العدد 1973 - الأربعاء 30 يناير 2008م الموافق 21 محرم 1429هـ

البحرينيون متطرفون بسبب «لوثة التجنيس» (2)

خالد المطوع comments [at] alwasatnews.com

ليس جزافا القول إنه ينبغي على النخب القومية المستنيرة التي لم تصب حتى الآن بأعراض تصلب الشرايين الحزبية، وفقدان الشهية النقدية، والتواء المصالح الخاصة واختلاط أنسجتها مع الخطابات المبدئية، وليس عبثا وتلفيقا القول إنه من حق جميع هذه الأصناف النخبوية والفكرية أن تبادر في نبذ «لوثة التجنيس» والتحذير من مخاطرها المدمرة على الوازع القومي والوطني لدى الشعب البحريني وعلاقته بأشقائه الخليجيين والعرب!

فمن المناسب جدا أن يتم بحث وتناول نتائج التأزيم المتتابعة في تدمير الهوية البحرينية الوطنية وفي إثخان الوازع القومي وإطفاء الهيام «النوستلجي» بـ «أمة عربية واحدة»، وذلك اعتمادا على ثلاثية محورية رئيسية وهي المتعلقة بمحاور إثارة الحساسيات الطائفية والمذهبية، وإحياء لهجة ونمط خطابي شوفيني آخذ في التصاعد والازدياد لدى الشارع العام بمختلف شقوقه الطائفية والإثنية، إلى جانب ما تتسبب به سياسات لوثة التجنيس وبعض الخطوات الاستغلالية والانتهازية بشكل مباشر وغير مباشر في إضعاف وعرقلة إمكان وقابلية البحرين للدخول فعليّا في منظومات إقليمية تكاملية مستقبلية بما فيها المنظومة الخليجية الأقرب لنا!

فبالنسبة إلى المحور الأول وهو ما يتعلق بالإثارة الطائفية والمذهبية فلا يمكن لعاقل ومتابع محايد أن ينفي ما أسهمت وتسهم به «لوثة التجنيس» من إثارة للنعرات والحساسيات الطائفية والمذهبية لدى قطاعات عريضة من الشعب البحريني حينما تتفهم بينة أو حدسا الدوافع السياسية الكامنة وراء استجلاب موجات المجنسين بالجملة إلى أرض البلاد من فئة معينة تحديدا، وهم الذين فشلت مجتمعاتهم الأصلية من قبل في استيعابهم، وكذلك فشلوا في الانخراط في «الوئام الوطني» ببلدانهم الأصلية ناهيك من التفاوت الواضح في المستويات الثقافية والحضارية بين فئات كبيرة من المتجنسين وبين شعب البحرين المتمدن من قرن ونيف، وهو ما قد يترجم بعدها إلى سلسلة من الاحتكاكات والصدامات اليومية بين المواطنين، وممن منحوا الجنسية بدوافع سياسية بيدقية تعلو على القانون وقد جعلوا من زاوية الاستثناء سقفا شرعيّا! فإن كان الأخ الشيعي يرى في جموع المجنسين بمثابة «جموع الفزعة» الطائفية والقبلية المسستجلبة لإيقافه عند حده وتأديبه ومزاحمته في مصادر الرزق والحق المعيشي والسياسي، وكذلك لا يختلف الأخ السني عن أخيه الشيعي في ذلك كثيرا وإن كانت هنالك هوامش عبودية من المتمصلحين التي تعول على من جلبتهم «لوثة التجنيس» إلى أرض البلاد في شراء أصواتهم نيابيّا واستغلالهم بيادق حزبية وسياسية ضد خصومهم الآخرين!

لذلك لا شك في أن استمرار «لوثة التجنيس» سيسهم في زعزعة الثقة بين المجتمع والدولة وفي إضعاف الروابط الوطنية بين أفراد المجتمع الواحد، والعودة بالجميع إلى تخندقات جاهلية بشعة لا أول لها ولا آخر تسهم في ممارسة الابتزاز الطائفي والفئوي والإثني المتبادل على موائد الولاء الوطني، وتتناهب مسميات وملابس «الشعب الأصلي» ضمن سياقات طائفية وإثنية لا تحمد عقباها!

أما المحور الثاني فيتمثل في دور «لوثة التجنيس» وما تسهم به في إحياء خطاب شوفيني متعصب ومضاد وإرهابي تجاه الأجانب، ولو كان هؤلاء الأجانب إخوة لنا في القومية والدين، وذلك من خلال جلب آلاف البشر وتجنيسهم وإعطائهم حقوقا تفوق ما لدى المواطنين ليس لسبب إلا ما يشبه خلق جماعة أو شعب ثالث فوق الشعب الأصلي يحظى بحقوق وامتيازات وضمانات لطالما حلم بها المواطن الفقير والمسكين أكان سنيا وشيعيا، بل إن ذلك يفتح المجال الأمني والعسكري بمصراعيه لجموع المجنسين الجدد فيحاصر المواطن ويزاحم في الحصول على شرف خدمة الوطن والمواطنين وصون أمنه واستقراره والذود عن حياضه، مع استرجاع مثل وأمثولة وأمثلة «عذاري تسقي البعيد وتخلي القريب»!

وربما تساهم سياسة ازدواجية الجنسية أيضا على المنوال ذاته عبر منح الجنسية بشكل انتقائي ومتعمد سياسيا لفئات وعائلات وقبائل معينة من دون غيرها من عائلات ذات أصول بحرينية في أقاليم أخرى من المنطقة عسى أن يتم بذلك استغلالها وتسخيرها بشكل سياسي وانتهازي محبوك في تزوير الإرادة السياسية الشعبية وحرفها عن مسارها التلقائي أثناء المواسم الانتخابية، ومما لا شك فيه يعد كتيب «الوفاق» الذي أصدرته عن موضوع ازدواجية الجنسية هو خير مرجع موثوق ومعزز بأدلة إثبات مفحمة عن ذلك، بالإضافة إلى نماذج متعددة من شهادات حية أخرى لا حصر لها.

أما بالنسبة إلى المحور الثالث والمتعلق بعرقلة الخطوات العملية التي من الممكن أن تنتهجها البحرين في الانخراط الفعلي والواقعي في منظومات إقليمية تكاملية ومندمجة، ومنها المنظومة الخليجية على سبيل المثال، فلعله من المناسب في مثل هذا الصدد التذكير بموضوع المخاوف الكويتية تجاه ما تسرب من أنباء عن تجنيس «فدائيي صدام» في البحرين، وكيف رفعت حينها اقتراحات بفرض تأشيرات «فيزا» حينها على دخول المواطنين البحرينيين إلى الشقيقة الكويت على اعتبار أن «فدائيي صدام» يشكلون خطرا على الأمن القومي الكويتي، وبالتالي تكون النتيجة واقعية ومنطقية هي أن كل مواطن بحريني مشكوك في أمره، وقس على ذلك عراقيل أخرى تواجه خيارات اندماجية أخرى مع مجلس التعاون على أكثر من منوال اجتماعي واقتصادي وسياسي لابد وأن تأخذ في اعتبارها أزمة الابتذال الاجتماعي والسياسي والاقتصادي التي ترزح بها «المواطنة» والهوية البحرينية الذائبة!

ولعله من المناسب في مثل هذا الصدد التذكير بالمداخلة الشهيرة والرائعة للمناضل الوطني الكبير عبدالرحمن النعيمي أثناء ندوة المفكر السياسي الكويتي عبدالله النفيسي في «جمعية الإصلاح» حينما طرح النفيسي دعوة لقيام الدول الخليجية بتجنيس العمالة العربية بدلا من الآسيوية حتى تتمكن من صيانة هويتها الثقافية والحضارية أمام موجات التحديات الاستراتيجية المصيرية القادمة، وقد رد عليه حينها النعيمي ردا قويّا ومقنعا بأن خصوصية الوضع البحريني المتميزة عن الدول الخليجية الأخرى تجعل للأسف من عمليات التجنيس السياسية الحاصلة فيها خير عامل مفتت ومدمر للانتماء الوطني والقومي، ولا أظن أبدا أنه كان مخطئا حينها في ذلك!

إقرأ أيضا لـ "خالد المطوع"

العدد 1973 - الأربعاء 30 يناير 2008م الموافق 21 محرم 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً