العدد 1986 - الثلثاء 12 فبراير 2008م الموافق 04 صفر 1429هـ

الوضع الاستراتيجي في الخليج... دراسة استشرافية 2025

عبدالعزيز بن عثمان بن صقر comments [at] alwasatnews.com

رئيس مركز الخليج للأبحاث

تسعى هذه الورقة الى استشراف الوضع الاستراتيجي في منطقة الخليج حتى العام 2025، والبحث في المعطيات والشروط التي يمكن أن توفر فرص الأمن والاستقرار والتحول الديمقراطي في المنطقة.

وتأتي هذه الدراسة الاستشرافية في الوقت الذي تشهد منطقة الخليج الكثير من التحديات الأمنية والجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن أبرز هذه التحديات: الوجود العسكري الأجنبي، وتحديدا الأميركي، في منطقة الخليج، وأزمة الملف النووي الإيراني، وتداعيات الملف العراقي، وملف أمن الطاقة وأسعار النفط، وخطر التنظيمات الإرهابية، ومعضلة البحث عن صيغة مستقرة للعلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران.

كل هذه التحديات المتداخلة وغيرها تجعل مستقبل المنطقة مفتوحا على كل الاحتمالات. من هنا فقد بات من الضروري استشراف هذا المستقبل من قبل أبناء المنطقة المهمومين حتى يتسنى بلورة بعض الرؤى والمقترحات التي من شأنها تجنيب المنطقة مخاطر وكوارث قد تدفع بها إلى المجهول. وإن لم تخطط دول المنطقة لمستقبلها فسيخطط له الآخرون.

وفي ضوء ذلك تأتي أهمية الدراسة المستقبلية الاستشرافية لقراءة الوقائع ورصد التحولات الجارية في منطقة الخليج من أجل وضع السيناريوهات المحتملة التي يمكن أن تشهدها هذه المنطقة خلال السنوات التي تفصلنا عن العام 2025، مع تحديد ماهية السيناريو المرغوب فيه أو المأمول، الذي يحقق طموحات وتطلعات شعوب دول المنطقة، وتحديد شروط ومتطلبات تحقيقه.

وفي هذا السياق، كان لابد من أن تحدد الورقة أهم العوامل الحاكمة لمستقبل الوضع الاستراتيجي في الخليج في السنوات المقبلة ومن أبرزها ما يلي:

1. ميزان القوى في المنطقة، سواء على المستوى العسكري أم على المستوى السكاني أو الاقتصادي أو العلمي، وفي هذا السياق نعرض ومن منظار مقارن لموازين القوى بين دول مجلس التعاون الخليجي وكل من إيران واليمن والعراق، مركزين أساسا على موازين القوى العسكرية، والبشرية، فضلا عن موازين القوى الاقتصادية، والقدرات العلمية والتقانة.

2. طبيعة وحدود التعاون والتنسيق بين دول مجلس التعاون الخليجي، مع التركيز على التعاون الاقتصادي والعسكري. فهذا العامل من العوامل الرئيسية التي سترسم حدود دور دول المجلس في صياغة مستقبل المنطقة، ومدى فاعلية هذا الدور.

3. مستقبل الطلب العالمي على النفط الخليجي ومعضلة أمن الطاقة. وهذا العامل سيرسم حدود الاهتمام العالمي بقضية الأمن في الخليج.

4. التطورات الداخلية على الساحة الإيرانية وتأثيرها في مستقبل الوضع الأمني في الخليج، وفي علاقة إيران بدول مجلس التعاون. فطبيعة النظام السياسي الحاكم في إيران سوف تنعكس على دوره كمصدر للاستقرار أو لعدم الاستقرار في المنطقة.

5. أزمة الملف النووي الإيراني وتداعياتها الإقليمية والدولية، وتأثيرها في أمن دول مجلس التعاون. وأسوأ السيناريوهات المرتبطة بهذا الملف هو أن تنشب حرب جديدة بسببه.

6. مستقبل الأزمة العراقية. وسيكون لشكل هذا المستقبل تأثيراته الكبيرة في مستقبل المنطقة برمتها. فعراق مستقر وموحد ويتحرك بفاعلية على طريق التنمية هو خلاف عراق مفكك يشكل بؤرة لتفريخ وتصدير التطرف والإرهاب.

7. الوجود العسكري الأميركي في الخليج. ويعد هذا من العوامل الرئيسية المرتبطة بمستقبل الدور الأميركي في المنطقة. وهو دور سيكون له تأثيراته في صياغة مستقبل المنطقة.

8. مستقبل العملية الإصلاحية في دول مجلس التعاون الخليجي.

وانطلاقا من دراسة هذه العوامل تصل الورقة إلى تحديد خمسة سيناريوهات لمستقبل الوضع الاستراتيجي في المنطقة، مع تحديد شروط تحقق كل من هذه السيناريوهات، وانعكاساته على دول مجلس التعاون الخليجي، وأخيرا السيناريو الأكثر ترجيحا للمنطقة.

السيناريو الأول: هو سيناريو الأزمة الممتدة، أي استمرار الوضع الراهن في المنطقة على ما هو عليه، سواء لجهة الوضع في العراق، أو لجهة النفوذ الأميركي في المنطقة، أو لجهة الملف النووي الإيراني، أو الوضع الداخلي في إيران، أو العلاقات بين دول مجلس التعاون. وسيكون لهذا السيناريو إذا ما تحقق انعكاسات على دول الخليج، كاستمرار حالة القلق في شأن مستقبل المنطقة، واستمرار الصراعات الطائفية في العراق، واستمرار أسعار النفط عند معدلات مرتفعة، واستمرار الإنفاق العسكري المتزايد في دول المنطقة، وتعرض بعض دول الخليج لعمليات إرهابية.

السيناريو الثاني (الكارثي): وهو سيناريو سيتحقق في حالة توافر شروط ومعطيات من أبرزها تفكك العراق، واندلاع حرب خامسة في الخليج بسبب الملف النووي الإيراني، الأمر الذي سيترتب عليه تداعيات كارثية على المنطقة، بدءا من تصدير العنف والإرهاب إلى دول المنطقة بسبب تفكك الدولة العراقية، وتدفق اللاجئين العراقيين إلى دول المجلس، واستهداف المصالح الأميركية في المنطقة كرد فعل على الهجوم العسكري الأميركي ضد إيران، وتحرك عناصر من الجوالي الإيرانية الموجودة في دول الخليج، وكذلك تحرك بعض الفئات الشيعية من مواطني دول الخليج وقيامها بأنشطة وردود فعل احتجاجية تعاطفا مع إيران، فضلا عن احتمال تعطل الملاحة في مضيق هرمز.

السيناريو الثالث: امتلاك إيران قنبلة نووية (سيناريو هيمنة إيران النووية على الخليج)، ومن أبرز تداعيات هذا السيناريو: تحول إيران إلى قوة مهيمنة على دول المنطقة، وسيطرتها على العراق، وتمسكها باستمرار احتلال الجزر الإماراتية، وتدخلها في الشئون الداخلية لدول المنطقة من خلال تحريكها للجماعات الشيعية في هذه الدول، وهو أمر يمكن أن يدفع بدول مجلس التعاون، وتحديدا السعودية، إلى السعي بدورها لامتلاك سلاح نووي في مواجهتها.

السيناريو الرابع: وقوع الخليج تحت هيمنة أميركية ـ إيرانية مشتركة. وسيكون لهذا السيناريو تداعيات كثيرة أبرزها: قيام تنسيق استراتيجي بين إيران والولايات المتحدة سيكون في الغالب على حساب دول مجلس التعاون الخليجي، الأمر الذي سيجعل هذه الدول، وتحديدا السعودية، بوصفها كبرى دول المجلس الست، محاصرة بمحور واشنطن - طهران، الذي لن يمنع إيران من الاستمرار في التدخل في شئون دول المجلس الداخلية بموافقة ضمنية أميركية.

السيناريو الخامس (التفاؤلي): وهو سيناريو تحقيق الأمن والاستقرار والديمقراطية والتنمية في المنطقة، ومن أبرز تداعيات هذا السيناريو: تجنب التهديدات الإقليمية، وشيوع الأمن والاستقرار على الصعيد الإقليمي والخليجي، والاهتمام أكثر بقضايا التنمية والإصلاح، وهو ما سينعكس تراجعا في الإنفاق على التسلح، وسيعزر فرص الإصلاح السياسي في دول المنطقة.

وفي الختام تحاول الورقة ترجيح كفة الاحتمال لأحد هذه السيناريوهات الخمسة، فترى أن السيناريو الأول هو الأكثر رجحانا (أي سيناريو الأزمة الممتدة)، مع تزايد احتمالات التدهور فى بعض المجالات، لكن دون أن تصل الأمور إلى حد السيناريو الكارثي، اللهم إلا إذا اندلعت حرب بالمصادفة لأخطاء في الحسابات. وفي هذا السياق، فإن الأمر يؤشر إلى استمرار حالة عدم الاستقرار في العراق لفترة من الزمن حتى وإن استمر العراق موحدا، واستمرار الخلل الاستراتيجي في بعض موازين القوى في المنطقة لمصلحة إيران، واستمرار الوجود العسكري الأميركي في المنطقة ولو بحجم أقل في بعض الدول.

وكل ذلك يحتم الأمر على دول مجلس التعاون تعزيز التعاون والتنسيق في ما بينها وبخاصة في مجالات الأمن والدفاع، فهذا هو السبيل الوحيد لتعزيز قدرتها الذاتية على حماية أمنها ومصالحها في ظل بيئة إقليمية غير مستقرة. ومن المهم أن تتحسب هذه الدول لاحتمال اندلاع حرب جديدة في المنطقة ربما لأخطاء في الحسابات كما سبق القول، بما يتضمنه ذلك من ضرورات لبلورة خطط للتعامل مع التدعيات المحتملة لهذه الحرب فى حال نشوبها.

كما يستدعي قيام دول مجلس التعاون، أكثر من أي وقت مضى، بتنسيق سياساتها في شأن التعامل مع الولايات المتحدة الأميركية من ناحية، وتعزيز علاقاتها مع القوى الدولية الكبرى، كالصين وروسيا واليابان والاتحاد الأوروبي، من ناحية أخرى. كما أنه من المهم أن تقوم دول المجلس بتنويع مصادر دخلها وتعزيز قدراتها الإنتاجية مستفيدة من ارتفاع أسعار النفط وما يوفره لها ذلك من مصادر مالية تتيح لها توسيع دائرة خيارتها الاقتصادية. هذا فضلا عن ضرورة سعي هذه الدول لتعزيز عملية الإصلاح السياسي الداخلي، على قاعدة التأسيس لعقد اجتماعي جديد تقوم عليه العلاقة بين المواطن والدولة، ويرتكز على مبادئ المواطنة وحقوق الإنسان ودولة المؤسسات وسيادة القانون. فهذا هو الطريق الحقيقي لتعزيز الوحدة الوطنية الداخلية، وصد الباب أمام التدخلات الخارجية.

ملخص تنفيذي لورقة قدمت في منتدى التنمية الذي عقد في المنامة في 8 و 9 فبراير/ شباط 2008.

إقرأ أيضا لـ "عبدالعزيز بن عثمان بن صقر"

العدد 1986 - الثلثاء 12 فبراير 2008م الموافق 04 صفر 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً