العدد 2256 - السبت 08 نوفمبر 2008م الموافق 09 ذي القعدة 1429هـ

« أميركا أوباما» ستكون مختلفة حتما

حيدر محمد haidar.mohammed [at] alwasatnews.com

«إن القوة الحقيقية للولايات المتحدة لا تكمن في جبروت أسلحتها ولا في حجم ثروتها، بل تكمن في دوام قوة مُثُلها العليا: الديمقراطية، الحرية، الفرص، والأمل الذي لا يتزعزع».

هذا ما قاله الرئيس الديمقراطي المنتخب باراك أوباما إن فجرا جديدا من القيادة الأميركية بات في المتناول. وشدد في خطابه الذي ألقاه في مدينته شيكاغو بولاية إلينوي في وقت متأخر ليل 4 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، أمام حشد قدر بأكثر من مئتي ألف أميركي.

بالفعل إنها واحدةٌ من معجزات العصر الحديث أن يصل شخص مثل أوباما إلى عرش القرار.

لقد سطر باراك حسين أوباما بانتصاره درسا عظيما للإنسانية قاطبة، لا مجال للتمييز العنصري في عالم اليوم، لا مجال للتفرقة بعد الآن، كل شيء فيه يجعله بعيدا عن هذا الموقع لونه…اسمه...أصله، البشرة السمراء أضحت عنوان الديمقراطية.

ثمة دروسٌ عظيمة يمكن أن يدونها هذا الزلزال… زلزال المفاهيم والقيم والأعراف.

كانت ليلة الاقتراع أشبه بانتخابات الكرة الأرضية لا انتخابات أميركا وحدها، لأن العالم ينتظر فجرا جديدا من التغيير الذي تأمل البشرية أن يحرزه الرئيس أوباما فعلا.

وفي خطاب النصر، حاول أوباما أن يعيد المنظومة الأخلاقية التي قامت عليها الولايات المتحدة، كما حرص بشدة على إظهار الوجه الآخر لأميركا الذي تشوه وجهها في العالم بالتحالف مع الدكتاتوريات والعداء للشعوب وخلاف القيم التي نشأت من أجلها أميركا أساسا.

كثيرة هي الصعوبات التي تواجه الرئيس أوباما من أجل أن يبني صورة مغايرة للولايات المتحدة عما عرفها العالم بها على الأقل خلال السنوات العجاف من حكم الرئيس الأميركي المنتهية ولايته جورج بوش، فصورة أميركا اقترنت في أذهان الشعوب بالحرب والدم والدمار، وقد فشل بوش في تسويق الولايات المتحدة في وجهها المشرق بأنها أم الديمقراطيات في العالم وأنها نقطة تحول في تاريخ الإنسانية في المجالات العلمية والاقتصادية والعسكرية وليس السياسية فحسب.

أوباما لم يدع أن منطق القوة سيغيب من القاموس الأميركي، لأن المصالح القومية لأقوى دولة في العالم لا يحددها فرد، وإنما هي نتاج تفاعلات تاريخية وواقعية، وهي إفراز من إفرازات العظمة الأميركية التي ترى أن القوة العسكرية هي دراع أيمن - إن لم تكن الدراع الوحيدة أحيانا- في الحفاظ على هيبتها وسلطتها وللحفاظ كذلك على الحقيقة التي استيقظ عليها العالم منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وسيطرة القطب الواحد في إدارة العالم، حتى من دون اكتراث في كثير من الأحيان لمنطق الشرعية الدولية التي تتغنى بها واشنطن دائما.

أمام الرئيس أوباما فرص كبيرة مقرونة بتحديات أكبر لصنع التغيير الذي وعد بها الأمة الأميركية والعالم كله عشية خطابه الشهير على حشد قدر بمئات الآلاف في شيكاغو.

في شيكاغو مد الرئيس الأسمر يده إلى الذين يريدون «أن يعملوا مع الولايات المتحدة لصنع عالم مسالم أفضل»، وقال: «إلى أولئك... أولئك الذين يريدون تهديم العالم نقول: إننا سنهزمكم. وإلى أولئك الذين يسعون لتحقيق السلام والأمن نقول: إننا سنساندكم. وإلى جميع أولئك الذين يتساءلون إذا ما زالت أميركا منارة تضيء بنفس السطوع نقول: أثبتنا الليلة مرة أخرى أن القوة الحقيقية لوطننا تتأتى ليس من جبروت أسلحتنا أو من حجم ثروتنا، بل من القوة الصامدة لمُثُلنا: الديمقراطية، الحرية، الفرص، والأمل الذي لا يتزعزع».

وقال أوباما أيضا في خطابه المتناسق والطويل نسبيا «إن التغيير حلّ على أميركا».

على أن أوباما أقر أيضا في خطابه أن التحدي الأكبر الماثل أمامه حتى قبل أن يدخل البيت الأبيض هو معالجة الانهيارات المالية التاريخية لوول ستريت، والتي أثرت ليس على قوة أميركا المالية وحدها بل أصابت العالم كله بالسهر والحمى.

وخاطب أوباما مؤيديه، شارحا حجم المهمة الكبيرة المقبلة: «لقد فعلتم ذلك لأنكم تدركون مدى ضخامة المهمة التي تواجهنا. فحتى عندما نحتفل الليلة، نعرف أن التحديات التي سنواجهها غدا ستكون الأعظم في حياتنا، فهناك حربان، وهناك كوكب محفوف بالأخطار، وهناك أسوأ أزمة مالية منذ قرن».

التحدي الآخر والأول على المستوى الخارجي هو إصلاح ما أفسده المحافظون الجدد، في العراق، فأوباما حاول لمرات عدة في خطاباته أن يبشر امهات الجنود في صحراء العراق وجبال أفغانستان بعودة ابنائهن قريبا.

غير أن المعطيات السياسية لا تدل أن نبوءة أوباما ستتحقق قريبا، لأن انسحابا أميركيا غير مدروس من العراق ستكون له عواقب ربما تكون أشد خطورة من بقاء القوات الأمركية نفسها، وربما سيواجه أوباما مخلفات سياسية قابلة للاشتعال مع الحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي التي لم يرق لها ولا لجيران العراق الكبار مسودة الاتفاقية الأمنية التي ستجمعها مع واشنطن لأمد بعيد.

ربما ينجح جورج بوش في توقيع الاتفاقية في اللحظة الأخيرة بعد إجراء «تعديلات مؤلمة» عليها وفق التعبير الأميركي، ولكن لا أحد يضمن أن ذلك سيحصل، وإذا ما تحققت نبوءة تأخير توقيع الاتفاقية فإن أوباما سيجد نفسه أمام مفصل كبير سيحدد طبيعة العلاقة التي يود ان يرسمها مع بغداد والعواصم المحيطة.

«الطريق أمامنا ستكون طويلة. والتلة التي سيكون علينا تسلقها ستكون شاقة»... هذا ما ختم به الرئيس اوباما الذي أكسب أميركا تعاطفا دوليا لبشرته ولأصله ولانتصاره على حواجز التمييز، لكن لابد لنا أن نتذكر حكمة أوباما الأخرى، المؤكد أن أميركا أوباما ستكون مختلفة حتما، ولكن لا يمكننا الإفراط في التفاؤل كما ردد أوباما ذلك أيضا

إقرأ أيضا لـ "حيدر محمد"

العدد 2256 - السبت 08 نوفمبر 2008م الموافق 09 ذي القعدة 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً