لماذا أعدم اللواء سفيان والفريق سيف الراوي؟

شهران على سقوط بغداد (1 ـ 2)

حقيقة ما جرى ما بين 3 ابريل/ نيسان و9 ابريل في بغداد بات احجية غير مفهومة... فحوله كثرت التساؤلات، وتعددت التكهنات والشائعات... وما قيل إلى الآن عن أحاجي سقوط بغداد برز من خلال تقارير غربية ظلت في مجملها ناقصة ولا يستدل منها على حقيقة ما جرى في الوقت الذي يبدو فيه الطرف الأميركي كما هو واضح يمتنع عمدا قول الحقيقة.

ضابط كبير في الحرس الجمهوري العراقي المنحل التقيته وحاولت أن استوضح منه عن حقيقة ما جرى، فأدلى بروايته وكشف عن السر الذي أربك قوات الحرس الجمهوري والحرس الخاص ودعاهما للانسحاب. وبين هذا الضابط الذي شدد على ضرورة عدم ذكر اسمه ملابسات الخيانة التي حصلت من قادة عسكريين ومسئولين عراقيين وكشف عن تفاصيل إعدام المرافق الأقدم للرئيس صدام اللواء سفيان جخيف التكريتي وإعدام الفريق الركن سيف الراوي على يد قصي نجل الرئيس السابق أثناء المعركة. وكذلك الإعدامات التي جرت في 25 مارس/ اذار لعدة ضباط كبار.

بدأ الضابط الكبير حديثه بالقول، إنه بعد أسبوع واحد على بدء العمليات العسكرية ومع الصعوبات الواضحة التي واجهتها القوات الأميركية والبريطانية في البصرة وأم قصر وسوق الشيوخ والناصرية. وعلى إثر ذلك تم فرز أعداد قليلة من القوات الأميركية لمشاغلة القوات العراقية في مناطق الكوت والنجف وكربلاء فيما اندفع الثقل الأساسي من فرقة المشاة الثالثة والفرقة المحمولة جوا (الفرقة 101) باتجاه غرب بغداد في محاولة لاستدراج الفرق المدرعة للحرس الجمهوري إلى معركة دروع صحراوية يكون اللاعب الرئيسي فيها الطيران لتدمير الدبابات العراقية في العراء. وعندما لم تنجر القيادة العراقية إلى فخ المنطقة الصحراوية الذي نصب لها، قررت القيادة الأميركية القيام بعملية للسيطرة على مطار بغداد الدولي باستخدام وحدات من الفرقة 101 التي أنزلت بطائرات مروحية في المطار في حين تقدمت أرتال مدرعة من اتجاه الشمال الغربي والغرب والجنوب الغربي لكي تلتقي بالقوات التي أنزلت في المطار. وفشلت هذه الخطة وأبيدت طلائع القوة الأميركية عصر الخميس في 3 ابريل/ نيسان وتراجعت الأرتال المدرعة من دون أن تحقق أي لقاء بها. وحيت جماهير بغداد ليلتها منتسبي الفوج الثالث من الحرس الجمهوري الخاص في حين مرت في شوارع بغداد شاحنات تحمل عشرات الأسرى والجرحى من الأميركيين.

وهنا يكشف محدثنا عن أن المعركة التي دارت في المطار قادها صدام شخصيا وولده قصي بمشاركة الفوج الثالث من لواء الحرس الجمهوري الخاص وبمشاركة قوات صواريخ قاعدة الشهيد في منطقة الغزالية ومدفعية الحرس الجمهوري المنفتحة في منطقة أبي غريب.

ويضيف الضابط الكبير في سرد روايته: وما أن انتهت هذه المعركة حتى قامت الطائرات الأميركية بعمليات قصف متواصلة دكت خلالها وعلى مدار يوم ونصف من القصف بأنواع مختلفة من القذائف (ليل الخميس ونهار الجمعة وليلها) منطقة المطار ومنطقة الرضوانية وحي الفرات فضلا عن قاعدة الشهيد لصواريخ أرض أرض في الغزالية وموقع مدفعية الحرس في منطقة أبي غريب.

ولكن المفاجأة بالنسبة إلى القادة العسكريين المكلفين بخوض معركة بغداد هو ما اكتشفوه يوم السبت 5 ابريل من أن بعض القذائف التي أطلقتها القوات الأميركية على مناطق الرضوانية ليلة الخميس ويوم الجمعة (3 - 4 ابريل) كانت من القنابل النووية التكتيكية. وتأكد كبار العسكريين من الحرس الجمهوري والجمهوري الخاص أن جثث المقاتلين في هذه المنطقة صهرت بالكامل ولم يبق منها سوى الهيكل العظمي. وهنا برز الإرباك على هؤلاء القادة العسكريين، فاتخذ رئيس الأركان لقوات الحرس الجمهوري الفريق الركن سيف الدين فليح الراوي قرارا بسحب الكثير من ألوية الحرس الجمهوري من مواقعها بغية إعادة التنظيم وأنهم سيبلغون بالمواقع التي سيتم مركزتهم فيها. وبعد أن أعطى الأوامر بذلك، ذهب الفريق سيف الدين الراوي إلى قصي في مقره البديل الذي كان غرفة إمام جامع بلال الحبشي في ساحة قحطان قرب مستشفى اليرموك مخبرا إياه بأهمية إعادة تنظيم قوات الحرس شبه المنهارة بسبب ما تعرضت له من قصف كثيف واستخدام القنابل النووية التكتيكية. وانه في حال شيوع خبر استخدام القوات الأميركية لهذه القنابل النووية فإن الحرس الجمهوري في مجمله سينهار، لذلك أمر ألوية الحرس في الرضوانية والمطار وفي أبوغريب واليوسفية القريبة من الرضوانية بالانسحاب بغية إعادة التنظيم. وهنا سأله قصي وبأمر من فعلت ذلك؟ فأجابه الفريق الركن سيف الدين الراوي بأمري أنا. فما كان من قصي إلا أن بادره بطلقات مسدسه الشخصي فأرداه قتيلا على الفور.

ويعتقد محدثنا بأن الفريق سيف الراوي أعطى الأوامر بإعادة التنظيم من دون الرجوع إلى قصي بصفته مشرفا على الحرس الجمهوري، لأن قصي في واقع الأمر كان يتنقل بين أماكن وجود أبيه التي لا أحد يعلم بها سوى ثلاثة أشخاص وهم عدي وقصي والفريق عبد حميد حمود. وطبعا كان لا يمكن الاتصال الهاتفي بقصي لأن ذلك يمكن أن يجعل الاستدلال على مكان وجوده أمرا سهلا بالنسبة إلى القوات الأميركية. فاجتهد الرجل بإعطاء أوامر الانسحاب بغية إعادة التنظيم فلقي الموت، وهو أراد من خلال عملية إعادة هيكلة القوات المنسحبة دفعها من جديد إلى المعركة.

ويستكمل الضابط الكبير في الحرس الجمهوري سرد الرواية بخصوص ما حدث يوم الأحد 6 ابريل، فيقول في ذلك اليوم ذهب قصي إلى المكان الذي يوجد فيه والده ليطلعه على الجديد الذي حدث بينما كانت القوات الأميركية قامت باندفاع جديد في منطقة الرضوانية وأبي غريب والدورة وذهبت بعض القوات الأميركية إلى منطقة المطار من جهة أبي غريب والرضوانية. وفي الوقت ذاته قامت القوات الأميركية بإنزال في منطقة الزعفرانية وطريق معسكر الرشيد للسيطرة عليه، ولم تكن تجد مقاومة من قوات الحرس الجمهوري بعد الإرباكات التي حدثت نتيجة الانسحاب، وعدم وصول أوامر للضباط القادة والآمرين المنسحبين عن الأماكن الجديدة لقواتهم. وكان قصي بعد قتله الفريق سيف الراوي قال لقائد قوات عدنان اللواء الركن ماهر سفيان التكريتي الذي كان حاضرا في تلك الساعة ان يستعد لتولي مهمة سيكلف بها، ولكن عليه الآن أن يبلغ حاليا قادة فرق وألوية الحرس حضور اجتماع مع قصي لاتخاذ التدابير. وأثار هذا الحديث مشاعر عدم الارتياح من جانب اللواء ماهر سفيان التكريتي سيما وأنه أدرك حقيقة الوضع المنهار لغالبية المقاتلين في الحرس الجمهوري.

وقام اللواء ماهر بإبلاغ القادة والآمرين بموعد الاجتماع المطلوب، وحضر في موعد الاجتماع كل القادة والآمرين وعلموا بخبر إعدام الفريق الراوي. وساد الحضور أجواء توجس ووجوم ومخاوف من احتمالات تعرض بعضهم للإعدام خلال الاجتماع المنتظر. غير أن الاجتماع نفسه لم يتحقق لأن قصي ذاته لم يحضر هذا الاجتماع بسبب الهجوم الصاروخي الذي وقع على أحد المواقع الذي كان يجتمع فيها الرئيس السابق مع ولديه وعدد من مسئولي الدولة في منطقة المنصور. وأنفض الاجتماع قبل دقائق من حدوث ذلك الهجوم، الأمر الذي جعل الرئيس صدام أن يشك بحمايته وخصوصا بمرافقه اللواء سفيان جخيف التكريتي الذي كان يتولى تأمين منطقة الحماية الأمنية برفقة عدد من عناصر الحماية الخاصة، ولم يكن حاضرا بالقرب من الرئيس في موقع الاجتماع أثناء وقوع الهجوم الصاروخي الأميركي على المكان الذي كان الرئيس صدام موجودا فيه. وهذا ما جعل صدام على ما يبدو أن يعطي الأوامر بإعدام اللواء سفيان جخيف وعدد من عناصر الحماية، وخصوصا أنه كان مذهولا من تكرار محاولة استهدافه بصواريخ كروز لمرتين الأولى في 20 مارس والثانية في 6 ابريل في المنصور. وصار على ما يبدو عصبيا بعد أن سمع ما أعلمه قصي من تطورات وكذلك التقدم الذي أحرزه الأميركيون في السيطرة على المطار وأجزاء من الرضوانية ومعسكر الرشيد. ومع أنه أعطى أوامره بتفجير المطار عبر نسف الشبكة الإلكترونية والكهربائية القائمة تحت باحة المطار، الأمر الذي سيؤدي إلى تدمير المبنى وإبادة كل الموجودين على أرضه. طبعا هول مفاجأة الهجوم الصاروخي على موقع الاجتماع والنجاة بأعجوبة والإعدامات التي نفذت بحق الكثير من رجال الحماية أخرت قصي من الوصول إلى موقع الاجتماع الذي كان ينتظره مع قادة وآمري فرق وألوية وكتائب الحرس الجمهوري.

وما ضاعف الوضع بمزيد من الإرباك المعقد (ودائما بحسب رواية ضابط الحرس الجمهوري) شيوع خبر تعرض الرئيس صدام وولديه وعدد من المسئولين العراقيين لهجوم صاروخي قتل الجميع فيه. ومع شيوع هذا الخبر إلى قادة وآمري فرق وألوية وكتائب الحرس الجمهوري، أصبح انتظار قصي بلا جدوى وأنفض الاجتماع من دون أن يتفق الحضور على شيء، خصوصا بعد أن أكد أمين سر قوات الحرس الجمهوري اللواء كمال مصطفى عبد الله الذي كان مقربا من صدام وقصي (اللواء كمال شقيق جمال مصطفى عبد الله زوج صغرى بنات الرئيس صدام حلا) خبر تعرض صدام وولديه للهجوم الصاروخي الأميركي ومقتلهم بحسب ما شاعت وكالات الأنباء.

وبعد أن خرج الجميع من مكان الاجتماع اتفق اللواء ماهر سفيان التكريتي مع قائد قوات النداء الفريق رعد الحمداني على ضرورة تجنيب المقاتلين مزيدا من الموت والتفاوض مع الأميركيين على دخول بغداد من دون قتال. وسمع هذا الحديث بين الرجلين سكرتير قصي (علي حسين رشيد التكريتي) الذي يتولى والده الفريق حسين رشيد التكريتي منصب أمين سر القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية، وعندما علم هذا الأخير من ابنه بما حدث ودار بين الحمداني وماهر التكريتي وفي وقت لم يظهر الرئيس أو مرافقوه وولداه، اثر هو الآخر (الفريق الركن حسين رشيد التكريتي أمين سر القيادة العامة للقوات المسلحة) أن يعمم برقيتين إلى جميع عناصر القوات المسلحة بالانسحاب من مواقعها وبأمر من صدام حسين، وما أن علم مدير المخابرات الفريق طاهر جليل الحبوش بذلك سارع هو الآخر بالطلب من عناصره إخلاء مواقعها. وحدث ذلك كله ليلة 7 و8 ابريل. بعد أن كان الفريق رعد الحمداني واللواء ماهر سفيان ذهبا للقوات الأميركية وطلبا التسليم منهما مقابل سحب قواتهما من المعركة. وفعلا أعطى اللواء سفيان أوامره لقواته التي كانت متمركزة بين بغداد وتكريت بالانسحاب وعدم القتال، بينما شوهد الفريق رعد الحمداني وهو يستقل طائرة مروحية أميركية مناديا عبر مكبرات الصوت على قواته بعدم القتال ورمي السلاح وترك مواقعهم والذهاب إلى منازلهم، الأمر الذي أدى إلى تسلم قوة قتالية مهمة تعدادها 2600 مقاتل وعدد مهم من الدبابات والمدفعية الأمر الذي جعل القوات الأميركية تسيطر بيسر على منطقة قصر التلة وتعزيز قواتها في المطار ومنطقتي أبي غريب والدورة.

وهكذا دخلت القوات الأميركية إلى بغداد صباح يوم الثامن من ابريل من دون أن تواجهها سوى مقاومة محدودة للغاية من قبل العناصر التي لم تصلها التبليغات، ولاسيما من عناصر الفدائيين وعناصر الحزب، وتمكنت القوات الأميركية من السيطرة وبسرعة على النقاط الحيوية في منطقة القصر الجمهوري.

وعندما سألته عن الرشاوى التي تحدث عنها الجنرال تومي فرانكس وتلقاها عدد من كبار الضباط والقادة في الجيش والحرس الجمهوري، أجابني لا علم لي بذلك. وما حصل من بعض كبار الضباط وأعلمه أوضحته. أما أن تكون هناك اتصالات مسبقة بينهم وبين الأميركيين، فلا أستطيع تأكيده. ولكن علمنا بعد محاولة الهجوم الذي تعرض له صدام وكبار المسئولين في الدولة يوم 20 مارس، جرت عمليات اعتقال طالت يومي 25 و26 مارس 76 ضابطا بين الجيش والحرس الجمهوري والحرس الخاص والأمن الخاص. ولا أعرف إذا كانوا أعدموا أم لا. ولكن حدثت أخطاء في إدارة المعركة من قبل قوات الحرس الجمهوري، فقد أرسلت فرقة المدينة المنورة إلى كربلاء للقيام بهجوم مضاد على القوات الأميركية وسحبت قوات النداء من كربلاء لكي تحل محل قوات المدينة المنورة في منطقة القصر الأوسط المتاخمة لحدود العاصمة بغداد في الوقت الذي كانت قوات النداء فقدت معظم قوتها الضاربة بعد أن قاتلت ببسالة في كربلاء. وهذا في اعتقادي خطأ ارتكب وساهم بارتكابه أمين سر قوات الحرس الجمهوري اللواء كمال مصطفى عبد الله بعد إقناع قصي بصحته.

أما ما قيل من شائعات تتناقلها الألسن في بغداد عن خيانات لمسئولين عراقيين مثل مدير المخابرات طاهر الحبوش ووزير الخارجية ناجي صبري، فهذا لا علم لي به. وقد سمعت أن ناجي صبري غادر العراق بصحبة أفراد عائلته مع طاقم السفارة النمسوية في بغداد في 7 أو 8 ابريل وربما بتسهيل من قبل قوات التحالف. على كل حال ظلت في الأمن الخاص الذي كان يديره قصي شكوك وشبهات عن صبري، سيما وأن شقيق ناجي الأكبر محمد لقي حتفه على يد صدام في العام 1979 أو 1980. كما أن هناك اتهامات صوب ناجي بإقامة علاقة مع ضباط في المخابرات البريطانية منذ سبعينيات القرن الماضي عندما كان مستشارا إعلاميا للعراق في بريطانيا. لكن كل ذلك كان مجرد شكوك من دون وجود أدلة عليها. وسمعت أيضا أن مدير المخابرات الفريق الحبوش سهلت القوات الأميركية مغادرته العراق مع عائلته. وماعدا ذلك فقد سمعته مثل بقية العراقيين عبر الشائعات التي خلطت فيها الحقائق بالخيالات حتى كادت أن تضيع الحقيقة. فقد علمت مثلا قبل أيام أن اللواء الركن ماهر سفيان التكريتي موجود حاليا مع عائلته في براغ

العدد 276 - الإثنين 09 يونيو 2003م الموافق 08 ربيع الثاني 1424هـ

التعليقات (4)
التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أنت تعلق الآن كزائر .. يمكنك التعليق بـ3000 حرف عندالتسجيل من هنا

اقرأ ايضاً

شاركونا رأيكم