العدد 1956 - الأحد 13 يناير 2008م الموافق 04 محرم 1429هـ

ما بعد بوتو

Common Ground comments [at] alwasatnews.com

خدمة Common Ground الإخبارية

سيتذكرالعالم ولفترة طويلة بينظير بوتو كامرأة مسلمة حضارية عملت لفترتين كأوّل رئيسة وزراء لباكستان.

امرأة ذكية، جميلة، جذابة، مفوّهة، موهوبة، شجاعة، تتمتع بشعبية، وسياسيّة بارعة، وزعيمة سياسية نادت بباكستان ديمقراطية علمانية. تمتعت بينظير بجميع هذه الصفات، ولكن مثلها مثل والدها ذوالفقار علي بوتو، وعدد من القادة الباكستانيين الآخرين، تركت أيضا مسارا سياسيا ناقصا عكس الكثير من مشكلات الباكستان وكذلك ساهم بها.

كانت بينظير بوتو مُصلحة، مُجاهرة، فشلت في فترتين رئاسيتين في إقرار تغييرات سياسية أو اجتماعية رئيسية. فقد كانت زعيمة لم تفعل سوى القليل للعدد الكاسح من الباكستانيين الفقراء الذين يعيشون في مجتمع إقطاعي، وزعيمة نسائية بارزة لم تفعل سوى القليل، على رغم وعودها كرئيسة للوزراء، لتحسين وضع المرأة أو عكس ما يسمّى بسياسات ضياء الحق في نشر التوجّه الإسلامي. كما كانت ديمقراطية علمانية عكست قيادتها لحزب الشعب الباكستاني وحكمها كرئيسة للوزراء سياسات الباكستان الإقطاعية، مع سجل من الفساد الواسع وانتهاكات حقوق الإنسان انتقدتها المنظمات الدولية بشدة.

ومثلها مثل والدها ذوالفقارعلي بوتو، فرضت بينظير السلطة عبرأسلوب أوتوقراطي مستبدّ وهيمنة شخص واحد. أعلنت نفسها زعيمة لحزب الشعب الباكستاني مدى الحياة ولم تترك مجالا للقيادة من بين زعماء الحزب الموهوبين، حيث أرادت للحزب أنْ يبقى تراثا من أسرتها، كما ظهر من خلال «اختيار» ولدها وزوجها.

وتبرزردود الفعل السياسية الأخيرة حيال اغتيال بينظير بوتو المشكلات الرئيسية وخطوط الخلاف المتأصّلة في السياسة الباكستانية اليوم، وهي مشكلات تفاقمت بشكل متزايد في عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول. أسرع كلّ من الرئيس بوش والرئيس مشرّف في إلقاء اللائمة على تنظيم القاعدة وغيره من المتطرفين الإسلاميين، ووضع عملية الاغتيال ببساطة في مضمون الحرب على الإرهاب الدولي والقوى المعارضة للديمقراطية.

ولكن على رغم خطورة هذه القوى، وخصوصا مع نمو أعداد المقاتلين الباكستانيين وليس الأجانب، فإنّ هذا السيناريو أحادي التفكير يتجاهل التيارات المتضاربة القديمة في السياسة الباكستانية: مشكلة هوية، معمقة ومتأصّلة لم يجرِِ حلها، فيما يتعلّق بالإسلام والهوية الوطنية الباكستانية والسياسة، ودورالأحزاب والتحرّكات الإسلامية وصداماتها مع النخب التي تصطبغ بالغرب، وجيش قوي برزمن سنوات طويلة من الحكم العسكري وليس الديمقراطي، ودور الزعماء الإقطاعيين السياسيين.

وعلى الرغم من أنّ محمد علي جناح، مؤسس الباكستان وأوّل زعيم لها، رأى باكستان كوطن مسلم إلا أن فهمه الأكثر اجتماعية - ثقافية لم يكن هو فهم الكثيرين الآخرين من الزعماء ذوي العقلية الأكثر تدينا. لذا، وبينما تبنّت الباكستان هيكلا سياسيا غربيا، أخذ الكثير من الباكستانيين الهوية الإسلامية للدولة بشكل حرفي وجاد، كما اكتشف أيوب خان، الزعيم العسكري السابق الداعي إلى الحداثة، عندما اضطر؛ لأنْ يتراجع عن محاولته إلغاء اسم الباكستان «جمهورية الباكستان الإسلامية». كما أنّ ذو الفقارعلي بوتو، الاشتراكي العلماني، تحوّل نفسه إلى الإسلام بعد الحرب الأهلية بين باكستان وبنغلادش العام 1971 حتى يستطيع بناء جسورمع الدول العربية ومجابهة حزب الجماعة الإسلامية وغيره من الأحزاب السياسية وتعزيز قاعدته الشعبية. إلا أنّ التوجه نحو الإسلام أثبت أنه سلاح ذو حدين، حيث استخدم زعيم الجيش الذي عينه بوتو، وهو الجنرال ضياء الحق، الإسلام لإضفاء الشرعية على انقلابه وإعدام بوتو ونشر»التوجّه الإسلامي» في الباكستان. ومما يثير السخرية أنّ نوّاز شريف استخدم بعد سنوات طويلة ورقة الدين كذلك في كفاحه السياسي مع بينظير بوتو وحزب الشعب الباكستاني.

إلى أين نذهب من هنا؟ الواقع أنه نتج عن حرب الباكستان والولايات المتحدة «على الإرهاب» و»تشجيع الديمقراطية» زيادة خطيرة في الإرهاب وتهديدا للديمقراطية. لقد نما التطرّف الديني في الباكستان كما نما الإرهاب كذلك. لن تؤدي الأزمة الراهنة إلاّ إلى فائدة المتطرفين ومصلحتهم. لقد زاد السياسيون الإسلاميون والأحزاب الإسلامية (في التيار الرئيس والمتطرفون منهم) من شعبيتهم الانتخابية، في كلّ من انتخابات العام 2002، وبالتالي على الصعيد القومي، بما في ذلك السيطرة على إقليم الحدود الشمالية الغربية وبلوشستان. تشجيع مشرّف للديمقراطية كان ورقة توت في أفضل حالاته، من حيث معالجة السياسة الانتخابية ببراعة ودورالمؤسسة العسكرية. وعلى رغم أنّ مشرف قد نزع بزته العسكرية، يبقى الجنرالات سلطة قوية مؤثرة قادرة على التدخل في أية لحظة. ومما يؤسف له أنّ موت بينظير بوتو المأساوي نتجت عنه مرحلة جديدة من زعامة عائلة بوتو الإقطاعية لحزب الشعب الباكستاني، إلا أنه خالٍ الآنَ من الشعبية والمواهب والتجارب التي كانت بينظيرتتمتع بها.

يتطلب التحرّك قدما زعامة متنوّرة. في الوقت الذي أصبح فيه العداء الواسع للأمركة (وبتحديد أكثر، المعارضة لإدارة الرئيس بوش) في الباكستان محصناّ أكثر فأكثر، كما حصل في أجزاء العالم الإسلامي وغيرالإسلامي، يستطيع المرء على الأقل أنْ يأمل بإرساء بعض العمل الأساسي لظهور قادة جدد.

يتوجّب على مشرّف أنْ يبدأ بإعادة إرساء قواعد شبيهة بالديمقراطية من خلال إعادة تأسيس محكمة الباكستان العليا، والإعلان عن جدول زمني أكثر دقة للانتخابات الوطنية والسعي للعمل عن كثب مع الزعماء السياسيين ومن التيار الرئيس بدلا من استغلال الوضع الحالي المضعضع وبالتالي المساهمة بالمزيد من عدم الاستقرار. تستبقي الولايات المتحدة، إذا أخذنا بالاعتبار سلطتها السياسية والعسكرية، القدرة والفائدة المضاعفة للعب دور بناء بصورة أكبر في الباكستان، ولكن ذلك سوف يتطلب ليس مجرد البحث عن «مرشّح أميركي» آخر يعين زعيما للباكستان.

* أستاذ جامعي والمدير المؤسس لمركزالأميرالوليد بن طلال للتفاهم المسلم المسيحي بجامعة جورجتاون، وهو كذلك مؤلّف مشارك لكتاب «مَنْ يتكلّم لصالح الإسلام، ما يفكّر به مليار مسلم»، والمقال ينشر بالتعاون مع «كومن غراوند»

إقرأ أيضا لـ "Common Ground"

العدد 1956 - الأحد 13 يناير 2008م الموافق 04 محرم 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً