ما هي الحكومة؟

الناس لا يعيشون منعزلين عن بعضهم الآخر، بل أنهم يتعاملون ويعتمدون على بعضهم الآخر. أكثرية الناس لا يزرعون ما يأكلون، لا ينسجون ما يلبسون، ولا يبنون المنازل التي يسكنون فيها، والمنتجات التي يستخدمها الأفراد، والأنشطة التي يقومون بها والعلاقات والمعاملات، جمعيها شئون معقدة تحتاج إلى ترتيبات لكي يقوم كلّ فرد بأداء دور معيّن مقابل مردود معيّن. كيف تمنع السرقة، الاستعباد، الاعتداءات، المناوشات، الخلافات خلال هذه المعاملات؟ كيف يطمئن الفرد أنْ يسير في الطريق بأمان؟ كيف يمكن المحافظة على الأرواح والممتلكات؟ هنا يكمن دور الحكومة ومفهومها.

- الحكومة هي الهيئة التي تمتلك القوة لفرض الترتيبات والأحكام والقوانين المتعلّقة بجوانب حياة الأفراد المشتركة. والحكومة بحاجة إلى شرعية أو قبول من نوع ما (حتى لو كان سكوتا، فالسكوت عنها علامة من علامات الرضا)؛ لكي تتمكن من القيام بدورها لحفظ الأمن ورعاية المصالح المشتركة؛ ولكي يستطيع أفراد المجتمع من تسيير شئون حياتهم.

- الحكومة (السلطة) التي تصدر قرارات لا يتبعها أحد ليست حكومة وليست سلطة. المؤسسة الحاكمة التي تفرض قراراتها بالقوة على أفراد المجتمع ودون شرعية تتحوّل من وضع الحكومة الشرعية وتقترب إلى الحكومة المتسلطة أو الى وضع الجيش المحتل.

- الحكومة التي تقترب من وضعية جيش الاحتلال بحاجة إلى توظيف قواتها بصورة مستمرة لفرض قوانينها على أفراد المجتمع. أمّا الحكومة الشرعية فهي تلك التي يعترف لها أفراد المجتمع بحقّها في إصدار القرارات وتسيير شئون المجتمع.

- الحكومة هي أهم مؤسسة تؤثر على الأفراد. ولكن هناك مؤسسات أخرى لها أثرها في تسيير شئون المجتمع، مثل: الشركات، الجمعيات المهنية، المساجد، النقابات، الجمعيات الخيرية، النوادي، الجمعيات الطوعية، الجامعات، وغيرها لها دورها في تسيير شئون الناس. والفرق بين هذه المؤسسات (أو الحكومات المصغرة) والمؤسسة الحكومية، هي سعة المساحة المتاحة للتصرّف. فالحكومة لها سلطة على الممتلكات وشراؤها، وإصدار القرارات التي تحكم طبيعة المعاملات بين الناس والقدرة على معاقبة المخالفين لقرارات الحكومة. الحكومة تستطيع أنْ تسجن، أنْ تطرد، أنْ تقتل عندما تتشدد في استخدام سلطاتها.

- الحكومة لها سلطة أعلى من «الحكومات المصغرة» المتفرقة الموجودة في المؤسسات المختلفة داخل المجتمع (الشركات، الجمعيات، إلخ). وتستطيع الحكومة أنْ توجّه تلك المؤسسات بالقوة، حتى ولو كانت تلك القوة مكلفة. وإذا قررت تلك المؤسسات مواجهة الحكومة العليا، فإنها تدخل في صراع يهدف منه إيقاف الحكومة عند حدّها أو إسقاطها.

- أشكال الحكومة: تتخذ الحكومة عدّة أشكال تبعا لمصدر شرعيتها. فقد ورد في حديث سابق بأن الصلاحية التي تعتمد عليها السلطة هي أساسا ثلاثة أنواع: صلاحية العادات والتقاليد، الصلاحية المستمدة من العقلانية (الدستور مثلا)، والصلاحية المستمدة من الهيبة التي تتوافر لبعض القادة. لكن الحكومة هي حكومة، بمعنى أنّ لها سلطات واسعة لتسيير شئون الناس. وحتى الحكومة الشرعية المنتخبة؛ فإنها تستخدم صلاحيات واسعة لتسيير شئون الناس من دون الرجوع إلى الناخبين في الأمور اليومية. فالحكومة التمثيلية تخضع للمحاسبة الانتخابية الدورية ولكنها تستطيع أنْ تمارس سلطاتها بحسب ما تقرره من مصلحة عامة مابين فترات الانتخابات.

- لقد نظر الفلاسفة لأفضل شكل من أشكال الحكومات. والتنظير يعتمد على عوامل خاصة بالفكر وعوامل خاصة بالناحية العملية الإجرائية. على أنّ الزمان والمكان يلعبان دورهما أيضا في تحديد أفضل الأشكال الحكومية. ويمكن استقراء عدة أشكال للحكومة.

- الحكومة الدينية الرسالية: وتعتمد الحكومة في هذه الحالة على أنبياء ورسل وأئمة أو خلفاء لهم قدسية، وهم الذين استمدوا صلاحياتهم من العقيدة الدينية. فالرسل عليهم السلام الذين أقاموا حكومة بين الناس، أقاموها على أساس المصدر الديني ـ الإلهي، الذي يعتبر المصدر الأساسي لصلاحيتهم. والهدف من الحكومة الدينية هي تنفيذ إرادة الله في الناس من خلال تطبيق أحكام الدين، كما عمل موسى (ع) والرسول الأعظم (ص).

- الحكومة الدينية الثيوقراطية: وهي عندما يسيطر رجال الدين بصورة مطلقة على الحكم، كما كان في أوروبا في القرون الوسطى، ويعتبرون أنفسهم المصدر الشرعي الوحيد لتسيير شئون الناس.

- الحكومة الملكية المطلقة: وهي التي يسيطر فيها أفراد عائلة معيّنة يتوارثون الحكم أبا عن جد من دون دستور أو عقد اجتماعي. وقد كان الملوك يدّعون بأن حكمهم مستمد من «حق إلهي». غير أنّ علماء السياسة يرون أنّ مصدر الشرعية لهذا النوع من الحكم الوراثي (والمطلق) هو عدم وجود معارضة أو مقاومة لمثل هذا الحكم الذي يطلب من الناس إطاعته بصورة مطلقة تحت الترهيب والترغيب. وهذا يعني القبول من خلال «عدم المقاومة» و«عدم المعارضة». ولهذا فإنّ الحكومة الملكية المطلقة تسعى دائما للقضاء على أية مقاومة أو معارضة، فليس المهم أنْ توالي الحكم أو تؤمن بأحقيته في الحكم، إنما المهم أنْ تبتعد عن المعارضة، وأنْ تخاف من الاشتراك في المعارضة.

- الحكومة الملكية الدستورية: وهي الحكومة التي تتزعمها عائلة مالكة، ولكنها تخضع لحدود من دستور متفق عليه مع الشعب. وفي الدول المتقدمة فإنّ العوائل المالكة ليس لها دور تنفيذي ولاتنافس المواطنين في الحياة اليومية، وإنما تحتفظ بدور رمزي يمثل السيادة القائمة على حكم برلماني منتخب مباشرة بواسطة الشعب. بمعنى آخر فإنّ العائلة المالكة مرتبطة مع الشعب من خلال «عقد اجتماعي» بين الطرفين.

- الحكومة الدستورية القائمة على التمثيل الشعبي (الجمهورية): وهذه الحكومة تشبه النظام الملكي الدستوري على أساس انها حكومة تمثيلية. والمقصود بالحكومة التمثيلية (Representative Government) هي أنّ أفراد الشعب ينتخبون ممثليهم للسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية لممارسة دورهم في تسيير شئون المجتمع وإصدار القوانين المستمدة من الدستور، أو العقد الاجتماعي المتفق عليه بين جميع الاطراف في المجتمع. والحكومة التمثيلية تخضع للانتخابات الدورية للتأكد من سيرها بحسب الإرادة العامّة للمجتمع.

- حكومة الحزب الواحد: وهي عندما تكون الحكومة نابعة من حزب اجتماعي واحد مرخص له دون غيره باعتباره أنه صاحب الفكر الأحق في إدارة شئون المجتمع. وهذا ما كانت عليه أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي، وحاليا الصين، وعدد من الدول الأخرى. ويؤمن الحزب الواحد بأنه يمارس الديمقراطية بصورة «مركزيةّ» وأنّ جميع افراد الشعب يستطيعون المشاركة في الحكم شريطة أنْ يدخلوا هذا الحزب وأنْ يعملوا داخل هذا الحزب فقط.

- الحكومة العسكرية - المخابراتية: وهي الحكومة التي يسيطر عليها العسكر و المخابرات وذلك من خلال إضعاف المؤسسات المدنية الأخرى أو تذويبها وإخضاعها لسطات أجهزة سرية.

- حكومة الفرد المستبد: وهذه تشبه الحكومة العسكرية - المخابراتية سوى انها تقوم على مركزية فرد واحد مدعوم من قبل أجهزة الأمن والمخابرات والجيش.

- حكومة الخبراء: وهي الحكومة التي يسيطر عليها الفاهمون والخبراء والمتعلمون دون غيرهم. وهذا النوع يشبه ما دعا إليه أفلاطون في كتابه «الجمهورية». غير أنّ حكومة الخبراء لا تصلح في العصر الحالي لتشكيل الحكومة الوطنية؛ لأنها تحتاج لموافقة افراد المجتمع. ولكن «حكومة» الخبراء يعمل بها في غير «الحكومة الوطنية». مثلا، الشركات التجارية والصناعية، والمؤسسات المتخصصة وغيرها، مازالت يحكمها «الخبراء» والمتخصصون القائمون عليها الذين يطرحون مفهوم «الحوكمة». غير أنّ الشركات وغيرها من الجمعيات المتخصصة تخضع لحكم «الحكومة الوطنية» التي تنفذ القرارات بصفته القوى الأكبر داخل حدود بلد معين.

- الحكومة الارستقراطية: وهي الحكومة التي قد تبدأ كحكومة خبراء وفاهمين، وثم تتحوّل الى طبقة تحصل على ميزات (تحرم منها الطبقات الأخرى) كالرعاية الصحية المتطوّرة والتعليم المتفوق والاتصال الدائم والمباشر بمواقع القرار والسلطة. وهذا يوفر الفرصة لتداول السلطة في إطار طبقة مرفهة دون غيرها.

- هناك بطبيعة الحال أشكال مخلوطة. فقد تكون الحكومة «حكومة العائلة الواحدة» ويسيطر أيضا عليها فرد متسلّط. كما أنّ جميع الحكومات التي تستمد صلاحياتها من المجتمع بحاجة إلى مبادئ سامية لتوجيه وإرشاد تلك الشرعية. فالحديث عن الصحيح والخطأ، والحلال والحرام، والأخلاقي وغير الأخلاقي يخضع للقيم المتركزة في ذلك المجتمع. فالحكومات الغربية، مثلا، تعتمد (بصورة عامّة) على القيم المسيحية - اليهودية لتحديد المفاهيم العامّة للصح والخطأ.

- فلسفة الحكم أساسا قائمة من أجل غايات معينة، يذكر منها تلك التي «تعلنها» الحكومات:

(1) تنفيذ حكم الله.

(2) حفظ الأمن بين الناس وإشاعة الطمأنينة.

(3) رعاية مصالح المجتمع وحماية الأملاك الخاصة والعامّة.

(4) المحافظة على التراث والعادات والتقاليد.

(5) تنمية الاقتصاد والإنتاج وخلق الثروة.

(6) تحقيق المساواة بين الناس وإقامة العدل الاجتماعي.

(7) حماية الدين والمقدّسات والأماكن الدينية.

(8) حماية الأسرة والأعراض والأخلاق والآداب العامّة.

(9) حماية حقوق المواطنين وحرياتهم وكرامتهم.

(10) صد الهجوم الخارجي وحماية الدولة من الأطماع الأجنبية أو من الجهات المرتبطة بالخارج.

(11) تحقيق الوحدة الوطنية.

(12) إنقاذ البلاد من الأزمات من خلال الحكم العرفي (أحكام الطوارئ).

- وطبعاَ هناك أهداف فعلية غير معلنة تدور حول خدمة المصالح الأنانية لفرد معيّن أو حزب معيّن أو طبقة معيّنة أو عائلة معيّنة أو أي فئة أخرى ممسكة بزمام السلطة وتحاول الإبقاء على كرسي الحكم بأية وسيلة. ولكن لا توجد حكومة من الشجاعة بمكان أنْ تعلن عن هدفها إذا لم يكن ضمن الأهداف «المقبولة» المشار إليها.

- الحكومة لا تستطيع خدمة جميع الأهداف في آن واحد. فتحقيق المساواة يتضارب مع مصالح بعض أفراد المجتمع. والحكومة الناجحة هي التي تستطيع الموازنة والتوفيق بين الغايات المعلنة. ولهذا، فإنّ الحكومة الدستورية ترجع لمبادئ متفق عليها مع أفراد المجتمع لكي تحظى بالطاعة من خلال «حكم القانون». والقانون لابدّ أنْ يكون عادلاَ، بمعنى أنّ إصداره كان من أجل غاية عادلة ومقبولة، وأنّ تطبيقه يشمل جميع الأفراد من دون استثناء.

* نقاشات في ورشة عمل نظمت العام 1998

العدد 1882 - الخميس 01 نوفمبر 2007م الموافق 20 شوال 1428هـ

التعليقات (1)
التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أنت تعلق الآن كزائر .. يمكنك التعليق بـ3000 حرف عندالتسجيل من هنا

اقرأ ايضاً

شاركونا رأيكم