العدد 1939 - الخميس 27 ديسمبر 2007م الموافق 17 ذي الحجة 1428هـ

شباب مسلمي ألمانيا يكرهون الرقم 18

كولونيا (ألمانيا) - هادي يحمد 

27 ديسمبر 2007

على خلفية تمثل العلم الألماني ثلاثي الألوان (الأحمر والأصفر والأسود) يجاوره العلم التركي الأحمر بنجمته وهلاله الأبيضين، تجمّع شباب من الجيل الثاني والثالث من أصول تركية في المركز الإسلامي التابع لاتحاد المسلمين الأتراك في غرب مدينة كولونيا، لممارسة حصة ترفيهية وهم يتحدثون أحيانا الألمانية بطلاقة، ويتشاكسون بالتركية أحيانا أخرى.

وبين اللغتين والعلمين اللذين علقا على الجدار، ويفصل بينهما شريط أسود، تبدو هوية هؤلاء الشباب ثرية بازدواجية فريدة، غير أن ما لا يعلمه غالبيتهم أنهم سيجبرون حين يبلغون سن الثامنة عشرة على الاختيار والانتماء رسميا للنجمة والهلال أو إلى العلم ثلاثي الألوان؛ أي بين الانتماء إلى «الأمّة العثمانية» أو»الأمّة الجرمانية».

مثل هؤلاء الشباب هم اليوم في ألمانيا بالآلاف، حيث يجبر الشاب من أصول مهاجرة، والذي ولد في البلد من أبوين مهاجرين على الاختيار بين الجنسية الألمانية وجنسية والديه.

ففي الأسابيع الأولى من سن الثامنة عشرة يصل إلى كلّ شاب من أبوين مهاجرين، ويكون من مواليد ألمانيا نص من وزارة الداخلية يخيّره بين مواصلة حمل الجنسية الألمانية أواختيار جنسية والديه، ويمنح الشاب مهلة للاختيارحتى بلوغه 23 سنة.

«أحلاهما مر»

«خياران أحلاهما مر»، هكذا يقول ربيع العابد (19 سنة)، مضيفا «احترت أنْ أكون رسميا ألمانيا أوعراقيا رغم أنني لم أزرالعراق مطلقا».

ففي محل للهواتف الجوّالة بساحة «رودولف بلاز» في قلب مدينة «كولونيا»، وخلف طاولة البيع كان يحاول إقناع أحد زبائنه بلغة ألمانية طليقة بجدوى أحد أنواع الهواتف.

وعلى رغم من ثقافته الألمانية، ومولده بإحدى ضواحي كولونيا يقول ربيع لـ «إسلام أون لاين.نت»: «السنة الماضية حين بلغت سن 18 اخترتُ أنْ أكون عراقيا، وأنْ أزورالقنصلية العراقية لأوّل مرة من أجل إثبات عراقيتي وانتمائي إلى أمّة الإسلام والعروبة»، مضيفا: «ربما أظل عراقيا للأبد، وربما أغيّر اختياري يوما ما، فقانون الجنسية الألماني يسمح بذلك».

ويعتبر ربيع أنّ «الأصعب في الأمر هو الشعور بالتشتت الذي انتابني في الشهر الأوّل من بلوغي سن الثامنة عشرة عندما وصلني مكتوب وزارة الداخلية، وبعد تردد طويل اخترتُ جنسية والدي على رغم محاولته التأثيرعلى قراري».

«يعرقل الاندماج»

وبخلاف الكثير من البلدان الأوروبية الأخرى التي تمنح مواطنيها جنسيتها بالإضافة إلى جنسية بلدانهم الأصلية (فرنسا وبريطانيا..)، وهو ما يصطلح على تسميتهم بـ «مزدوجي الجنسية»، فإنّ القانون الألماني لا يسمح بذلك.

«طبعا مثل هذا القانون يعرقل الاندماج»، حسبما صرّح لـ«إسلام أون لاين.نت» مدير التجمع الإسلامي بألمانيا إبراهيم الزيات .

ويضيف الزيات - وهو ألماني من أصول مصرية - : «السلطات الألمانية تظن أنها بذلك تساعد على اندماج الشباب المهاجر من الأجيال الجديدة، لكنها تفعل العكس»، مشيرا إلى أن «أغلب الشباب التركي يختارون جنسية آبائهم بالنظر إلى الحقوق التي يفقدونها كأتراك إذا ما اختاروا جنسية مولدهم».

لهذا فإنّ أحد مطالب المنظمات المسلمة الألمانية هو «تنقيح قانون الجنسية بما يسمح بإزدواج الجنسية كون ذلك يساعد على اندماج أفضل»، كما يضيف الزيات. وصدّق البرلمان الألماني يوم 7-5-1999 على قانون الجنسية الجديد، والذي دخل حيز التنفيذ في يناير/ كانون الثاني 2000، ويمنح الأجانب المولودين بألمانيا لأوّل مرة في تاريخ البلد حق الحصول على الجنسية الألمانية، وهو قانون جاء ليلغي قانون 1913، والذي يعتبر أنّ الجنسية ترتبط بالانتماء إلى «العرق الألماني». ولا يسمح القانون الجديد بازدواج الجنسية.

الحرمان من الميراث

مثل حالة «ربيع» الذي اختار جنسية والديه على رغم كونه من مواليد ألمانيا، فإنّ ظاهرة اختيار جنسية الوالدين تنتشر بين شباب الجيل الثاني والثالث من الجالية التركية المسلمة.

«أنا تركية على رغم أنني ولدت هنا (ألمانيا) وتعلّمت هنا، وأشعر أنّ لي ثقافتين؛ ألمانية وتركية»، هكذا تقول «تركيان» (23 سنة)، والتي تعمل كمسئولة إعلامية بمركز اتحاد المسلمين الأتراك، مشيرة إلى أنها اختارت جنسية والدها.

وبالنسبة إلى الجالية التركية بالذات - والتي تعد أكبر جالية مسلمة بألمانيا (2.2 مليون) - فإنّ الأمر شبه محسوم؛ إذ إنّ التخلّي عن الجنسية التركية أمر يُعاقب عليه القانون في تركيا بالحرمان من كلّ حقوق الميراث على سبيل المثال، وهو أمر يرتبط بالنزعة القومية القوية في تركيا. وإجمالا يعيش في ألماني حوالي 3.5 ملايين مسلم من مجمل عدد السكّان البالغ نحو 82 مليون نسمة.

وبعد نحو 7 سنوات من بداية تطبيق القانون فإنّ نسبة حمل الجنسية الألمانية من قبل الشباب من أصول مهاجرة لا تزال محدودة، وفق الإحصاءات الرسمية.

ومن المفارقات أنّ المهاجرين الذين لم يولدوا بألمانيا عددهم أكبر بين طالبي التجنيس من الشباب من أصول مهاجرة الذين لم يتجاوز عدد من اختار منهم الجنسية الألمانية 1.18 في المئة؛ وهو ما يضع بالنسبة إلى الكثير من المراقبين للشأن الألماني فكرة الاندماج على المحك.

وحينما يتحدّث المسئولون الألمان عن جدوى القانون الجديد يضربون عدّة أمثلة منها السياسي الألماني من أصول تركية «سام ازدمير» الذي فاز بمقعد برلماني عن حزب الخضر.

وكثيرا ما يردد «ازدمير» نفسه لزائريه أنّ «المفتاح الحقيقي للاندماج والترقي بالمجتمع الألماني هو أنْ تحمل الجنسية الألمانية».

مغني الهيب الهوب الشهير بين الجيل الثاني من أتراك ألمانيا، والمعروف بلقب «ازيزا» أطلق على هؤلاء الذين اختاروا الجنسية الألمانية في أغانيه تسمية «الألمان الجدد».

ومن بين هؤلاء «الألمان الجدد» كثيرون استطاعوا ولوج مجالات الثقافة والفن والسياسة، ولعلّ من أشهرهم الكاتبة «ايمين زفقي ازدمار» التي استطاعت أنْ تقدم أسلوبا جديدا في الأدب الألماني، والسينمائي الشهير «فتيح اخين»، والممثل «تايفون بادمسوي»، وغيرهم.

أما عدم اختيار الجنسية الألمانية، وفضلا عن كونه معطلا عن الترقي في المجالات المختلفة، فإنه يشكل معضلة تضاف إلى الكثير من المشكلات الأخرى التي يعانيها الشباب من أصول مهاجرة، وخاصة الأتراك.

«مشكلة الجنسية هي من ضمن مشاكل أخرى، وخاصة القوانين الجديدة لمكافحة الإرهاب، والتي زادت من تعقيد عملية اندماج الأجيال الجديدة في المجتمع، بجانب الإسلاموفوبيا والتهميش الاجتماعي»، كما يرى إبراهيم الزيات.

العدد 1939 - الخميس 27 ديسمبر 2007م الموافق 17 ذي الحجة 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً