غياب الآباء عن المنزل... الطريق الأول لضياع الأبناء

تطرق تحقيق نشر الأسبوع الماضي في مجلة «اللمسات» الشهرية التي تصدر في أبوظبي عن الاضطرابات التي تصيب حياة الأطفال بسبب تغيب الآباء عن المنزل، وتسيب الحياة بسبب غياب التربية. كما أشار التحقيق إلى أن قضية غياب الآباء عن المنزل لساعات طويلة أو لأيام وأسابيع له أثر خطير على نفسية الطفل، فالأب هو الترجمة الحرفية لقصيدة الحب والحنان، ويعتبر بالنسبة للطفل مصدرا للأمن والحماية، وهو ربان سفينة الأسرة يقودها بفطنته ليحمل أبناءه إلى شواطئ الدفء والأمان... وبَرّ الثقافة الفكرية والعلمية، ولا بد أن ندرك مسؤولية تربية الأبناء وآثارها السيئة نتيجة تغيّب الآباء عن المنزل.

فهل غياب الأب يؤثر حقا على نفسية الطفل؟ وما هي أسباب تغيب الآباء ومكوثهم مدة طويلة خارج المنزل؟ وهل هناك طريقة لجذبهم إلى عشهم وبوتقتهم؟ أسئلة شائكة وقضية ساخنة تحتاج إلى ونظرة ثاقبة ودراسة واعية تجعل من البيت معلما ورافدا ينهل منه الأبناء ما ينفعهم في حياتهم ومستقبلهم.

غائبون على رغم حضورهم

يقول مدير إحدى المدارس للبنين محمد الزعابي: «إن قضية غياب الأب عن المنزل أو رب الأسرة ومكوثه لساعاتٍ طوالٍ بعيدا عن أبنائه مسألة خطيرة ولها أثر كبير في فقدان السيطرة الأبوية، لأن قوة السلطة الأبوية تقي الأسرة كثيرا من المشكلات التربوية الأسرية، وهناك سؤال غاية في الأهمية وهو كيف نجمع بين فقدان السيطرة الأبوية وبين تواجد بعض الآباء مع أبنائهم جل أوقاتهم في المنزل؟»

مضيفا «إن ووجود الأب في المنزل مع الأبناء ليس هو مطلبا في ذاته، بل يجب على الأب أن يعرف ماذا يجب عليه أن يفعل أو لا يفعل في حال تواجده في المنزل؟ وهنا سيدرك كل منا هل هو من الآباء الغائبين، أم من الآباء الحاضرين الغائبين».

فما فائدة تواجد الأب في المنزل إذا كان يفرّط في تدليل الأبناء ويحرمهم من توجيهاته التربوية والتأديبية؟ وما فائدة تواجد الأب إذا كان لا يعدل بين أبنائه، ويفضل بعض الأبناء على بعض؟ وما فائدته إذا كان يتعامل مع أبنائه بالقسوة والعنف، ولا يتحدث معهم، ولا يقبلهم، قد نزع من قلبه الرحمة؟

ويضيف الزعابي «إن هناك صورا توضح أسباب تغيب الأب عن المنزل وهي كثيرة نذكر بعضا منها: العمل: كثيرا ما تكون بعض الأعمال تتطلب من صاحبها المكث خارج البيت أو في المناطق النائية لأسابيع وأشهر وقد تصل إلى سنة كاملة بشكل متواصل، فتسبب في انفلات زمام السلطة من الأب وبروز سلوكيات سلبية لدى الأبناء بشكل غير متوقع، وهجر الزوج لزوجته على إثر خلافات زوجية، ما يسبب آثارا وخيمة، تعود بأثر سلبي على نفسية الأبناء، رفقاء السوء الذين هم عبارة عن مجموعة من الأصحاب درجوا على قضاء أوقاتهم في السهر والسمر واللهو إلى ما بعد منتصف الليل، وقضاء ما تبقى من اليوم في وظائفهم، فليس للأبناء سوى سويعات معدودة يكون الآباء فيها عادة نائمين، وعامل أخر وهو تعدد الزوجات إذ ليس تعدد الزوجات سببا في تفكك الأسرة، ولكن إذا أسيء استخدام هذا الحق، وبالاستهتار به، أو عدم تسخير الوقت الكافي لكل من الزوجة والأبناء، فقد يكون ذلك سببا في تحطيم كيان الأسرة»، كما أشار إلى «ان الطلاق يستحوذ الطلاق في كافة المجتمعات على نصيب الأسد في ابتعاد الأب عن أسرته مما يعرض الأبناء لكثير من الانحرافات التي يمكن الوقاية منها لو استطاع الأب والأم بعد الطلاق أن يتساميا على جراحتهما وأن يشيعا جوا من اللاعدائية والاحترام المتبادل بينهما، هادفين بذلك إلى خلق أجيال أسوياء تربويا ونفسيا»، موضحا أن السجن يؤدي إلى انعدام سلطة الأب تماما طيلة فترة العقوبة، وهنا يأتي دور الخدمة الاجتماعية في السجون في تطوير العمل الاجتماعي في التواصل مع أسرة السجين وتغيير أماكن اللقاء من خلف القضبان إلى غرف مهيأة لهذه الاجتماعات لإشاعة جو من الدفء والاتصال الأسري ذو خصوصية وطابع عائلي، بعيدا عن صوت القيود والأغلال، ولكي يشعر الأبناء أنهم على اتصال دائم بآبائهم».

تغيب المسئولية

ومن جانب آخر تقول الباحثة في أسرار الطاقة شيخة المسكري: «إن هناك سلبيات خطيرة في غياب الآباء عن أبنائهم وهي: ضعف الجانب العاطفي الأبوي، فانعدام المشاعر الأبوية تجاه الأبناء يؤدي إلى انعدام الحنان والمحبة بين الطرفين وحدوث حالات نفسية مكتئبة لدى الأبناء. فقد تحدث بعض الاضطرابات في حياة الطفل، ويتجلى ذلك في مشاعر الخوف والقلق التي تنتاب الطفل بين الحين والآخر، لاسيما أثناء النوم، أو بشكل أعراض نفسية جسديه (قضم الأظافر، تبول لاإرادي، عدم التركيز، كثرة النسيان، الميل للعزلة)، وشلل الهيكل التربوي نتيجة لغياب الأب المستمر، فتضعف الجوانب العلمية والفكرية والثقافية لد الأبناء، وتحمل الأم العبء الأكبر من مسئولية تربية الأبناء في جميع الجوانب، وهذا يؤدي بلا شك إلى تقصيرها في التربية، بسبب غياب دور الأب ومسؤوليته في المنزل».

نتائج لدراسات على الحالة الاجتماعية

تشير نتائج أحدث الدراسات التربوية بالولايات المتحدة الأمريكية إلى مدى تأثير الحالة الاجتماعية وحضور الآباء الفعال على تقدم الأطفال في مراحل التعليم المختلفة بداية من فترة الحضانة الأولى، فالأطفال الذين ينحدرون من عائلات ثنائية العائل (أب وأم) وجد أنهم يتمتعون بقدرات أفضل فيما يتعلق بالقراءة والكتابة وإجراء العمليات الحسابية من أقرانهم الذين ترعرعوا في كنف عائلات أحادية العائل(عائلة بدون أب) إذ تتحمل الأم هنا كافة الأعباء النفسية والاجتماعية والاقتصادية.

وتضيف المسكري «أن حدوث خلاف وشقاق مستمر بسبب تقصير الأب وغيابه المتكرر، وهذا يؤدي إلى التأثير السلبي على نفسية الأبناء، غياب الأب يعني غياب القدوة والسلوكيات الدينية مثل اصطحاب الأب أبناءه إلى المسجد، والسلوكيات التربوية الحياتية اليومية مثل متابعة الأبناء واجباتهم المدرسية، انحراف الأبناء خاصة مع وجود عوامل مؤثرة كالتلفزيون والإنترنت».

وحاولت المسكري أن تحلل أسباب تغيب الأب عن المنزل، فقالت: «إن انشغال الأب بأمور الدعوة وتوعية المجتمع وغفلته عن مسئوليته التربوية الأساسية أو غيابه بسبب أعماله التجارية بعد الوظيفة الرسمية قد تترك أثارا سلبية في حياة الأبناء والأسرة، كما أن وجود خلافات مستمرة بين الزوجين قد تؤدي إلى هروب الأب من المنزل، وخاصة إذا كان هناك تقصير واضح من الزوجة تجاه زوجها في جذبها له (في نفسها وبيتها وأبنائها) مقابل ما يراه من مغريات كثيرة في المجتمع، ولا يقف تعليل هذه المشكلة بالنظر إلى تقصير الزوجة فقط، فقلة وعي الأب كذلك لأهمية مسؤوليته تجاه بيته وأبنائه وزوجته أو عدم حرصه للارتقاء بمستوى زوجته وأبنائه من الناحية الدينية والثقافية (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) قد يكون سببا في تهربه من المسؤولية وخروجه من المنزل».

متطلبات ضرورية لفهم القيم

وبدأ المراقب العام لإذاعة القرآن الكريم في حديثه عن فهم القيم التربية للأبناء فقال ناصر الحوسني: «للدوافع أهمية كبرى في حياة أحدنا وهي التي تولد السلوكيات الإيجابية والسلبية، ومع غياب إدارة حقيقية للوقت، أو فهم ناقص لبعض القيم في مشاهدة الحياة، تتأرجح نسبة المعقول وغير المعقول في آثار السلوك عند البشر، فمن ملك القدرة على التخطيط والتحفيز النفسي والعقلي فقد وفّر أسباب النجاح وملك عمره، ومن ساهم في قتل الوقت فقد قتل نفسه من دون أن يعلم، ودائما نسمع ونشاهد ونقرأ عن أزواج جعلوا من بيوتهم محطة للاستراحة القصيرة، بينما كان الشارع والقهوة والمراكز التجارية القسم الأكبر من ساعات اليوم، وقد يبرر سلوكه بالفرار من البيت والمسئولية، فلا يساهم في إيجاد حياة مستقرة».

ويضيف الحوسني «إنما يقوم الأباء بتعليل ما يترتب من آثار لغيابه عن المنزل بالحجج الواهية، ويتخلى عن واجبه تجاه زوجته وأبنائه، فالزوجة في النهاية إنسانه تجمع في قلبها المشاعر الجياشة والأحاسيس العاطفية، وعندما نرى اختلاف مستويات الأبناء وتفاوت سن أعمارهم، ندرك أن الأبناء تتفاوت كذلك مدركاتهم للقيم وكسب مفردات التربية السلوكية، لأنهم بحاجة إلى كيان الوالد كجسم يحتل كثافة مساحية في بيته، فيجد أمامه معان الصداقة ويستشرف من عطر أبيه ما يحتاجه من حب ورفق، وقد يؤلمه لذعة فراقه وغيابه عن المنزل، فالوالد هو الملجأ الوحيد الذي يحتاجه الأبناء عند كل كرب وضيق، يحتاجونه كمؤدب، فينشأ الناشئ فينا على ما عوده والده، والوالد في الأخير هو البوابة التي تَحرس عملية التكوين في كل أشكالها، فيكبر الولد ويكون رجلا صالحا، والبنت تكون أمّا صالحة، وكم قاست الكثير من الأمهات في العملية التربوية عند غياب الآباء».

الاستثمار الحقيقي

وتطرق رجل الدين مبارك المهيري حديثه عن كيفية توجيه الآباء نحو خطورة تغيبهم عن المنزل فقال: «يجب أن ننبه الآباء إلى أن الاستثمار الحقيقي يكون في الأبناء، وليس الاستثمار المالي، وأن المستقبل كفيل بإظهار معالم هذه القضية، فالآباء يرون الأموال الطائلة التي جمعوها لا تغطي عيبا واحدا من العيوب التي نشأت بسبب غيابهم عن المنزل، ولن تتحقق الحاجات النفسية التي تنطلق من قلب هذا الطفل إلا بكثرة مداومته مع والده، وقد يفقد الطفل معاني الرجولة والذكورة نتيجة نقص المناعة العاطفية الأبوية، ولو افترضنا أن بعض الأمهات حازمات فإن البعض الآخر من الأمهات لا تربي رجالا، لذلك يشوب تربية بعض الأمهات للأولاد شيء من فقدان الرجولة، فيجب أن نوجه الآباء إلى أن تربية الأبناء واجب شرعي وعرفي وأخلاقي، بينما الانشغال بتكثير الأموال ومضاعفتها أمر مطلوب ولكن ليس بواجب، فيجب ترتيب الأولويات، وعندما نعرض بعض الإحصائيات التي تبين الآثار السلبية لغياب الأب عن المنزل، سنجد أن الأمر جلل والقضية تحتاج لدراسة متأنية، فهل قام بعض الآباء بزيارة مراكز الأحداث والتعرف على حالات الانحراف الناتج عن فقدان وجود الأب في المنزل؟ وهل قام بعضهم بمقارنة بين الحالة السابقة وحالات النجاحات التي حققتها الأسر التي تكامل فيها وجود الوالدين في المنزل وقتا أكثر؟».

مصيدة العواطف

ويوضح الأكاديمي حمد سهيل أساليب جذب الأب إلى المنزل فيقول: «إن حسن استقبال الزوجة لزوجها عند دخوله في عشه الآمن، أو حسن تدبير الزوجة لشئون المنزل من نظافة وترتيب وإعداد للطعام، أو حسن توفيق الزوجة بين واجباتها المنزلية ومسئولياتها خارج البيت، تطوّل مدة مكوث الأب في المنزل وخاصة إذا تفننت الزوجة في تزينها وتعطرها وتبسمها لزوجها، فإذا نظر إليها سرّته وبعثت السعادة في قلبه، فينجذب دائما إليها وإلى الأبناء والمنزل».

العدد 1667 - السبت 31 مارس 2007م الموافق 12 ربيع الاول 1428هـ

التعليقات (2)
التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أنت تعلق الآن كزائر .. يمكنك التعليق بـ3000 حرف عندالتسجيل من هنا

اقرأ ايضاً

شاركونا رأيكم