العدد 2250 - الأحد 02 نوفمبر 2008م الموافق 03 ذي القعدة 1429هـ

أميركا في عهد أوباما

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

الحلم الذي تحدث عنه الداعية مارتن لوثر كينغ في خطابه التاريخي قبل أربعين سنة هل اقترب من التحقق؟ الخطاب الحالم لم يتحدث في التظاهرة المليونية عن وصول رئيس إفريقي إلى البيت الأبيض وإنما طالب بالمساواة والعدالة والحرية ونبذ التمييز والكراهية من دون تحديد اللون والجنس والدين. فالكلام عام ولكنه في إشاراته الرمزية كان يدل على وقائع ميدانية يعاني منها الأفارقة والأقليات الملونة في بلد يعتمد نظريا على دستور ديمقراطي تتساوى تحت سقفه القانوني كل الفئات.

آنذاك في ستينات القرن الماضي كان ممنوعا على أصحاب البشرة الملونة (الأفارقة تحديدا) ارتياد المقاهي والمطاعم والمدارس والأحياء والحافلات المخصصة للبيض. فالتفرقة العنصرية مكشوفة إلى درجة الوقاحة، وكان من الصعب تقبلها مهما حاولت النظريات العلمية «البيولوجية» تبريرها أو تفسيرها.

لائحة الممنوعات والمحرمات في تلك الفترة القريبة نسبيا طويلة، وأحيانا كانت تعتمد على تحليلات مختبرية (عضوية) تؤكد ضعف جينات أصحاب البشرة السمراء وقله ذكاء الأجناس الإفريقية والآسيوية وعدم تمتع الأعراق البشرية بقدرات متساوية في الوعي والإدراك والاستيعاب. وبالغت بعض تلك المدارس العنصرية في ترسيم حدود التفرقة والتمايز بين الأجناس والأعراق والألوان حين ربطت النظريات «العلمية» بالديانات وأعطت شروحات منسوبة للكتب السماوية لتبرير سياسة التمييز بين البشر.

هكذا كانت الولايات المتحدة حتى العام 1960. فهذه الدولة الكبرى التي تشكلت تاريخيا من مجموعة أجناس وأعراق وأديان حافظت على نوع من العنصرية انطلاقا من مرحلة التأسيس ما أدى لاحقا إلى نمو اجتهادات مضادة أخذت تتدافع لمواجهة سياسة الانغلاق والتهميش والاستبعاد والاستعلاء وصولا إلى ظهور قناعات ترفض الانصياع لمقولات مريضة في ذهنيتها وثقافتها.

الآن تبدو الصورة ظاهريا مختلفة. فالولايات المتحدة تغيرت خلال العقود الأربعة الأخيرة ولكن درجة التبدل بحاجة إلى قراءة موضوعية لمعرفة المقدار النسبي الذي وصلت إليه المؤسسات الحاكمة (الثابتة) في تطورها. فهل الدولة مستعدة لتقبل هذا المتغير الديموغرافي؟ وهل الشارع الأبيض بات في موقع يسمح له باستيعاب هذا التبدل اللوني في ثقافة المجتمع؟ وهل وصول باراك حسين أوباما إلى منصب الرئاسة سيكون مجرد حادث عرضي بسيط في التاريخ الأميركي وستتعامل معه مراكز القوى واللوبيات بانفتاح ومن دون تردد وانزعاج؟

أسئلة كثيرة يمكن طرحها وهي تنتظر المزيد من الوقت حتى تكتمل صورة المشهد بعد 4 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري. وقبل أن تخرج الصورة إلى العلن يمكن القول إن الديمقراطية الأميركية حققت خطوة نوعية في تاريخها لأنها تستطيع أن تتباهى أمام العالم بامتلاكها تلك القدرات الذاتية على النمو والتطور والتجاوز. وهذا التباهي يعتبر بحد ذاته مفخرة يمكن أن تعتمدها الولايات المتحدة لاحقا للدفاع عن تاريخها وشخصيتها المتميزة ونموذجها الخاص الذي طمحت مرارا إلى تصديره وفشلت دائما في تحقيق هذا الهدف.

الآن لم يعد بالإمكان العودة إلى الصفر (المواد الأولية) لانتقاد السياسة الأميركية في طورها المعاصر من دون أخذ هذا المتغير التاريخي في الاعتبار. فما حصل ليس تفصيلا في عالم معاصر يتفرق إلى طوائف ومذاهب وأقوام وقبائل وأجناس وألوان. وما يمكن أن يحصل بعد يومين سيكون له وقعه الدولي على نظام عولمة يتمزق إلى دويلات «صغيرة» ويتناحر على عنصريات ضيقة تتنازع المصالح اعتمادا على سياسة القتل على الهوية.

فيلم أميركي جديد

الفيلم الأميركي سيتغير وهذا الاحتمال ليس مستبعدا، ما يعني أن العالم المراقب والمشاهد سيحتاج إلى رؤية جديدة مضادة تستطيع التعامل بأسلوب مخالف للتقاليد المتعارف عليها مع السياسة الأميركية. وهذا بالضبط سيشكل بداية مرحلة ستشهد تحديات تزعزع الكثير من الثوابت الايديولوجية سواء من الداخل الأميركي في رؤية العالم وسواء من العالم الخارجي في رؤية الداخل الأميركي. التحديات ستكون مشتركة ومتبادلة. فمن جانب الداخل الأميركي لابد من الانتظار فترة لمعرفه مدى تجاوب المؤسسات والشارع مع هذا المتغير اللوني. ومن جانب الخارج لابد من رؤية المشهد في إطاره الدولي حتى يمكن التعرف على الاختلاف المتوقع في التعامل مع قضايا العالم. وفي الجانبين ستكون الولايات المتحدة في موقع الأقوى معنويا حتى لو فشل أوباما في تحريك الساكن وفي تسكين المتحرك.

فرضية «اللون» التي حاربها الداعية مارتن لوثر كينغ قد تنقلب إلى نقيضها في حال تم التعامل مع المسألة السياسية وكأنها مسألة «بشرة» الرئيس. فالبشرة لا تقدم ولا تؤخر في دولة كبرى تأسست على قواعد ثابتة وتطورت تاريخيا وفق جدولة زمنية دفعت المؤسسات إلى تعديل نمطية سلوكها وأساليب تعاملها مع المتغيرات. وهذا الشأن الداخلي مسألة أميركية تتصل بتاريخ خاص تعرض لهزات وانتفاضات واصطدامات أنتجت قناعة تطمح لزعزعة الكثير من الثوابت المتوارثة عن فترات سابقة. ومثل هذا المتغير في حال تحقق بعد يومين لا يعني بالضرورة أن الانقلاب اللوني في بشرة الرئيس سيؤدي فورا إلى انقلاب سياسي في منهج الدولة ورؤيتها للعالم. فهذا الحلم لم يرد في خطاب مارتن لوثر كينغ. والحلم الذي تحدث عنه لم يتدخل في السياسة والرئاسة وإنما أشار إلى المبادئ العامة للإنسان وحق الشعوب في التساوي في الفرص والحياة.

ما يحصل الآن في الولايات المتحدة يتجاوز حلم لوثر كينغ ويقفز باتجاه الواقع الذي تتحكم في آلياته المصالح وما تتطلبه من سياسات قادرة على إدارة اللعبة بشروط معقدة لا صلة لها بالأصل والفصل والدين واللون. وهذا الموضوع سيفتح الباب أمام فصول أميركية جديدة وسيطرح مشكلات داخلية تتصل بمدى استعداد المجتمع للتعامل مع متغيراته السكانية اللونية والثقافية معطوفة على معضلات خارجية تتعلق باستراتيجية دولية أخذت تواجه الكثير من الصعوبات والعقبات في العالم.

تبديل لون بشرة الرئيس لا يعني إطلاقا تغيير سياسة تصنعها مؤسسات تعتمد ثوابت في الرؤية وتقوم على تطويع الدولة خدمة للمصالح العليا. فالتغيير في هذا السياق الكبير يحتاج إلى تحولات أخرى وهي تتجاوز في عمقها التاريخي لون البشرة... لأنها تقوم في النهاية على معادلة داخلية تقررها توازنات المصالح ومراكز القوى وهيكلية الاقتصاد وقطاعات الإنتاج وأسواق المال وشركات الطاقة ومؤسسات التصنيع الحزبي.

هناك مسافة جغرافية - زمنية تفصل بين تغير بشرة الرئيس الأميركي وبين تغيير السياسة الأميركية. هذه المسافة طويلة ولكنها مبدئيا لا تقلل من أهمية التحول (في حال انتخب أوباما) ولا تلغي احتمالات كثيرة يمكن أن تحصل تلقائيا تجاوبا مع لحظة الانتقال وخطورة انفعالاتها النفسية والثقافية في المجالين المحلي والدولي

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2250 - الأحد 02 نوفمبر 2008م الموافق 03 ذي القعدة 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً