العدد 1800 - الجمعة 10 أغسطس 2007م الموافق 26 رجب 1428هـ

معضلة البنى الثلاث

فوزية مطر comments [at] alwasatnews.com

كلما استجدت أزمة على هذه الأمة نصبنا الطاولات وصففنا الكراسي ووضعنا الأوراق والأقلام ورحنا نعصف بالأذهان حتى نهتدي إلى الأولويات.

وكثيرا ما أصاب عقلاؤنا في تحديد تلك الأولويات، وكثيرا ما أرشدنا مفكرونا إلى حيثياتها. ولكنهم/ ولكننا وفي كل المرات لا نكمل الطريق، تعترضنا العوائق، توقفنا، نظل محلك سر، ثم لا نلبث أن نعود مدبرين نحو المربع الأول. يقول الوزير السابق علي فخرو في محاضرة له خلال الشهر الماضي عن «أولويات العمل العربي»: «أول ما يجب أن نعترف به هو أننا اليوم نقف في المربع نفسه، الذي كانت فيه أكبر ثورة قومية عربية في القرن الماضي (يقصد الثورة المصرية)، فالحياة السياسية العربية لم تتحرك ولم تتبدل بالشعب حتى لو ادعت أنها تتحرك من أجل الشعب، والفضاء الذي كانت الثورة تريد أن تحلق فيه بات اليوم أكثر تلبدا وتعقيدا ووصل إلى مرحلة يكاد يكون فيها ظلام دامس».

لا أحسب أن مراوحة الوضع في مكانه تقتصر على الحياة السياسية، إنها تشمل شتى مناحي حياتنا الاقتصادية، الثقافية، الفكرية، الإبداعية والتربوية. نحن أمام معضلة عامة تكمن في عدم قدرتنا على التقدم أكثر، هذا إن لم نعد أدبارنا إلى المربع الأول.

ما الذي يلمُّ بنا؟ ما الذي يجعلنا دوما رهن المراوحة في المربع الأول؟

قبل البحث عن إجابات وكيلا نظلم أنفسنا نقول: إن البعض منا قد يبلغ - في هذا الحقل أو ذاك - مربعا ثانيا أو ثالثا أو أكثر، والقلة القليلة هم من يحققون التقدم الفعلي، إلا أنه يظل ذاتيا ومحصورا وقد يقع - في بعض جوانبه - فريسة المراوحة العامة في المربع الأول. نشخص الأزمات نعم، نحدد الأولويات نعم، ولكننا - كما أخال - نقع في مواطن خلل قاتل تجعلنا لا نكمل الطريق.

إننا نهمل أو ننسى أو نتناسى وضع آليات التحرك للمضي قدما في تنفيذ ما ارتأيناه من أولويات. وإن حرصنا على تلمس آليات التنفيذ، فقد لا نهتم بسبل متابعة التنفيذ ولا اعتماد وقفات التقويم والتغذية الراجعة إلى ما هو قيد التنفيذ. نفتقد ذلك كثيرا على رغم كونه عماد علم التخطيط ووضع الاستراتيجيات التي يعرفها كل مختصينا وفي ميادين العلوم والتخصصات كافة. لذلك تبقى أولوياتنا ميتة جامدة؛ لكوننا لم نبث فيها روح التنفيذ المبرمج، فتميع ويمسخ مذاقها وتحل الأزمة. نمتص الأزمة ونتعايش مع تداعياتها السلبية على واقعنا ونتأخر، ونبقى كذلك لحين وقوعنا في أزمة أخرى تدفعنا إلى أن نتنادى من جديد لإعادة ترتيب الأولويات. مثلبتنا الكبرى إذا هي التعثر في الطريق والتوقف عند مستوى معين بل ربما ترك قليل المكتسبات تفرط من بين أيدينا فتكر بعد ذلك سبحة الخسائر والعودة للوراء. أحسب أن هذا الوضع المتردي مرتبط كثيرا بطبيعة البنية العقلية والنفسية والفكرية العربية شعوبا وقيادات.

العقلية العربية هي عقلية ترَبت وكوّنت مهاراتها في أطر ذهنية ومنطق المسلَمات، وفي حدود الذهنية والقيمية القبلية. وأطر ذهنية المسلمات تكرس - في الغالب - عدم الذهاب للأمور بمعطيات العلم وعدم اعتماد التفسير الموضوعي للمتغيرات. العقلية العربية لا تعتد بمعطيات التفكير العلمي القائم على الحقائق وتحليلها. أما حدود الذهنية القبلية فتكرس سلطة الفرد والامتثال لقول الكبير واعتماد الرأي المسبق وعدم الاعتراف بالآخر والعاطفة والخطابية في تحليل وتفسير المتغيرات. ذهنية أطر المسلمات وحدود القبلية هي التي تأخذنا إلى اتخاذ المواقف وتحدد فحواها. والنفسية العربية الراهنة نفسية محبطة في الغالب بما كابدته من سلسلة الإخفاقات وما واجهته من تداعيات التجارب الفاشلة وخيباتها على الصعد الحضارية والإنسانية كافة وشتى مجالات الحياة. وذلك - بظني - مرتبط بانحسار الجانب العقلاني في تفكيرنا وأنماط تعاطينا مع الحياة. لقد أفرزت الاحباطات وعلى مدى عصور طويلة طابع التعاطي السلبي غير الفعال مع الواقع من حولنا بما يعكسه من سمات سلبية في عموم الشخصية العربية كانعدام الثقة بالذات والخوف والذاتية والغيرة والنكوص والانسحاب. انعدام الثقة يؤدي لغلبة التردد فيبعد النجاح ويولّد الفشل. والخوف يفسح المجال لروح الانهزام ويقلل فرص بروز فرسان حقيقيين يخوضون غمار معارك التغيير بجسارة ويقبلون بتحمل نتائجها. والذاتية والغيرة تحيلان العمل الجمعي والمجتمعي إلى سلم يتسلق على عتباته غير الأكفاء من ذوي المصالح والمطامح الشخصية. أما النكوص والانسحاب فيتمظهران في الكسل والبلادة واللامبالاة التي يمكن اعتبارها أسبابا مباشرة لقلة الإنجاز.

أما البنية الفكرية العربية فقوامها كوننا أمة أميّة على الصعيدين اللغوي والتقني (خلال 2005 حذرت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «أليكسو» من أن الإحصاءات تشير إلى ارتفاع عدد الأميين العرب إلى 70 مليونا، وهي نسبة تقارب ضعف المتوسط العالمي. ولا تتجاوز حصة مستخدمي الانترنت في المنطقة العربية 2.0 في المئة من العدد الإجمالي للمستخدمين في العالم).

كما أننا ومنذ انتهاء العصر الذهبي للنهضة الإسلامية ودخولنا عصور الانحطاط تدرجنا في تكوين اتجاهات سلبية نحو المعرفة. لقد غدونا أمة لا تقرأ، أمة تجافي الكتاب مقتصرة في اكتساب معارفها المحدودة على المسموع موروثا كان أو مُلقنا عبر توظيف وسائل اتصال متطورة في تكريس معرفة سطحية. أصبح مخزوننا المعرفي يحول دون وقوفنا على الواقع الموضوعي للمعضلات المعاصرة، ويحول دون مواجهتنا لها بحلول تعتمد التحليل الجاد وتأخذ بالحقائق والوقائع. ومادمنا كذلك فأين نحن من حسم موقف من القضايا الفكرية ذات التأثير المباشر على حياتنا والتي يشكل حسمها مصلحة وتقدما لإنسان هذه الأمة ولأجيالها القادمة. وما دمنا أسرى المعارف السطحية فستظل تلاحقنا الأزمات وسنظل عاجزين عن مواجهتها، لا نملك سوى توسل الماضي نصا وتاريخا في إسقاط أجوف وجامد وغير مجد على حاضر صعب يرفل بالأزمات.

أزمة البنية العقلية والنفسية والفكرية العربية عامة تشمل الفرد العربي والنظام الرسمي العربي، بل هي تطال حتى المفكر العربي والمبدع العربي والمثقف العربي. لكل نصيبه زاد أو قصر في أحد المستويات العقلية أو النفسية أو الفكرية. هل من مخرج من واقع متأزم كهذا؟

المخرج - بظني - يأتي من داخل البنى الثلاث، بدءا بالفهم الموضوعي الواعي لتركيبتها، ومن ثم التقدم بجسارة مشفوعة بإرادة حقيقية وعزم وصبر ونفس طويل نحو خلخلتها وقلبها رأسا على عقب بتحويل سماتها السلبية إلى أضدادها الإيجابية.

إقرأ أيضا لـ "فوزية مطر"

العدد 1800 - الجمعة 10 أغسطس 2007م الموافق 26 رجب 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً