموضوعية، والأهم دونما أية حساسيات.
إن قراءة التاريخ تبقى مهمة كبرى يتعين النهوض بها دوما، فالأمم والشعوب التي لا تستحضر تاريخها قد تتعثر وهي في طريقها نحو المستقبل، وتبقى المهمة متروكة للباحثين بطبيعة الحال، لكن التاريخ لا يغيب دوما في البحرين اليوم التي تصالح فيها الحاضر بالماضي ليشكل لنا حياة جديدة مليئة بالآمال.
لعل أهم ما يحفز المرء لقراءة التاريخ الآن هو تلك الوجوه والشخصيات الوطنية التي باتت تشكل اليوم أحد أهم عناصر المشهد السياسي في البحرين في ظل التعددية.
إن أولئك الذين جاءوا من المنافي او السجون يحملون على كاهلهم تاريخا يتعين على الأجيال الجديدة أن تكشف صفحاته لانه جزء مهم من تاريخ بلادها ومن الذاكرة الجماعية لشعب البحرين، لكل من هؤلاء تاريخ ورواية يرويها وشهادة يقدمها لابناء شعبه. وهذه الحوارات ليست تاريخا بقدر ما هي تقديم لهذه الشخصيات، ونحن هنا لا نقدم قراءة للتاريخ بقدر ما نتيح الفرصة لهذه الشخصيات الوطنية كي تسرد روايتها دونما إغفال أن ذلك السرد انما يستدرج الوقوف على الوعي الحاضر وتراكماته من خلال تقديم وعي تلك الشخصيات وضمن مرحلتها الزمنية وبكل تراكماته من دون أن ننكر انها دخلت واستوعبت وعي المرحلة الحاضرة على رغم المتغيرات التي عرفت بها هذه المرحلة.
أحمد الذوادي، اسم آخر في قائمة طويلة من أبناء البحرين الذين ذاقوا مرارة السجن والمنفى ودفعوا أثمانا باهظة وتضحيات لمواقفهم ونشاطهم السياسي. بقامته القصيرة وجسمه الضئيل الذي أنهكه المرض، مازال الذوادي يملك وجها باسما وبشوشا لكل من يلتقيه تعبيرا عن تفاؤل متأصل في مناضل انخرط في العمل السياسي منذ مراهقته وتقلب في محطاته الصعبة إلى أن بلغ أقصى حدود المسئولية فيه، أمينا عاما لجبهة التحرير الوطني البحرانية (أول حزب يساري في الخليج تأسس في العام 1955). وانخرط أحمد الذوادي في العمل السياسي باكرا في مرحلة الخمسينات عندما كان طالبا في الابتدائية التي قال عنها إنها تعادل الثانوية اليوم. وفي خضم حوادث الخمسينات التي كانت تقودها هيئة الاتحاد الوطني، وجد الذوادي نفسه منجذبا نحو مقاربة أخرى في العمل السياسي وتوجهات مختلفة جعلته أحد مؤسسي جهة التحرير الوطني في العام 1955. ومنذ الخمسينات وحتى اليوم، تعرض الذوادي للسجن والنفي لفترات متفاوتة الى ان اختار بنفسه الخروج في بداية الثمانينات والاستقرار في الامارات ثم سورية فيما بعد.
عن هذه المحطات وتاريخه في العمل السياسي يتحدث الذوادي الذي يعيش اليوم وحيدا في منزله بمدينة زايد بعد ان ترك ميدان العمل السياسي المباشر وبقي يواجه معركة اخرى لا تقل ضراوة عن معاركه التي خاضها طيلة العقود الخمسة الماضية من عمره، انها معركته ضد المرض الذي يواجهه بشجاعة قل نظيرها.
فيما يأتي نص الحوار مع أحمد الذوادي في جزئه الثاني:
كيف تعامل الأهل مع مرحلة اعتقالك، هل كانوا يقومون بزيارتك؟
- نعم كانوا دائمي الزيارة وخصوصا أشقائي، أما بالنسبة إلى الأصحاب فالسماح بالزيارة مقتصر على الأهل فقط.
هذه الفترة كانت عصيبة إذ استشهد محمد غلوم وبعده سعيد العويناتي. كيف كان تعامل التنظيم مع هذه المستجدات؟
- لا شك كانت فترة عصيبة وان لم تكن اصعب مما حدث بعد ذلك في العام 1986. الوضع في العام 1976، على رغم تلقينا هذه الضربة الموجعة فإن التنظيم استمر لان تنظيمنا ليس شديد المركزية، ونحن متأثرون بهذا النهج كتربية واضحة نؤمن بها حتى الآن في علاقتنا في العمل السياسي العلني، وقد تكرس هذا النهج في عملنا على شكل مبدأ مفاده ان أي عنصر يبقى فهو قادر على العمل لوحده كجزء من التنظيم. لكن ضربة العام 1986 كانت قاسية ولم تبقِ أحدا إلا الذين في الأطراف، كانت تهدف الى شل كامل حركة التنظيم إذ جمعوا اكبر قدر من المعلومات قبل أن تجرى هذه العملية التي كانت اقرب إلى البتر الكامل للشيوعيين، ومع ذلك فإن رئيس جهاز المخابرات (هندرسون) كانت له مقولة شهيرة «لقد أتيت متأخرا لان الشيوعيين تجذروا في الأرض».
في أواخر العام 1979 خرجت من السجن كيف تعاملت مع هذه المرحلة من حياتك سواء على الصعيد الاجتماعي او التنظيمي؟
- استقريت نوعا ما في البحرين وتزوجت الشاعرة حمدة خميس في العام 1980 ورزقت بابنتي ريم، عملت في البداية مع شقيقي الذي يملك شركة مقاولات وبعد ذلك انتقلت للعمل مع شقيقي المحامي خالد رحمه الله. وتعلمت الكثير منه في العمل القانوني وبدأ يعتمد عليّ بصورة كبيرة فيما يخص متابعة القضايا ودراستها، لكن المضايقات الأمنية رافقتني أينما ذهبت، وتعرض شقيقي لضغوط أيضا كي يتخلص مني في العمل لكنه لم يفعل. كان من الصعب عليه باعتباره شقيقي ان يجبرني على ترك العمل وهو يعلم ان هذا مصدر رزقي، لذلك فضلت الخروج من البحرين في العام 1983 واستقررت في دولة الإمارات، وهناك عملت في مجال القانون، وبدا لي هناك استقرارا اجتماعي مع زوجتي ورزقنا بابني قيس.
يمكن القول إنني كنت أعيش حالة نفي غير معلنة او غير رسمية فالضغوط الأمنية التي مورست لم تكن بشكل مباشر.
مرحلة العام 1986 كانت قاسية جدا بالنسبة إلى التنظيم كما ذكرت، كيف تعاملتم معها؟
- لم أعاصر هذه الفترة إذ كنت بعيدا نسبيا عن مسرح الحوادث، لكن هناك الكثير من الرفاق عاصروها بشكل مباشر وما أستطيع قوله إنها كانت مرحلة موجعة لنا بشكل كبير.
طيلة السنوات الماضية كانت علاقتنا بالجهاز الأمني تسير على النحو الآتي: فكلما جهزنا كادرا وسار الوضع بشكل جيد، يقوم الجهاز الأمني بتوجيه ضربة لهذا الكادر، وهذا ليس بالأمر الصعب في بلد صغير مثل البحرين. لكن ضربة 1986 لم تكن ضربة موجهة إلى الكادر الحديث بل قاموا بعملية اجتثاث لجميع العناصر، واستشهد فيها هاشم العلوي.
لماذا تم توجيه هذه الضربة في هذه المرحلة بالذات في اعتقادك؟
- يبدو أن النشاط اليومي الحياتي بات يتطور بشكل اكبر وكذلك قوى المعارضة برزت بشكل اكبر، والعمل الدعائي بات يظهر بشكل أوضح، مما استفز الجهاز الأمني وقام بعملية اجتثاث كبيرة بصفوفنا.
في العام 1987 انتقلت من الإمارات إلى سورية، كيف تعاملتم مع الأوضاع في سورية ولبنان أيضا؟
- في العام 1987 تم الاتفاق على إنجاز بعض المهام وانتقلت بصفتي الأمين العام للجبهة إلى سورية، باعتبارها البلد العربي الوحيد الذي كان يقبل الحركات التحررية في ذلك الوقت، كنا نقدر لسورية هذا الموقف لذلك لم نكن نتدخل في الشأن السوري الداخلي.
وأيضا احتفظنا بعلاقات جيدة مع القوى الوطنية كافة في لبنان، وكانت لنا مشاركات جيدة في المؤتمرات التحررية كافة، وكنا نصدر البيانات المشتركة التي التزمنا فيها بدعم القضية الفلسطينية،الى جانب المشاركات في مختلف المناسبات القومية.
في مرحلة الثمانينات، كانت الساحة اللبنانية مشتعلة بالحرب الأهلية، هل كان لكم أي حضور على الساحة اللبنانية في تلك الفترة؟
- أثناء الحرب الأولى كان الكثير من الرفقاء موجودين هناك إذ عاصروا الحرب. لم يكونوا محاربين، فقط تعايشوا هذه المرحلة ومن ثم خرجوا من لبنان.
العام 2001 شكل بداية مرحلة جديدة بالنسبة إليك، كيف تقيِّم المرحلة الحالية التي تمثل امتدادا لبداية عهد إصلاحي في البحرين؟
- عدت إلى البحرين في مارس/آذار 2001، قمت بكتابة الكثير من المقالات الصحافية التي تناولت الجانب المحلي بشكل خاص. هناك الكثير من الحوادث التي جرت على الساحة المحلية وتم التعامل معها بحكمة كبيرة من قبل صاحب الجلالة.
هذه الحوادث لم يتم تضخيمها او إعطاؤها اكبر من حجمها بل تم التعامل معها بما يتوافق مع المنطق، مما يدل على التعامل مع المستجدات بعقلية بعيدة عن العقلية الأمنية التي كانت تتعاطى مع الأمور في السابق.
يمكن القول إن الوضع يختلف تماما عن سابقه، بلا شك هناك نقلة نوعية حدثت في البلاد، وهذه حقيقة يجب الإقرار بها، هذا لا يعني أن البلد انتقلت من حكم إلى آخر، لكن علاقة الحكم بالناس اختلفت بشكل كبير.
بالنسبة إلى البرلمان لايزال يعيش أطوار بدايته ولايزال غير قادر على حسم الكثير من الأمور.
الأهم الآن هو عملية التأسيس للعمل البرلماني وتفعيل المشاركة الشعبية وكيفية تطويرها وتعزيزها وأن تلعب دورها بشكل إيجابي هذا أمر متروك للمستقبل.
ما نتمناه هو أن يتعزز دور المجلس التشريعي كسلطة تشريعية مازالت في بدايتها. نطمح إلى أن تغدو الحياة الديمقراطية جزءا من حياتنا، أي كما نأكل ونشرب ونتعالج أيضا نمارس حقوقنا وحريتنا من خلال الديمقراطية، وهذا أمر ليس بالبعيد.
الخوف هنا من حالة التسرع في مواجهة الأمور سواء من قبل الجمعيات السياسية او السلطة وخصوصا السلطة التنفيذية، هذا التسرع ليس له مبرر، فيجب التروي والتعامل بحكمة من المعطيات والابتعاد عن القرارات الارتجالية.
فالمجتمع البشري عندما تطور اخذ آلاف السنين حتى وصل إلى ما هو عليه الآن وبالتالي أي مرحلة مستقبلية تحتاج إلى التروي والتعامل معها بشكل عقلاني، وعندما نقول التروي ليس بمعنى التوقف عن النهوض بالتجربة الديمقراطية بل تعزيزها وتطويرها بشكل مناسب، والاستفادة من التجارب الديمقراطية في البلدان الأخرى.
شاركتم في الانتخابات البرلمانية العام 2002وسط خلاف داخل التيارات السياسية بشأن المشاركة. ما هي وجهة نظركم في هذا الصدد؟
- منذ البداية كنا مع المشاركة، فنحن أصلا خضنا تجربة المجلس الوطني العام 1973، وكنا قد قاطعنا المجلس التأسيسي لأننا كنا نرى ان هذا المجلس يقر كل شيء جاهز، وكان مبررنا واضحا وقتها، ثم خضنا التجربة الانتخابية على رغم أن الوضع لم يكن كما هو الآن، فيستوجب حدوث انفراج ومن ثم يتم التعامل وفقا لهذا الانفراج كما حدث الآن.
نحن نرى أن المشاركة قادرة على التغيير افضل بكثير من المقاطعة، ودخول نواب من جمعيتنا لا يعني أن السلطة قامت باحتوائهم، والبعض يأخذ علينا استعجالنا في البيان الذي صدر ودعا إلى المشاركة على رغم اننا لا نرى مبررا للمقاطعة.
لقد أيدنا المشروع الإصلاحي ولاتزال ندعمه ونطالب بدعمه. قد لا تتحقق المطالب بالصورة التي يتمناها الجميع، لكن العمل على تطوير المشروع الإصلاحي يتطلب المشاركة، والمشاركة تصب في مصلحة المشروع الإصلاحي.
وفي اكثر من مناسبة ذكرت ألا يجب أن نكون أسرى النص، فالكثير من الذين قاطعوا اعتبروا أن الدستور احد مكاسب العام 1973، لكن تجربة 1973 ليست افضل من الآن، فالدستور إذا لم يطبق ما قيمته؟.
على رغم ألم هذا السؤال فإنني مضطرة إلى طرحه! كيف بدأت رحلتك مع المرض؟
- فوجئت بإصابتي بسرطان القولون في العام 1995كنت وقتها في سورية أجريت لي عملية هناك. وبعد خمس سنوات بوضع طبيعي على رغم استمرار العلاج الكيماوي الوقائي، اكتشفنا انتقال المرض إلى الكبد، ونُصِحت بمتابعة العلاج في فرنسا لعدم توافره في أي بلد في الشرق الأوسط. وأجريت لي عملية أخرى للكبد قبل عامين، ولكن الآن اكتشف انتقال المرض إلى الرئتين، والآن أتابع العلاج الكيماوي على أمل المقاومة، وهناك احتمال إجراء عملية أخرى في المستقبل للرئتين في فرنسا كوني قد بدأت العلاج هناك.
للأسف المرض قلل من مزاولة نشاطي في جمعية المنبر التقدمي الديمقراطي بصفتي عضوا فيها وعضوا أيضا في اللجنة الثقافية للجمعية.
لم أشأ أن اختم الحديث قبل أن اوجه هذا السؤال الذي كان يدور في ذهني طيلة الحوار مع أحمد الذوادي، وأنا انتقل معه من مرحلة قاسية إلى أخرى أشد قسوة بين المنفى والسجن والمرض:
هل شعرت يوما أن العمل السياسي قد جلب لك الكثير من المتاعب التي حصدتها طوال حياتك وأحسست بالندم على اختيارك؟
- لم أندم يوما على عملي السياسي، ولم اشعر انني أخطأت بالطريق الذي اخترته لنفسي، ولو قُدِّر لي وعادت السنوات بي إلى ذلك الزمن فسأختار العمل السياسي، لا شك في أن الزمن اختلف، فلقد كنا نناضل وقتها ضد الاستعمار ولتحقيق الحرية والديمقراطية، واليوم نناضل من اجل تكريس الديمقراطية
العدد 211 - الجمعة 04 أبريل 2003م الموافق 01 صفر 1424هـ