العدد 192 - الأحد 16 مارس 2003م الموافق 12 محرم 1424هـ

أميركا والمشروع العربي... وحراسة طريق النفط

الحرب على العراق

حسين دعسه comments [at] alwasatnews.com

توصَّل المحلل السياسي الاردني غازي السعدي مؤسس ومدير عام «دار الجليل للدراسات الاسرائيلية والفلسطينية» الى ان الادعاءات بأن العراق يشكل تهديدا لأميركا، وللأمن القومي الاميركي، وللشعب الاميركي، كذبة كبرى، لا تقنع حتى الاميركيين انفسهم، فأميركا التي تقدمت الى مجلس الامن الدولي لاستصدار قرار جديد من جهة، وقول قادتها بمن فيهم الرئيس بوش إنه لا حاجة إلى قرار جديد لشن الحرب، لهو أمر مكشوف يدلُّ على النوايا الحقيقية للحملة العسكرية الاميركية البريطانية على العراق،

تحت مزاعم نزع اسلحة الدمار الشامل، وما الاقوال الاميركية، إن هدف الحرب، تخليص العراق من اسلحة الدمار الشامل لاستئصال السرطان من قلب العراق، سوى عملية تضليل وخداع، فالاستعدادات الحربية الاميركية، وإرسال القوات الجوية والبحرية والبرية قبل اصدار مجلس الامن قرار جديد، وقبل انهاء عمليات التفتيش من قبل مفتشي الامم المتحدة، واعلان هؤلاء المفتشين قرارهم، على رغم الضغوط الاميركية عليهم، لقول ما يشير الى وجود اسلحة دمار شامل لدى العراق، بل العكس هو الصحيح، فشعوب العالم قاطبة، وحتى داخل الولايات المتحدة وبريطانيا، تعارض مثل هذه الحرب، ويعتبرون اقوال الرئيس بوش واقطاب ادارته بأنها ادعاءات ومزاعم مكشوفة، فلماذا يضعون انفسهم قيِّمين على هذا العالم؟، ولماذا يعملون من انفسهم الخصم والحكم؟، واذا كانت الولايات المتحدة تتغنى بديمقراطيتها، فلماذا تريد تجاوز مجلس الأمن والقيام بعدوانها على العراق حتى من دون قرار من المجلس؟، وكيف تتخذ الولايات المتحدة قرار الحرب قبل الاستماع الى تقرير المفتشين؟، وكيف نفسر اقوال الرئيس بوش إنه سيقوم بضرب العراق سواء وافق اعضاء مجلس الامن ام لم يوافقوا؟، لكن علينا عدم الاستغراب لهذا الموقف او الجنون الاميركي اذ ان الموضوع وحقيقة الامر تفوق بكثير ما هو معلن. جاء ذلك في تصريحات له حصلت «الوسط» عليها في العاصمة الاردنية عمّان .

وكشف السعدي ان الرئيس الاميركي السابق ريتشارد نيكسون، كتب مقالا في صحيفة «واشنطن تايمز»، لالقاء الضوء على سياسته الخارجية في الشرق الاوسط جاء فيه: لأميركا مصلحتان في الشرق الاوسط: «النفط واسرائيل»، وهذا ما اعتبره احد التحديات الكبيرة للسياسة الخارجية الاميركية في القرن الواحد والعشرين، واعتبر في مقاله، ان هناك تهديدا للمصالح الاميركية في الخليج العربي، وفي الصراع العربي - الاسرائيلي، وخلص نيكسون الى استنتاج، بأن على الولايات المتحدة العمل على تقييد امداد السلاح لدول مثل سورية والعراق، وبيع الاسلحة الدفاعية فقط لدول مثل السعودية ودول الخليج، معتبرا ان ذلك يعزز الأمن الاقليمي.

غير ان خطة الغزو الاميركي للاقليم النفطي العربي، والمرابطة العسكرية للتحكم بشبكة الانتاج والامدادات واسعار النفط ليست جديدة، فهي تعود إلى حرب اكتوبر/تشرين الأول العام 1973، عندما اعلنت الدول المنتجة للنفط، استعمال سلاح النفط، وحظر تصديره، ما سبب ازمة عالمية من جهة، ورفع اسعاره من جهة اخرى، وفهم العرب اهمية هذا السلاح، وكان لهذا الاجراء ان شكل الكونغرس الاميركي بتاريخ 12/1/1975، لجنة خاصة لإعداد دراسة سرية، تجيب عن مواجهة مثل هذه الازمات التي تشكل شريان العالم الصناعي، وكان ذلك في عهد الرئيس جيرالد فورد، ووزير خارجيته هنري كيسنجر، فإن ما يقوم به اليوم الرئيس بوش، هو تطبيق للدراسة السرية للجنة الكونغرس قبل 28 عاما، وهذا هو سر الازمة الحالية، ونوايا العدوان الاميركي - البريطاني على العراق ووفقا للدراسة السرية التي خرجت في وثيقة شاملة، اهم ما جاء فيها:

1 - الاستيلاء على المنشآت النفطية بحال جدية.

2 - حماية هذه المنشآت لسنوات طويلة.

3 - تشغيل جميع المنشآت النفطية من دون مساعدة المالك.

4 - ضمان الممرات الآمنة عبر البحار للتزود بالمنتوجات النفطية.

اعتبرت الولايات المتحدة منذ ذلك التاريخ، بأن مصلحة الولايات المتحدة الحيوية بالنسبة إلى النفط هي حياة او موت، اذا ما فشلت في تأمين هذا السائل الاسود، ومن هذا المنطلق يعتبرون ان لهم الحق في استخدام الاجراءات والوسائل كافة، بما في ذلك الحرب، وان المحافظة الاميركية على أمن ووجود «اسرائيل» في هذه المنطقة، تعتبر مصلحة اميركية حيوية لدورها في الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية، فالولايات المتحدة تعتقد انها ستتعرض لمتاعب ضخمة اذا فرضت البلدان المصدرة للنفط، حظرا نفطيا عليها في يوم من الايام كما حدث العام 1973.

وزير الدفاع الاميركي سلينجر في عهد الرئيس فورد، اكد في حينه، انه من الملائم القيام بعمليات عسكرية ضد الاقطار المصدرة للنفط في منطقة الخليج، واحتلال حقول النفط والمنشآت النفطية، وان القوات الاميركية (والحديث في العام 1975) غير كافية لتغطية الهجوم والسيطرة على الاهداف النفطية بسرعة، وقد يجري تدمير آبار النفط قبل وصولنا إليها، ودعا إلى توفير الحماية العسكرية المستمرة للحفاط والسيطرة على مصادر النفط.

ان الذرائع الاميركية لهذه الحرب كثيرة، لكن وبالتأكيد ليست اسلحة الدمار الشامل العراقية، ففي الاول من نوفمبر/ تشرين الثاني العام 2000، طلب العراق إلى الامم المتحدة، المسئولة عن بيع النفط العراقي مقابل الغذاء وفقا لقرارات مجلس الامن، ان تكون عملة البيع باليورو وليس بالدولار، وكان اليورو في حينه يساوي (80 سنتا) ولم يمر عامان حتى حقق العراق ربحا هائلا، من استبدال مدخولاته بالدولار الى اليورو الذي تحسن سعره وتجاوز الدولار. وفي اعقابها سارت دول كثيرة، فأخذ التدفق العالمي والانتقال من الدولار الى اليورو، يؤدي الى الاضرار بالاقتصاد الاميركي.

لقد كشفت الوثائق انه منذ العام 2001، ارتفعت الاصوات في الادارة الاميركية لاستخدام القوة العسكرية للسيطرة على العراق، والهدف النفط، ولاعادة التعامل في بيعه من اليورو الى الدولار، فحرب بوش ليست في سبيل الديمقراطية، وليست مسألة طارئة او مجرد رد فعل بذريعة اسلحة الدمار الشامل العراقية بل بسبب النفط ومن اجل «اسرائيل».

لقد كانت واضحة لدى اجتماع مجلس الامن الدولي (7/3/2003) المحاولة الاميركية - البريطانية، لاستصدار قرار جديد، مهما كان مضمونه، هدفه الاخذ منه ذريعة باعتباره غطاء دوليا لشن الحرب، مع ان الرئيس بوش سبق ان اعلن انه ذاهب الى هذه الحرب، بقرار من المجلس أو من دون قرار، وكانت واضحة عملية الفرز بين اعضاء المجلس، بين المؤيدين والمعارضين للحرب والمترددين الذين تحاول اميركا الضغط عليهم واغراءهم للتصويت مع القرار، لكن المذهل ان تقرير المسئولَين عن عمليات التفتيش من قبل الامم المتحدة (هانز بليكس ومحمد البرادعي) كان ايجابيا بالنسبة إلى العراق، ويطالبان بمنحهما المزيد من الوقت، لكن الموضوع وكما اسلفنا، لا يتعلق بحقيقة وجود ام عدم وجود اسلحة الدمار الشامل، بل يتعلق بالنفط و«اسرائيل» كما جاء في الوثيقة الاميركية منذ العام 1975، وكان لجمال مندوب العراق في نقاش المجلس ولوضوحه، أن الولايات المتحدة التي تحشد جيشها، ستقوم بضرب العراق اذا انتزعت ام لم تنتزع قرارا من مجلس الامن، لكن احدا لا يستطيع التنبؤ سلفا بنتائج هذه الحرب المدمرة، وما ستؤول إليه بالنسبة إلى العراق والشرق الاوسط والعالم وحتى للولايات المتحدة.

إلى ذلك وفي انتظار ما يحدث خلال الاسابيع المقبلة بشأن الحرب او اللاحرب فإن اللحظة الاخيرة تثير سؤال: أين المشروع العراقي؟ الذي طرحه المحلل والباحث الاستراتيجي ابراهيم بدران ويقول: من يتابع الازمة العراقية يشعر بالاسى والاحباط من موقف النظام العربي الذي يفتقد الى اي برنامج للحل، اما الدول التي تشعل الازمة وتفتعلها وتستعد للعدوان فلديها برامج على الصعيد الدبلوماسي والصعيد العسكري، ولديها اتصالات مع حلفائها ومع اعدائها على حد سواء، وتقدم إلى الحليف ما يتوقع وإلى العدو ما قد لا يتوقع. والمدافعون عن السلام في اوروبا ايضا لهم برامجهم على الصعيد الدبلوماسي وعلى صعيد الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي.

ويعتقد بدران ان الادارة الاميركية لها اجندة معلنة تحاول تسويقها وتتكون من ست نقاط: اسلحة الدمار الشامل، والاسرى والممتلكات الكويتية، وحقوق الانسان، والديمقراطية، وتهديد الجوار من قبل العراق، والارهاب. ولها في الوقت نفسه اجندة غير معلنة هي المحرك الرئيسي للحرب تتمثل في اربع نقاط هي: السيطرة على حزام النفط العربي واستكمال هذا الحزام وربطه بنفط وسط آسيا عبر تركيا وافغانستان والعراق والايران «وبذلك تسيطر الولايات المتحدة على 75 في المئة من احتياطي النفط العالمي» وتحطيم دولة كبيرة عربية واعادة تشكيل المنطقة لمصلحة «اسرائيل» والسيطرة الاستراتيجية اللوجستيكية على المنطقة والضغط على اوروبا وتحجيمها في دول الاتحاد الاوروبي بالاضافة الى دول اوروبا الشرقية التي من المتوقع ان تصبح جزءا من الاتحاد الاوروبي. وبذلك تكون العراق وتركيا وافغانستان وفيما بعد ايران سدا امام اوروبا للوصول الى وسط آسيا، أما فرنسا فلديها مشروع واضح في مجلس الأمن لحل الازمة العراقية من ثلاث نقاط هي: وضع برنامج موضوعي بالمواد المطلوب تنفيذها من العراق لكي يتم استكمال نزع اسلحة الدمار الشامل لديه، واستمرار الضغط على العراق لنزع اسلحته بالطرق السلمية، ثم وضع جدول زمني على ضوء المواد المطلوب تنفيذها.

ويبحث الاستراتيجي عن استراتيجية القرار العربي فيقول: بعد كل هذا أين المشروع العربي والمشروع العراقي المعلن؟ صحيح ان الحرب تكاد تكون واقعة لا محالة. وصحيح ان النوايا العدوانية لا يتم إلغاؤها ببساطة، ولكن الحنكة السياسية في ادارة الازمة تتطلب ان يقدم العراق بنفسه وبشكل رسمي إلى الامم المتحدة برنامجا عراقيا لحل الازمة. ان يعلن العراق انه مجرد بريء لا يكفي، وأن يعلن انه مظلوم لا يكفي، بل لابد من ان يقدم برنامجا محددا، ويطلب إلى دول العالم ان تساعده على تنفيذه.

وليتضمن هذا البرنامج استكمال الاجابة عن الاسئلة الغامضة في الاسلحة، ثم اعلان اتفاقات حسن جوار مع جميع الدول المحيطة، ثم انتخابات حرة بإشراف الامم المتحدة، ثم تشريعات الديمقراطية وحقوق الانسان وبضمانات دولية. واذا كانت المسألة الاكثر إلحاحا هي اسلحة الدمار الشامل فليعطها العراق الاولوية، ويتدرج في البرنامج على مدى سنة أو أقل قليلا او أكثر قليلا. وليطلب العراق إلى الامم المتحدة لقاء هذا البرنامج ضمانا أو قرارا بعدم الاعتداء عليه، واعتبار موقفه تجاوبا مع الشرعية الدولية.

مرة ثانية، هل يمنع مثل هذا البرنامج الذي ينبغي تقديمه خلال ايام عدوانا مبيتا قوامه آلة حربية هائلة تضم ربع مليون جندي بدأ تشغيلها منذ اسابيع؟ ربما لا! ولكنه يعطي القوة للموقف العراقي، ويساعد اصدقاءه المدافعين عنه. وقد يساعد على تقصير الحرب اذا ما وقعت. وربما يحول دون وقوعها، وفي الوقت نفسه لا يحول هذا المشروع بين العراقيين وبين الدفاع عن وطنهم وبين العرب ومناصرتهم .

.. فإلى اي مصير مثل هذا التماهي ما بين التاريخ الاميركي ودور الكونغرس في حماية «اسرائيل»... وطريق النفط... وغياب المشروع العربي... وخصوصا العراقي؟

العدد 192 - الأحد 16 مارس 2003م الموافق 12 محرم 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً