العدد 315 - الخميس 17 يوليو 2003م الموافق 17 جمادى الأولى 1424هـ

الواصلية... أصلها وفصلها

فرق المعتزلة:

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

انزوى واصل بن عطاء «أبوحذيفة» في زاوية من مسجد الشيخ الحسن البصري في البصرة. ومع تلك الحركة انطلقت فرقة إسلامية (كلامية) تقول بنفي الصفات عن الله تعالى وباسناد القدرة إلى العباد (كتاب التعريفات، الجرجاني، ص322).

عرفت الفرقة بـ «الواصلية» وكانت هي الاساسية في حركة الاعتزال (المعتزلة) وعرف أصحاب واصل باتباع «الغزال الألثغ». وتسميته الغزّال جاءت كصفة له لأنه كان يلازم أو يجلس في سوق الغزالين.

والالثغ نسبت إليه كصفة لأنه كان يلثغ بحرف «الراء» ويلفـظه «غين». ويقول عنه الجاحظ (من المعتزلة أيضا ثم انقلب عليها) في كتابه «التبيان والتبيين» ان ابن عطاء كان يتجنب في أحاديثه حرف «الراء» وبسبب اتساع معارفه وقدرته في السيطرة على كلامه كان يتحدث ويقرض الشعر من دون ان ترد «الراء» في الحروف التي ينطق بها. ويشير ابن النديم صاحب كتاب «الفهرست» إلى المسألة عينها مؤكدا انه «ولد في المدينة (المنورة) وسمي الغزال لملازمته سوق الغزل. وكان طويل العنق، ألثغ من حرف الراء. وكان فصيحا مقتدرا على الكلام، وقد اخذ بجوامعه». (ص202 - 203).

يقول ابن النديم عن واصل انه «مولى بني ضبة، ويقال مولى بني مخزوم» ويؤكد انه كان يلازم مجلس الشيخ الحسن البصري وكان صديق عمرو بن عبيد... ولكنه يضيف معلومة مهمة إلى صداقاته حين يذكر في «الفهرست» انه لقي «ابا هاشم عبدالله بن محمد بن الحنفية». هذه المعلومة مهمة لكن ابن النديم يتجنب ربطها بالمعتزلة واقوالها وصلة الاعتزال بآل البيت.

وينقل صاحب «الفهرست» عن البلخي (وهو من كبار فلاسفة المعتزلة لاحقا) ان واصلا من أهل المدينة «ولد سنة 80 هجرية، ومات سنة 131 هجرية، وله كتب: المنزلة بين المنزلتين، الفتيا، والتوحيد».

أما الجرجاني فيؤكد في «التعريفات» مولد واصل في المدينة سنة 80 هجرية ووفاته سنة 131 هجرية، ويكرر ايضا ما قيل عن كونه مولى من موالي بني ضبة أو بني مخزوم... ولكنه بدوره يضيف معلومة مهمة وهي قوله ايضا «وقيل مولى بني هاشم».

هذه الاضاءة يوردها الجرجاني من دون تعليق، فهو يضع ابن عطاء ضمن ثلاثة احتمالات (بني ضبة، بني مخزوم، وبني هاشم) تاركا الافتراضات والتحليلات مفتوحة على أكثر من باب.

المهم في كلام الجرجاني انه يطرح المعلومة (الفرضية) من دون ان يعطيها أهمية خاصة في تفكير واصل ومدرسته.

فهو، برأي الجرجاني، رأس «المعتزلة القدرية ومؤسسها. كان تلميذا للحسن البصري ثم اعتزله وقال بالمنزلة بين المنزلتين». فصاحب كتاب «التعريفات» لا يرى صلة بين افكار واصل وصلاته البعيدة أو القريبة بآل البيت.

فمولده في المدينة ربما يكون هو السبب. فالمسألة محض مصادفة جغرافية (مكانية) وربما ايضا يكون من موالي بني هاشم وهذه مسألة زمنية مرجحة وليست مؤكدة.

الجرجاني لا يربط بين اعتزال واصل شيخه الحسن البصري وبين صلته أو معرفته بآل البيت (عبدالله بن محمد بن الحنفية) بل انه يميل إلى ربط أسباب اعتزاله (خلافه مع شيخه) بفتنة «الازارقة» التي وقعت آنذاك في البصرة والاهواز.

اذا هناك اشارات متفرقة قريبة أحيانا وبعيدة احيانا أخرى تحاول الربط أو الايحاء بصلة ما بين مؤسس الفرقة الأولى في الاعتزال وبين أبناء آل البيت. إلا ان تفرق الاشارات وعدم اجتماعها على معلومات متسقة يرجح في النهاية انتفاء أية قرابة فكرية بين آل البيت وفرق المعتزلة، حتى حين حاول بعض قادة الاعتزال استخدام تلك الاشارات لاعطاء شرعية تاريخية لاصول المعتزلة وصحة معتقداتهم.

فالواصلية مسألة مختلفة فكريا وتنظيما. وهي متناقضة في جوهرها عن أفكار واجتهادات ومدارس أئمة آل البيت.

فالواصلية قالت بعدة أمور تتنافى مع «التوحيد» وزعمت ان الفاسق «لا مؤمن ولا كافر» ونفت عن الله صفاته في «العلم والقدرة والارادة والحياة».

فواصل قال بالقدر بمعنى «ان الله حكيم وعارف لا يجوز ان يضاف اليه شر ولا ظلم». فالواصلية في النهاية وقعت في شرك «الثنائية» حين نزعت عن «الواحد» صفات واعمال وقدرات. وهذا كله يتنافى مع مذهب آل البيت.

إلى ذلك (وهذا مهم في مسألة الامامة) قال واصل: «ان احد فريقي القتال في يومي الجمل وصفين كان مخطئا لا بعينه» وهذا ايضا يتعارض مع أقوال أئمة آل البيت وشرعية وراثة الامامة عن الامام علي (ع).

اذا، لم تكن افكار واصل ناتجة عن صلته بآل البيت بل تأثر بالاجواء التي اثارتها فتنة الازارقة (فرقة متطرفة من الخوارج) في انتفاضة الاهواز على سلطة الامويين في دمشق. كذلك لم تتأسس تلك الافكار في فترة وجوده في المدينة بل في مرحلة اقامته في البصرة التي شهدت آنذاك سلسلة تحولات اجتماعية وثقافية تركت تأثيرها العميق على الكثير من اجتهادات المعاصرين لتلك الحوادث والسنوات.

الوحيد الذي وافق واصل بن عطاء على افكاره كان صديقه عمروبن عبيد (المؤسس الثاني لفرق المعتزلة) حين ايده في اقواله وكلامه وزاد عليه في «تفسيق الفريقين» في يوم الجمل وموقعة صفين. وبسبب تلك الزيادات عرفت فرقته بالعمروية (عمرو) واحيانا بالعبيدية (عبيد)، لتمييز فرقته عن الواصلية... التي أسسها صديقه وصهره واصل بن عطاء

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 315 - الخميس 17 يوليو 2003م الموافق 17 جمادى الأولى 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً