العدد 2547 - الخميس 27 أغسطس 2009م الموافق 06 رمضان 1430هـ

ناتالي وود: أضواء باهرة قبل نهاية كانت فيها جثة تطفو فوق سطح الماء

كانت طفلة أميركا المدللة وعشقها أجمل نجوم الشاشة من جيمس دين إلى ألفيس برسلي

لندن - إبراهيم العريس * 

27 أغسطس 2009

هل النجاح صنو السعادة؟ هل يمكن للنجومية، في الفن أو في غير الفن، أن تضمن لصاحبها، أو صاحبتها سعادة مثلى وعيشا هنيئا؟ للوهلة الأولى قد يكون الجواب: نعم. إذ حين يشاهد الناس حياة النجوم، في الصور وعلى صفحات المجلات، أو حتى على الشاشة، يفترضون، دائما، النهايات السعيدة والعيش على الذرى. لكن الحقيقة تقول عكس ذلك. تقول إن معظم الحالات شهدت التعاسة والموت المفاجئ والبؤس، نهاية للنجوم. وحسبنا هنا، على حلقات متتالية، أن نذكر ببعض أشهر الحالات، من ناتالي وود إلى ريتا هايوارث، ومن رومي شنايدر إلى غريتا غاربو، حتى نستعير من بروست عنوان كتابه الشهير، لنقول إن المصير الحقيقي لبعض أجمل النجوم و»أسعدهم» ظاهريا، إنما كان الإخفاق في البحث عن سعادة ستتبدى في نهاية الأمر مفقودة. وهنا تبدأ السلسلة بحال من أشد الحالات غرابة: حال ناتالي وود الفاتنة التي بالكاد بتنا قادرين على نسيانها، ومع هذا علينا أن نتذكر أن وجودها وصعودها الصاعقين انتهيا بها جثة طافية فوق ماء تكرهه، وأسئلة لا تزال حتى اليوم حائرة من دون إجابات.

«إن أشد ما يرعبني في هذا الكون هو المياه، وخصوصا في عتمة الليل».

المرأة التي قالت هذه العبارة أمام صحافي نقلها بدوره لاحقا إلى رجال الشرطة، سيكون قدرها أن تموت غارقة في المياه، في عتمة الليل، بعد أيام قلائل من لقائها الصحافي وتعبيرها أمامه عن ذلك الرعب المقيم المستبد بها.

إذ في ليلة باردة ليلاء من أواخر شهر نوفمبر/ تشرين الثاني1981، وغير بعيد عن جزيرة سانتا كاتالينا على السواحل الغربية للولايات المتحدة، اختفت تلك السيدة ساعات لتكتشف جثتها طافية فوق الماء، رأسها إلى الأسفل ومرتدية ثياب النوم.

وكان من الطبيعي أن ترعب الحادثة وتحزن أهل الفن ومتفرجي السينما، ذلك أن المرأة التي كانت نهايتها على تلك الشاكلة، كانت، وهي حية، واحدة من خطيبات أميركا الشابات، وواحدة من نجوم هوليوود الأكثر وعدا وجمالا: ناتالي وود. والأدهى من هذا أنها، حين رحلت، كانت لا تزال في شرخ الصبا، بالكاد تجاوزت الأربعين عاما. وبالنسبة إلى المعجبين، كانت ناتالي وود رمزا للسعادة الدائمة، على رغم ذلك الحزن الذي كان يتسلل في لحظات إلى وجنتيها وعينيها. وهل كان يمكن أن يكون ثمة، من هو أكثر سعادة، من صبية شديدة الحسن والحرية، بدأت عملها السينمائي، وشهرتها وهي في الخامسة، ومثلت في بعض أجمل أفلام هوليوود وأقواها، وكان من بين شركائها (وربما من بين عشاقها أيضا، وكما ستقول الحكايات المتناقلة) بعض أجمل فتيان هوليوود من جيمس دين إلى الفيس برسلي، ومن وارن بيتي إلى روبرت ردفورد، مرورا بزوجها (مرتين) روبرت فاغنز، وصديق زوجها كريستوفر والكن، الذي كان يرافق الزوجين على متن اليخت «سبلندور» الذي شهد نهاية حياة تلك الفاتنة؟


أسئلة... أسئلة

منذ حادثة مقتل ناتالي وود ثارت، في الواقع أسئلة كثيرة، وظل شيء من الغموض المقلق يحيط بتلك النهاية. والآن بعد عقدين من الزمن، ها هي مجلة «فانيتي فير» الأميركية تفتح الملف من جديد، لتطرح علامات استفهام جديدة، لم يسبق طرحها ولتصل إلى تكهنات تعيد القضية إلى الأضواء وتلقي أضواء جديدة على حياة وموت واحدة من ضحايا الشهرة، ضحايا هوليوود.

والحال أنه لئن كان الحديث عن «الغموض المقلق» يليق بنهاية ناتالي وود، فإن مما لا شك فيه أن هاتين الكلمتين تكادان تنطبقان على حياة ناتالي، ونظراتها، هي التي ربما كان ذلك الغموض المقلق فيها ما سحر المعجبين أكثر مما سحرهم جمالها. وللتيقن من هذا، قد يجدر بنا أن نتذكر أداءها في أفلام مثل «روعة فوق العشب» و«ثائر من دون قضية» و»العزبة المحكومة» وحتى «حكاية الحي الغربي» الذي كان أشهر أفلامها وأشهر أدوارها، حيث لعبت دور ماريا وأبدعت وخلبت لب الملايين.

من الناحية الفنية اعتبرت ناتالي وود على الدوام، إلى جانب جين فوندا، الوجه الجديد للنجمة كما راحت تبتدعه هوليوود في الخمسينيات والستينيات، بعدما أفل نجم النساء الساحرات من طراز ريتا هايوارث ولانا تورنر ومارلين مونرو. بالأحرى مثلت ناتالي وود سحر الفتاة الأميركية العادية والجميلة، التي تبدأ حياتها متمردة ثم تنتهي بها الأمور إلى الخضوع أمام ضوابط المجتمع. ولعل نهاية ناتالي التي سنعود إليها لاحقا في هذا الكلام، لم تكن سوى صورة مفجعة لمصير ذلك التمرد وقد امتحنه الواقع وقساوته.

قبل ذلك قد يجدر بنا أن نلتفت بعض الشيء إلى الوراء... ونعود بعض العقود، وتحديدا إلى العام 1943 حين كانت ناتالي، لا تزال تدعى ناتاشا، ولا تزال في الرابعة أو الخامسة من عمرها. يومذاك كان المخرج اريرفنغ بيشيل يصور فيلم «الأرض السعيدة» في بلدة تدعى سانتا روزا، واحتاج إلى طفلة في مشهد من مشاهد الفيلم، فجيء له بناتاشا الصغيرة، وهي ابنة مهندس معماري وراقصة باليه من أصل روسي. أدت ناتاشا الدور بسهولة، فما كان من بيشيل إلا ان أقنع والديها بالسماح لها بأن تكون ابنة اورسون ويلز وكلوديت كولبرت في فيلمه التالي «الغد إلى الأبد» (1946). وهكذا دخلت ناتاشا السينما من بابها العريض، وأصبح اسمها ناتالي، وصارت طفلة السينما المدللة. وهي منذ تلك اللحظة لن تبتعد عن الشاشة أبدا، حتى رحيلها، حيث قتلت ولم تزل لديها مشاهد يجب أداؤها في فيلم بوليسي بعنوان «عاصفة الدماغ»، ما اضطر المخرج إلى الاستعانة بممثلة أخرى لاستكمال الفيلم.


العمل رد وحيد

إذا، بين بداياتها الحقيقية طفلة، إلى جانب اورسون ويلز في العام 1946، ونهايتها امرأة ناضجة، في العام 1981، مضت خمسة وثلاثون سنة، لا يمكن أن يقال بالطبع أن ناتالي قد تربعت خلالها على عرش هوليوود، لكنها على الأقل عرفت كيف توجد لنفسها مكانة، كواحدة من أجمل وأبرع النجمات الصبايا، حتى وإن كان مستواها الأدائي، قد أثار سجالا على الدوام، إلى درجة أن أحد الاستفتاءات اختارها مرة بوصفها الممثلة الأكثر رداءة في هوليوود لذلك العام.

غير أن ناتالي وود لم تكن لتأبه، عند بداياتها، إلى مثل هذه الأمور... كانت تعرف أن عالم هوليوود قاس، وإن النجاح في حد ذاته يمكن أن يكون وبالا على صاحبه، لذلك راحت، مع بلوغها سن الصبا ثم الشباب، تصر على أن ردها الوحيد هو العمل، وهكذا راحت تعمل وتعمل وتحاول أن تطور نفسها، في الوقت الذي راحت تراقب فيه، بسرور ثم بشيء من القلق، الصحافة وهي تروي عنها الحكاية و»تخترع لها العشاق». ولكن هل صحيح أن «العشاق» كانوا من اختراع الصحافة؟

الحقيقة أن ناتالي وود، في الوقت الذي راحت تقترب فيه من العشرينيات، كانت بدأت تشعر بقدر كبير من الحرية، فهي باستقلالها الاقتصادي تحررت من سيطرة أهلها، ولم تكن لتشعر أن ثمة شيء في هذا الوجود ما يمكنه أن يربطها ويضغط عليها. ثم، ما العمل والمخرجون، منذ عملها في «ثائر من دون قضية» (1955) إلى جانب جيمس دين، اختاروا لها دائما شركاء هم في نهاية الأمر، حلم فتيات العالم أجمع؟ حين قامت ناتالي ببطولة هذا الفيلم وهي بعد في السادسة عشرة، قيل إن المخرج نيكولاس راي لم يخترها إلا لأنه أغرم بها. ثم قيل إنها، هي أغرمت بجيمس دين، وإن ذلك كله أنتج حال توتر سادت أيام تصوير الفيلم. لاحقا، ستنفي ناتالي حكاية حب نيكولاس راي لها، لكنها لن تنفي الحكاية التي ربطتها بجيمس دين. مهما يكن في الأمر، حين رحل جيمس دين لاحقا في حادث السيارة الشهير، كانت ناتالي وود أول الباكين عليه وأكثرهم حزنا.

«ثائر من دون قضية» كان على أية حال بدايتها الحقيقية في عالم النجومية، خصوصا أنها سميت، بفضل دورها فيه، لتكون واحدة من المرشحات لنيل أوسكار أفضل ممثلة، وهو أمر تكرر مرتين بعد ذلك، مرة في العام 1961 عن فيلم «روعة فوق العشب» من إخراج ايليا كازان الذي عرف كيف يديرها، كمخرج، أكثر من أي مخرج آخر، وجعلها تقبل وارن بيتي، قبلة حقيقية على «الطريقة الفرنسية» كانت الأولى في تاريخ السينما الهوليوودية، ومرة أخرى عن فيلم «الهيام بالغريب» في العام 1963، حين لعبت دور فتاة بريئة تحمل من موسيقي هو هذه المرة ستيف ماكوين. غير أن أيا من هذه الأفلام لم ينعم عليها بالجائزة الأسمى في عالم السينما الأميركية.

في المقابل أتى أداؤها لدور ماريا في «قصة الحي الغربي» (1961) ليوصل شهرتها إلى ذروة الذرى، فتصبح فاتنة الشبان والشابات في العالم أجمع.

في ذلك الحين كان كل شيء في الحياة يبتسم لها، وكانت أفلامها الكبيرة لا تزال أمامها، لكن شيئا ما في حياتها الخاصة كان قد بدأ ينذر بالخطر. حتى وإن كان المعجبون بها لم يتنبهوا إلى ذلك أول الأمر، إذ أن بهاء طلعتها وابتسامتها الدائمة وسمعتها كممثلة تعكس تطلعات الجيل الشاب، كان ذلك كله يقنع التعاسة التي كانت بدأت ترتسم في حياتها. صحيح أن ناتالي وود لم تتزوج سوى ثلاث مرات، اثنتان من رجل واحد هو روبرت فاغنز، والثالثة من منتج لم يدم زواجها معه طويلا، إلا أن شيئا من عدم الاستقرار كان يلوح في أفق حياتها منذ وقت مبكر. ولعل ذلك كان سبب، أو حتى نتيجة، ذلك الغموض القلق الذي كان يثب بين الحين والآخر إلى نظراتها. فهل يمكن القول إن ذلك نفسه كان في خلفية الجرأة - غير المعتادة في هوليوود تلك الأزمان - التي جعلتها تقبل بقبلة وارن بيتي لها في «روعة فوق العشب» أو بالظهور شبه عارية في «الغجرية» (1962) أو بقبول أدوار الفتاة المختلة عقليا في أكثر من فيلم؟

ربما. المهم في الأمر، أن النصف الثاني من حياة ناتالي وود، لم يكن على براءة وروعة النصف الأول، وهي لئن كانت قد أنهت النصف الأول بالطلاق (العام 1961) من روبرت فاغنز الذي كانت تزوجته في العام 1957، بعد حكاية حب عنيفة تناقلت الصحافة الفنية تفاصيلها في ذلك الحين، فإنها عادة إلى فاغنز في العام 1972 لتتزوجه من جديد، بعد أن أمضت من دونه عشرة أعوام كانت تقول إنها كانت شديدة الصعوبة. وهي خلال تلك الأعوام أنجبت ابنتها الوحيدة من زوجها المنتج، وقامت بأدوار عدة في أفلام متفاوتة القيمة مثل «الجنس والعزباء» (1964) و «السباق الكبير» (1965) و»بينلوب» (1966)، وخصوصا في «بوب وكارول وتيد وأليس» (1969) الذي كان واحدا من أجرأ الأفلام التي تحققت في هوليوود حتى ذلك الحين... ولكن ماذا بعد ذلك؟


عودة إلى هارت

عندما عادت ناتالي إلى روبرت فاغنز في العام 1972، كان تاريخها السينمائي قد بات وراءها كما يبدو، على رغم انها بالكاد كانت تجاوزت الثلاثين من عمرها. فهل معنى هذا أنها عادت إليه امرأة مهزومة؟

أجل... بالأحرى. وإن لم تعترف هي بذلك أبدا.

وروبرت فاغنز كان في ذلك الحين في ذروة نجاحه، إن لم يكن سينمائيا - فهو أبدا لم يكن من كبار نجوم السينما - فتلفزيونيا على الأقل، وخصوصا من خلال مسلسل «هارت المليونير» الذي أسبغ عليه شهرة ما بعدها شهرة، وأموالا طائلة مكنته - على أية حال - من أن يؤمن لزوجته العائدة حياة مترفة مستقرة، بما في ذلك تمضية الإجازات في جزيرة سانتا كاتالينا، مع الأطفال (أطفاله وطفلتها)، وبما في ذلك، اليخت «سبلندور» (الذي أطلق عليه ذلك الأسم الرائع تيمنا بعنوان قصيدة للشاعر وودزورث قرأت ناتالي اسطرا منها في فيلم «روعة فوق العشب»).

عندما عادت ناتالي وود إلى روبرت فاغنز، احتفلت صحافة العالم كله بذلك و»بكى الكثيرون» حسبما نقلت مجلة «فانيتي فير» عن لانا وود شقيقة ناتالي. ولكن منذ تلك اللحظة وصاعدا، كانت ناتالي هي التي سوف تبكي وحدها: راحت تبكي مجدها الذي بدأ يخبو، وحكايات حبها القديمة الذي ذهبت أدراج الرياح، وخصوصا حب روبرت فاغنز لها. إذ، إنها في غمرة انشغالها بالعودة إليه لم تتنبه أول الأمر إلى ما كان يشاع عن علاقة غرامية تربطه بالنجمة ستيفاني باورز شريكته في «هارت المليونير». ولكن بالتدريج بدأت تلك الأمور تظهر لها تحت المجهر المكبر وكاد ذلك يدخلها وهاد اليأس لولا أن ظهر كريستوفر والكن، الممثل الشاب ذو الجمال الساحر، والأنثوي كما يقول البعض، في حياة الزوجين. فهل أغرمت ناتالي به؟

مهما كان الجواب فإن كريستوفر والكن، لا يكف عن الظهور في حياة الزوجين، وهو كان ثالثهما على اليخت «سبلندور» ليلة مصرع ناتالي وود، إضافة إلى قبطان المركب دنيس دافرن، الذي سيكون بعد عقدين من الحادثة، العنصر الرئيسي الذي اعتمد عليه التحقيق الذي قامت به مجلة «فانيتي فير» لمحاولة كشف بعض «أسرار» مصرع النجمة. وهو أبدى من التعاون والصراحة، ما جعل أسئلة عدة تقوم من حول الأسئلة الشكاكة. ولكن ما الذي حدث حقا في تلك الليلة الليلاء؟

* من كتاب «حكايات صيفية»

العدد 2547 - الخميس 27 أغسطس 2009م الموافق 06 رمضان 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً