العدد 1800 - الجمعة 10 أغسطس 2007م الموافق 26 رجب 1428هـ

جنرال من دون جيش

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

كشفت الانتخابات الفرعية اللبنانية التي جرت في دائرتي المتن الشمالي وبيروت الثانية في 5 أغسطس/ آب الجاري عن وقائع رقمية ميدانية تعطي فكرة عن طبيعة آليات التصويت في بلد «ديمقراطي» يعتمد نظام الملل والنحل في إنتاج قياداته السياسية. فالتصويت في لبنان طائفي حتى لو طرح المترشحون شعارات اجتماعية أو وطنية. والناخب حين يتوجه إلى صندوق الاقتراع لا يختار بالضرورة فكرة سياسية بقدر ما يصوت للملة أو النحلة أو من هو أقرب إليها في توجهاته العامة.

هذه الوقائع الميدانية كشفتها الأرقام. ففي بيروت الثانية مثلا قاطعت معظم أحزاب «8 آذار» الانتخابات بينما أيدتها أحزاب

«14 آذار» الأمر الذي أبطل المعركة ودفع أكثر من 80 في المئة للجلوس في منازلهم وعدم التوجه إلى مراكز الاقتراع. وجاءت نتيجة التصويت الهزيلة لتكشف أن المقاطعة الحزبية ليست سياسية بقدر ما هي طائفية ومذهبية. كذلك كشفت أن المقترعين ينتمون إلى طوائف ومذاهب أيد قادتها فكرة إجراء انتخابات فرعية. فالمقاطع والمصوت ينطلقان من الذهنية نفسها تقريبا وهذا يدل في نهاية التحليل على التخلف السياسي العام الذي يغلف العقل ويرسم آفاقه وتطلعاته في لبنان و»الشرق الأوسط» عموما.

في المتن الشمالي (المسيحية) كشفت الدورة الفرعية عن وقائع ميدانية أعطت بالأرقام فكرة عن طائفية المقترع ومذهبيته. فالنتائج العامة أكدت بالملموس أن تيار الجنرال ميشال عون لا أساس واقعيا له وإنما مجرد موجة هلامية (رخوة) تفتقر إلى قاعدة اجتماعية ولا تتمتع بموقع طائفي ومذهبي كما هو حال الأحزاب المناطقية الأخرى. فالجنرال كان الخاسر الأكبر سياسيا في الاستفتاء الانتخابي الذي أفرزته صناديق الإقتراع، إذ تبين بالملموس أنه لا يملك قاعدة (نواة صلبة) لا تتأثر بالمتغيرات والتحالفات. وشكلت هذه الخسارة السياسية لكمة على انف الجنرال الطامح لرئاسة الجمهورية. فهو لا يزال المترشح الأقوى ولكن حظوظه تراجعت ميدانيا ولم يعد يقوى على ادعاء تمثيله الغالبية ليس في مواجهة خصومه وإنما في إطار علاقاته المهتزة مع أحزاب «8 آذار».

المترشح عن تيار الجنرال نال أكثر من 39 ألفا من أصوات دائرة المتن وفاز بالمقعد بغالبية تقل عن 500 صوت عن منافسه. إلا أن الفوز لا يعني دائما الانتصار وخصوصا إذا كانت النتائج متقاربة وأصوات الفائز ليست مضمونة دائما.

التيار الذي يعتمد عليه الجنرال لا ينتمي إليه وإنما تعود قوته إلى أحزاب وفعاليات وتنظيمات محلية. فالجنرال يعتمد على أصوات غيره لإنجاحه ويفتقد إلى قوة ذاتية تستند إلى نواة تصويتية صلبة كما هو حال حزب الكتائب (أمين الجميل) أو القوات اللبنانية (سمير جعجع) أو الطاشناق (الأرمن الارثوذكس) أو آلة ميشال المر الانتخابية (الروم الارثوذكس).

الكتائب مثلا تعتمد على قوة تصويتية ثابتة (نواه صلبة) لا تتغير إلا بحدود نسبيه ولا تتأثر كثيرا بالظروف والأجواء لأنها ملتزمة حزبيا (طائفيا) برموزها. كذلك القوات اللبنانية والطاشناق وكتلة المر الانتخابية. فكل هذه التنظيمات شبه ثابتة في مواقعها ولا تتغير توجهاتها إلا باوامر وتوجيهات فوقية حزبية تعكس مزاج الطائفة ومصالحها في هذه المرحلة أو تلك.

الطاشناق مثلا ليست قوة تصويتية (حزبية طائفية) مضمونة دائما للجنرال. فهو الآن مع التيار العوني وربما يكون ضده في انتخابات أخرى. وكتلة المر الانتخابية أعطت أصواتها في هذه الدورة للجنرال ولكنها ليست ملتزمة به حزبيا في كل الحالات والدورات. والأمر نفسه ينطبق على مختلف التنظيمات ذات الطبيعة الطائفية أو المذهبية حتى لو طرحت شعارات عامة تلامس العلمانية والاشتراكية أو الديمقراطية والعدالة والتنمية وغيرها من أفكار لا تربة خصبة لها في بلد الملل والنحل وفي منطقة «الشرق الأوسط».

ضعف الجنرال

كل هذه الوقائع الرقمية كشفت عن ضعف تيار الجنرال في المتن وتيار «المستقبل» في بيروت الثانية الأمر الذي يطرح أسئلة سياسية عن موقع أو دور قوى تعتمد في شعبيتها الانتخابية على أصوات الأحزاب التقليدية التي تمتلك نواة صلبة لا تتغير بالأجواء والأهواء.

هذه المسألة مهمة لتوضيح فكرة تعثر الجنرال في معركته السياسية العامة وطموحه للفوز بمقعد رئاسة الجمهورية. فالأرقام كشفت عن ضعف بنيوي/ تنظيمي لتيار الجنرال وأوضحت أن قوته تعتمد على النواة الصلبة للأحزاب والتكتلات التقليدية المتحالفة معه. وهذا يعني أن الجنرال «أسير حرب» لتحالفاته وغير قادر على فرض شروطه عليها وإنما هو في موقع الضعيف الذي لا يمكن له التحرك من دون القبول بتوجهاتها.

مثلا أخذ مترشح الجنرال 39 ألفا من أصوات المقترعين في المتن الشمالي وفاز بالمقعد. وبعد ثلاثة أيام من فرز الصناديق وإعلان النتيجة تبين بالملموس الوقائع الآتية. حليفه ميشال المر أدعى في مقابلة تلفزيونية أن آلته التنظيمية أعطته مالا يقل عن 17 ألفا من أصوات الروم الارثوذكس. كذلك أعلن حليفه الارمني الارثوذكسي (حزب الطاشناق) انه أعطاه نحو 8 آلاف من أصوات المقترعين في برج حمود. وادعى حليفه الحزب السوري القومي (تأسس في العام 1932) مع مجموعة «8 آذار» أنه أعطاه أكثر من 7 آلاف صوت من الارثوذكس وتجمع أقليات مسلمة ومسيحية وفئات متجنسة حديثا. وهذا يعني في المجموع العام أن حلفاء الجنرال يملكون 32 ألفا من الأصوات بينما تياره لا وزن له ولا يستند إلى قوة خاصة تعتمد على نواة ذاتية صلبة كما هو حال الكتائب (أمين الجميل) أو القوات اللبنانية. فالكتائب والقوات تعتمدان على قواعد حزبية ثابتة ونواة تقليدية صلبة وكتلة تصويتية لا تتغير كثيرا بين دورة انتخابية وأخرى. والأمر نفسه ينطبق على حزب الطاشناق (الأرمن) وإلى حد ما حليفه الحزب القومي الذي يتمتع بشعبية معقولة في الوسط الأرثوذكسي المتني باعتبار أن مؤسسه انطون سعادة ينتمي إلى تلك الطائفة والمنطقة.

أصوات الجميل ثابته نسبيا ومضمونة إلى حد كبير في دورة الانتخابات المقبلة. بينما أصوات الجنرال ليست ثابتة ومضمونة له في اعتبار أنها ليست له في كل الأحوال. فالطاشناق يمكن أن يغير تحالفاته واتجاهاته في الدورة المقبلة في حال جرت انتخابات الرئاسة في موعدها وجاء رئيس للجمهورية يعتمد توجهات مغايرة للرئيس الحالي إميل لحود. كذلك الاحتمال نفسه يمكن أن يحصل مع حليفه الحالي ميشال المر. فالمر أعطى أصواته للجنرال في الدورتين الأخيرتين في المتن الشمالي ولكنه ليس ملتزما به إلى النهاية ولا يستبعد أن يغير تحالفاته في حال تبدلت المناخات والأحوال. وعملية «تشليح» الأصوات التي أعلن عنها حلفاء الجنرال فور الانتهاء من فرز صناديق الاقتراع وجهت رسالة واضحة للجولات المقبلة.

هذه الوقائع الرقمية التي كشفتها الانتخابات الفرعية في المتن الشمالي زعزعت أركان الجنرال وكشفت مدى ضعف تياره على المستويين البنيوي والتنظيمي. واعتماد الجنرال على قوة غيره لإظهار قوته ضد خصومه مسألة مؤقتة وترتهن إلى حد كبير بمدى التزامه بأفكار غيره والتوجهات العامة للتحالفات الحزبية في تجمع «8 آذار». ولكل هذه الاعتبارات الواقعية اعتبرت الكثير من التحليلات أن الجنرال تلقى لكمة على أنفه قبل أسابيع من انتخابات رئاسية يطمح لترشيح نفسه لأخذ مقعدها.

فوز التيار العوني بمقعد ماروني في المتن جاء بأصوات غير مارونية، كما قال حلفاء الجنرال. وهذا الادعاء بحد ذاته شكل ضربة سياسية لطموحاته الرئاسية، لأنه كشف من جهة عن ضعف نواته الصلبة وأظهر من جهة أخرى مدى اعتماده على أصوات أحزاب تقليدية ليست مضمونة دائما إلى جانبه.

في المقابل أظهرت القوى المنافسة أنها تمتلك قواعد تقليدية ثابته لا تتغير إلا بحدود نسبية في اعتبار أنها تستند إلى نواة صلبة من الصعب كسرها أو تعديلها كما هو حال تيار الجنرال. عون جنرال سابق في الجيش اللبناني، وهو لايزال حتى الآن يحتفظ بتلك الرتبة... ولكنه أصبح أشبه بالجنرال من دون جيش.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 1800 - الجمعة 10 أغسطس 2007م الموافق 26 رجب 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً