«معلولة» قرية سورية مليئة بالأساطير

بيوتها معلقة بهندسة طبيعية على الجبل

ألوان الوسط - يارا ماهر 

مع حلول موسم الصيف، موسم العطلات والسفر، يقصد الكثير من البحرينيين سورية، لأسباب كثيرة، في غالب الأحيان يقصدون أماكن محددة بحكم عدم درايتهم بتفاصيل الأماكن السياحية المتنوعة في سورية، وكما هم السياح عادة يبدأون بالعواصم والمدن الكبرى المعروفة، فأي سائح يقصد سورية لابد من أن تكون محطته الأولى دمشق (الشام) عاصمة الجمهورية العربية السورية، ولعل ميزة دمشق عدا عن كونها مدينة منوعة، انها محاطة بالكثير من المناطق الخلابة والسياحية، فنجد من بين هذه الأماكن ما هو مشهورة بطبيعتها وخضرتها، ومناطق تتوافر فيها الطبيعة والمنتجعات والمطاعم، ومناطق تحتضن ما بين شوارعها تاريخا وحوادثه قديمة ومعالم تؤرخ لمراحل وفئات كثيرة.

من بين المعالم التي تحيط بدمشق، والتي تمتاز بطبيعة خلابة محتضنة بين تضاريس هضابها أثار تاريخية ودينية مميزة، قرية معلولة، الواقعة على بعد 50 كم شمال شرقي العاصمة (دمشق). معلولة مبنية على سفوح هضاب تحيط بها من كل جانب، وتبدو معلولا محفورة بطريقة ساحرة ومدهشة في صخور جبال القلمون المرتفعة ما يقارب 1500 متر عن سطح البحر، وتظهر بيوتها وكأنها معلقة في الجبال بعضها فوق بعض وبشكل متلاصق، لتشكل ما يشبه المدرجات السكنية، تتداخل بشكل غريب ضمن تخطيط عمراني طبيعي رسمته التضاريس الجبلية، بسبب تلاصق البيوت في معلولة نجد أن الطرقات التي تصل ما بين البيوت، دخل الحارات ضيقة ومتشعبة وصغيرة جدا، فتتكاثر السلالم التي يستخدمها الأهالي للوصول إلى المنازل المبنية على حافت الجبل.

يرجع البعض معنى اسم معلولة إلى أنها تعني المكان المرتفع أو الهواء العليل، وهذا في اللغة السريانية، فيما يقول آخرون ان الكلمة أرامية وتعني المدخل، وجاءت هذه التسمية لوجودها ضمن شعب جبلي جميل يقطع سلسلة جبال القلمون.

من القصص التي لابد للزائر معولة أن يسمعها عنها، هي أنها منطقة ترتبط بها الكثير من الأساطير، ومازال الكثير من الناس يقصدونها لهذا السبب، فيرتبط بهذا المكان أسطورة أول قديسة مسيحية وهي «تقلا»، إذ اضطرت إلى الهرب من أبيها الوثني، فأرسل مجموعة من الجنود لملاحقتها، وأمرهم بقتلها لأنها مرتدة عن دينه، فوصلت إلى جبل سد عليها الطريق فأخذت تبكي بشدة ورفعت يديها إلى السماء تطلب من الرب المساعدة ليستجاب إلى دعائها وينشق الجبل فتتمكن من النجاة، وفيما بعد لجأت «تقلا» إلى إحدى المغارات وأخذت تصلي حمدا لله، وأصبحت لها شهرة واسعة، واستطاعت أن تشفي الكثير من المرضى من أمراض مستعصية على حد تعبير الأسطورة، ومن هنا يقتبس اسم معلولة معنى ثالثا، وهو المكان الذي يقصده المعلولون.

سكان معلولة من المسيحيين الروم الكاثوليك في غالبيتهم العظمة، مازالوا حتى اليوم يحتفظون بلغتهم، الآرامية لغة السيد المسيح، فإذا ذهبنا إلى هناك سنسمع بالإضافة للغة العربية لغة قديمة جدا من أعماق التاريخ.

تكثر في معولة الكنائس والأديرة، وهي مفتوحة لجميع الزوار من عرب وأجانب، مسلمين ومسيحيين، فمن يرغب في الاطلاع على جزء مهم من تاريخ الحضارة المسيحية في سورية لابد له من زيارة معلولة.

سكان معلولة ودودون جدا في التعامل، إذا ما تعاملت معهم ستلمس البساطة والطيبة بشكل واضح، كما يمكن اعتبارهم جزءا لا يتجزأ من المنطقة ونمطها الخاص، فإن كان واقع معلولة يمتزج بالأسطورة في كل آثارها القديمة وطبيعتها الخاصة، فإن سكانها كانوا خير راوٍ لقصة معلولة فزائر معلولة ليس مضطرا لقراءة الكتب والمراجع، أو حتى لدليل خاص ليتحصل على تفاصيل تاريخ معلولة وحكاياتها التاريخية الخاصة، فتاريخ المكان مازال مطبوعا في ذاكرة السكان بشكل دقيق، تتناقله الأجيال تلقائيا، لأن حكايات هذه القرية وأساطيرها تشكّل ماضي الأجداد وهي مصدر لفخرهم واعتزازهم، فهي تمنح السكان خصوصية شديدة، لذلك يكفي سؤال أي شخص من أبناء معلولة لمعرفة قصة كل معلم أثري واكتشاف خفايا المكان بشكل واسع لأن طبيعة هذه القرية تحتضن أيضا أساطير مثيرة غرائب مدهشة غير مدوّنة في كتب التاريخ.

العدد 1758 - السبت 30 يونيو 2007م الموافق 14 جمادى الآخرة 1428هـ

التعليقات (0)
التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أنت تعلق الآن كزائر .. يمكنك التعليق بـ3000 حرف عندالتسجيل من هنا

اقرأ ايضاً

شاركونا رأيكم