العدد 1848 - الجمعة 28 سبتمبر 2007م الموافق 16 رمضان 1428هـ

الرازي... ومأساة فيلسوف جرّد من لقب يستحقه

طلائع الفلسفة العربية/ الإسلامية (6)

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

تشكّل «السيرة الفلسفية» التي كتبها الرّازي (أبوبكر محمّد بن زكريا) دفاعا عن نفسه نقطة انطلاق لقراءة حياة هذا الطبيب الفيلسوف. فالرّازي تعرّض إلى حملات عنيفة اتهمته بالكفر والإلحاد والفجور والانجراف نحو اللهو والملذات. وشكّلت حملات التشهير ضده مناسبة للرد عليها في سيرته. فالسيرة تعكس قلق هذا الطبيب العبقري الذي ساهمت كتاباته الموسوعية عن الطب في تنوير البشرية وانقاذ حياة الملايين من أمراض الحصبة والجدري. وموسوعة «الحاوي» التي بلغت 20 مجلدا ترجمت إلى اللاتينية وطبعت خمس مرات ولعبت دورها في تطوير العلوم الطبية حين اعتمدتها الجامعات الأوروبية في عصر النهضة مرجعا أساسيا. كذلك ساهم كتابه عن أمراض «الجدري والحصبة» في توضيح الكثير من خفايا هذه الأمراض وأسلوب التعامل معها ومكافحتها. وبسبب أهمية هذا الكتاب ترجم أيضا إلى اللاتينية وطبع 40 مرة وشكّل مادة للدراسة والتعليم في الجامعات الأوروبية بين 1498 و1866.

حتى القرن التاسع عشر صمد اسم الرازي في أوروبا إلى جانب ابن سينا والغزالي وابن رشد. ولكن هذا الطبيب العبقري ظل يعاني في حياته وبعد مماته من الإهمال والظلم والإسقاط بسبب تلك التهمة التي لاحقته على مر الأجيال. حتى صاعد الأندلسي شنّ عليه حملة تكفير في كتابه «طبقات الأمم». فصاعد أسقط عنه شرف الفلسفة ولقب الفيلسوف فهو كما يراه «طبيب المسلمين غير مدافع، وأحد المهرة في علم المنطق والهندسة وغيرها من علوم الفلسفة». ولكنه «كان في ابتداء تعلمه يضرب العود» وحين تعلّم الفلسفة كتب في «صناعة الطب وسائرها في صنوف من المعاني الطبيعية والإلهية». صاعد الذي جاء بعد الرازي بنحو 150 سنة اعترف له بصناعة الطب ولكنه أسقط عنه معرفته في العلم الإلهي فهو كما يراه «لم يوغل في العلم ولا فهم غرضه الأقصى، فاضطرب لذلك رأيه وتقلّد آراء سخيفة وانتحل مذاهب خبيثة وذم أقواما لم يفهم عنهم ولا هدى لسبيلهم» (ص 137).

انتقاد صاعد العنيف وملاحظاته القوية ضد كتابات الرازي في «الطب الروحاني» و«فيما بعد الطبيعة» و«العلم الإلهي» و«القول في القدماء الخمسة» تختصر مأساة هذا «الفيلسوف» الذي جرّد من اللقب استنادا إلى سوء «سيرته الذاتية» وسلوكه الشخصي. فصاعد يعتمد في ملاحظاته السلبية على تلك الكتابات والردود التي نشرت في حياة الرازي وبعد مماته. وبسبب حملات التشهير التي تعرّض لها أضطر الرازي إلى كتابة «سيرته الفلسفية» لتوضيح جوانب غامضة من حياته وشخصيته.

اتخذ الرازي من الفيلسوف اليوناني سقراط بطلا لسيرته. وبنى على سقراط وحياته المأسوية والظلم الذي لحقه حتى اتخذ قرار الانتحار ذاك «النموذج» المحتذى أو المثال الممكن اعتماده ردا على حملات الافتراء والتشهير.

الرازي لا يدافع عن «إمامنا سقراط» كما يقول بل يحاول أنْ يصحح الروايات المنقولة عن سيرته. فسقراط ليس كما يراه البعض «لا يأكل لذيذ الطعام ولا يلبس فاخر الثياب ولا يبني ولا يقني ولا ينسل ولا يأكل لحما ولا يشرب خمرا ولا يشهد لهوا». فمثل هذه الأمور «التي أثروها عن سقراط قد كانت منه في ابتداء أمره إلى مدّة طويلة من عمره، ثم انتقل عن كثير منها حتى أنه مات عن بنات وحارب العدوّ وحضر مجالس اللهو وأكل الطيبات إلا من اللحم وشرب يسير المسكر». (السيرة الفلسفية، ص 99).

تصحيح الرّازي للروايات المنقولة عن سقراط استهدف أصلا الدفاع عن سيرته التي وجد فيها «أهل النظر والتمييز والتحصيل» تشكل انحرافا عن «سيرة الفلاسفة». فالفلاسفة ومنهم سقراط برأي الرازي انصرفوا إلى «الشهوات والشغل بالملذات (...) حتى إذا وغل فيها وقرت الأمور به قرارها سقط الإفراط فيها ورجع إلى الاعتدال».

سرد الرازي لسيرة سقراط تقصّد منه الرد على منتقديه واتهامه بالتعامل مع السلطة والتعاون معها بحثا عن معاش وملذات. فهو يجد نفسه بناء على ما طرحه من معلومات أنه ليس مخالفا «للأمر الأحمد من سيرة سقراط». لأن خلافه مع سقراط «ليس في كيفية السيرة بل في كميتها» (ص100).

العيب برأي الرازي «ليس الانهماك في الشهوات وإيثارها الأمر الأفضل الأشرف (...) لكن الأخذ من كلّ حاجة بمقدار ما لابدّ منه أو بمقدار ما لا يجلب ألما على اللذة المصابة منها». فالعيب برأيه في الإفراط لا في الاعتدال حتى لو خالف بعض المحرّمات. وهكذا يرد الرازي على منتقديه وأؤلئك الذين جرّدوه من لقب فيلسوف مستخدما سيرة سقراط الصحيحة والحقيقية ليؤكّد أنه يستحق هذه التسمية «ونحن وإن كنّا غير مستحقين لاسم الفلسفة، بالإضافة إلى سقراط، فإنا مستحقون لاسمها بالإضافة إلى الناس غير المتفلسفين». (ص 101).

دفاع الرازي عن سيرته الشخصية مقارنة بكشفه السيرة الصحيحة لسقراط لم يشفع به بل تواصلت حملات التشهير ضده إلى درجة الافتراء. وخوفا على نفسه اضطر إلى توضيح بعض أسرار حياته الذاتية وتقديم عيّنة لما قدّمه من نتاجات فكرية وفلسفية. فهو يريد اللقب ويرى أنه يستحقه؛ لأن سيرته لا تخالف حياة الفلاسفة الكبار، كذلك فإن ما أنتجه في حياته يشكّل مادة كافية لتأكيد حقه في أخذ موقعه في عالم المعرفة والفلسفة.

سيرته ليست سيئة كما يقول إذا قورنت بغيره كذلك اشتغاله واستيعابه للمعارف في مختلف حقولها تشهد عليها أعماله وكتاباته. فهو لم يقصّر في هذا المجال وقام بإنتاج أعمال وتأليف كتاب «لم يسبقني إليه أحد من أهل المملكة ولا احتذى فيه أحد بعد احتذائي وحذوي. وكتبنا في صناعة الحكمة التي هي عند العام الكيمياء، وبالجملة فقرابة مائتي كتاب ومقالة ورسالة خرجت عنّي إلى وقت عملي هذه المقالة في فنون الفلسفة من العلم الطبيعي والإلهي». وعلى هذا يرى الرازي أنه يستحق لقب فيلسوف «فإنْ لم يكن مبلغي من العلم المبلغ الذي استحق أن أسمّى فيلسوفا فمن هو ليت شعري ذلك في دهرنا هذا» (ص 109).

طموح الرّازي إلى انتزاع لقب «فيلسوف» دفعه إلى شرح ملابسات سيرته الذاتية وعلاقته بالسلطة وحبّه للقراءة واطلاعه على كلّ ما صدر إلى عهده من الكتب فضلا عن كدحه اليومي وعمله الدائم والثابت ومن دون انقطاع. فعن علاقته بالسلطة يقول: «فإني لم أصحب السلطان صحبة حامل السلاح ولا متولي أعماله، بل صحبته صحبة متطيّب ومنادم يتصرّف بين أمرين» وهما كما يحددهما الرازي العلاج والمشورة. وعن علاقته بالمال يقول: «ولا ظهر مني على شره في جمع مال وسرف فيه ولا على منازعات الناس ومخاصماتهم وظلمهم». وعن الملذات يقول: «أمّا حالتي في مطعمي ومشربي ولهوي فقد يعلم من يكثر مشاهدة ذلك منّي أنّي لم أتعدّ إلى طرف الإفراط».

الرّازي في سيرته الفلسفية يصرّ على نزعة الاعتدال عنده سواء في علاقته مع السلطة والمال والجاه أو في تصرّفه اليومي وحياته المعيشية (السكن، والطعام، والشراب). التطرّف الوحيد الموجود لديه هو إفراطه في القراءة والكتابة والعمل والكدح. فهو كما يقول عن سلوكه في حقول المعرفة الأكثر تطرفا «فأما محبتي للعلم وحرصي عليه واجتهادي فيه فمعلوم عند مَنْ صحبني وشاهد ذلك منّي. أني لم أزل منذ حداثتي وإلى وقتي هذا مكبّا عليه حتى إني متى اتفق لي كتاب لم أقرأه أو رجل لم ألقه لم التفت إلى شغل بتة دون أن آتي على الكتاب وأعرف ما عند الرجل». وليؤكّد الرّازي حسن سيرته الفكرية يعطي أمثلة عن ما فعله في حياته من إنجازات ويقدّم عيّنة عن ذلك فيشير «أنه بلغ من صبري واجتهادي أني كتبت في عام واحد أكثر من عشرين ألف ورقة. وبقيت في عمل الجامع الكبير (يقصد الموسوعة) خمس عشرة سنة أعمله الليل والنهار حتى ضعف بصري، وحدث عليّ فسخ في عضل يدي يمنعانني في وقتي هذا عن القراءة والكتابة، وأنا على حالي لا أدعهما بمقدار جهدي وأستعين دائما بمَنْ يقرأ ويكتب لي». (ص 110).

المأساة التي استعرضها الرّازي تشكّل عيّنة عن فضاءات عصر. فهو يعترف بالتقصير في «الجزء العملي» ويقصد الالتزام الخلقي بالواجبات والمحرّمات ولكنه يطالب بأخذ حقه في الجوانب الأخرى «فما عسى أنْ يقولوا في الجزء العلمي». وهذا الفصل بين «العملي» و«العلمي» الذي اعتمده الرّازي توخيا لانتزاع لقب «فيلسوف» لم يشفع له في تعديل صورته عند العامّة والفقهاء وكلّ العاملين في حقول الشريعة والحكمة. هذه المشكلة تحوّلت إلى تراجيديا في حياة الرّازي وهي ما دفعته في أيامه الأخيرة إلى القول «فإن كان المقدار الذي أنا عليه من هذه الأمور عند هؤلاء القوم يحطني عن رتبة الفلسفة في العمل وكان الغرض من حذو سيرة الفلسفة عندهم غير ما وصفنا فليثبتوه لنا مشاهدة أو مكاتبة لنقبله منهم إنْ جاءوا بفضل علم، أو نردّه عليهم إن اثبتنا فيه موضع خطأ أو نقص (...) فإنْ كانوا استنقصوني فيه فليلقوا إلي ما يقولونه في ذلك لننظر فيه ونذعن من بعد بحقهم أو نرد عليهم غلطهم» (ص 111).

توفي الرازي في بغداد حاملا معه لقب «الطبيب الملحد» ولم تشفع له دراساته وبحوثه وموسوعته العلمية وكلّ أعماله الفكرية والكتابية في تغطية حياته اليومية (العملية). فكلّ مَنْ عاصره اعترف له بعلمه وعلومه (الطب والكيمياء) ولكن جيله والأجيال التي جاءت بعد رحيله لم تعترف له بلقب «فيلسوف». فهذه التسمية أعطيت ابتداء للكندي الذي عاش قبله بسنوات وكان الرازي في سن الطفولة، ثم الفارابي الذي جاء بعده بسنوات وكان الرازي في آخر مراحل الشيخوخة.

إنها مأساة مثقف قلق. ولكنها أيضا تعكس ممانعة ثقافة قلقة تخاف على هوية تعرّضت آنذاك لهجمات بهدف تمزيقها وتشتيتها. مأساة الرّازي ليست منعزلة عن محيط تتجاذبه تيارات وأفكار واتجاهات وسياسات شكّلت مجموعة أخطار زادت من مخاوف العلماء والمجتهدين. فالرّازي في النهاية ابن عصر. وقراءة تراجيديا الفيلسوف (الطبيب الملحد) لابدّ أن تبدأ بقراءة سيرة عصره وتلك التضاعيف التي رافقته من ولادته في الري إلى رحيله في بغداد.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 1848 - الجمعة 28 سبتمبر 2007م الموافق 16 رمضان 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً