مجالس العزاء الحسينية... بعيون سُنية

هبة رؤوف عزت

كاتبة مصرية

«كل عام وأنتم بخير بمناسبة عاشوراء»... حييت الصديقة الشيعية على الهاتف حين اتصلت أسأل عن والد زوجها المريض وأنا في بيروت في زيارة خاطفة لحضور ورشة عمل فضج من حولي من الأصدقاء - سنة وشيعة - في الضحك. ارتبكت فوكزتني واحدة منهن وقالت قولي لها أعظم الله أجركم... هذا موسم للحزن ولا يُقال للشيعة «فيه كل عام وأنتم بخير»!

على الطرف الآخر ردت الأخت على الهاتف بود قائلة: «وأنت بخير... كلانا يحتفل ببداية العام الهجري» فقلت: «أعظم الله أجركم» وأنهينا المكالمة بدعاء متبادل.

كانت بيروت هذه المرة في المحرم، وكانت الضاحية الجنوبية ترفع أعلامها السوداء حدادا على مقتل الحسين وأبنائه في كربلاء، تلك الذكرى التي استأثر بها الشيعة فتحولت إلى حكاية كبرى في ثقافتهم وشعائرهم، تضاءلت لسبب غير مفهوم في ذاكرة السنة لتنزوي كواقعة يمرون عليها على عجالة دون أن يلتفتوا لها كثيرا، وتراشقنا الاتهامات على خلاف سياسي مضى وفات، وانصرفنا إلى ترويج الترهات عن بعضنا البعض، ولم يسع إلا نفر قليل من الجانبين لبناء جسر من التواصل عبر جهود التقريب، وهو جسر تثبت الأزمات أنه هش، لكن نجتهد في دعمه طول الوقت لأن انهياره خسارة للأمة وتبديد للقوة وتمكين لأعدائنا.

ربما كنت حينها في السادسة عشرة من العمر أو حولها حين وقع في يدي كتاب المفكر المصري خالد محمد خالد «أبناء الرسول في كربلاء»، وقرأته المرة تلو المرة وبكيت آنذاك كما يبكي الشيعة اليوم في الحسينيات. ربما تنقصه الدقة في المصادر التاريخية لكن مداد قلمه في هذا الكتاب كان مغموسا في دم الحسين بحق.

أدركت مبكرا أن هناك فاجعة حلت بنا في تاريخ الإسلام كنا في حاجة للنظر فيها وتأمل العبرة منها، لكن الأبصار توجهت نحو تأسيس الحكم وبناء الدولة وبسط سلطانها، وتغافلنا عن الثمن... ثمن كربلاء... وثمن تحول الخلافة إلى مُلك، وغلبة طبائع الاستبداد على نهج الاستخلاف... إلى يومنا هذا.

لم يكن عندي في بيروت وقت لأتجول في المجالس، لكن تضييع هذه الفرصة للسير والنظر لم يكن ممكنا، فصحبتني صديقة سنية وأخرى شيعية بناء على طلب مني إلى مجلسي عزاء ليلة الجمعة، كان الأول في قاعة «ثانوية البتول» والثاني في «مجمع سيد الشهداء» الأضخم بكثير.

كانت أول مرة لي أحضر مجلس عزاء في المحرم في وسط شيعي، وقد تلقيت تحذيرات عديدة من أصدقائي المقربين من السلفيين مرارا وتكرارا أن أتجنب مخالطة الشيعة، ناهيك عن حضور مجالس عاشوراء!

عبثا حاولت أن أشرح التمييز بين الخبرة السوسيولوجية كباحث اجتماعي وسياسي والتعارف الإنساني كبشر نتقاسم الأوطان، وبين الإقرار الفقهي أو حتى العقدي، لكن محاولاتي للجدل بالتي هي أحسن في تلك النقاشات المتكررة في مصر وفي تجوالي في مجتمعات الخليج والمشرق العربي كانت تذهب عادة أدراج الرياح.

أسجل هنا مشاهداتي لأني أعتقد أن تجربة التواصل بين أبناء الأمة عبر الخلاف فريضة غائبة، والاحتكاك المباشر يتيح فرصة للتعارف وتصحيح الصورة، ومساحة أكبر من التعايش رغم ما بين التيارات من «فوارق» تبلغ حد «الفوالق» أحيانا.

أول ما لفت نظري هو وجود «عالَم شيعي»، فالصور المعلقة على الحوائط تجمع بين عماد مغنية شهيد حزب الله، والسيد عباس الموسوي الأمين العام الأسبق، والخميني وخامنئي، وهي صور بالنسبة لامرأة سنية (شافعية الروح) مثلي لافتة جدا.

في مدخل أي مجلس ستجد من يوزع المناديل الورقية تحسبا لانخراطك في البكاء، وبدوت كالبلهاء لأن وجهي كانت تكسوه ابتسامة عريضة شغفا بالمعايشة لما هو جديد عليّ في حين تكسو الوجوه سيما الحزن.

جلست حيث انتهى بي المجلس وجاورت فاطمة صديقتي كي تشرح لي همسا ما يدور.

كان السيد هاشم صفي الدين هو المتحدث وكان الموضوع هو التبين والتحقق وترك تداول النبأ غير الصادق، والتمييز بين الظن والحق.

تلاه السيد أبو عاصم الموسوي من العراق - الخطيب الحسيني - فروى سيرة مقتل «علي الأكبر» ابن الحسين، وكنت قد شهدت على التلفاز في قناة الأنوار الشيخ عبدالحميد المهاجر - العراقي - يخطب في الكويت، ففهمت فكرة العالم الشيعي وكيف تخلقه الطقوس وتبادل الأسفار والمشاركات في الحسينيات ومواسم مجالس العزاء الكربلائية، وحركة الملايين لزيارة العتبات المقدسة.

باستثناء وصف عابر لمعاوية ورد في ثنايا الحكي لم يرد سب للصحابة كما كنت أتحسب، ولاحظت في هذا المجلس ثم الذي تلاه في مجمع سيد الشهداء تنوع الصيغ الأدبية للرواية التي تُحكى، ما بين الإنشاد الحزين بالدارجة اللبنانية، والقصة المنقولة من كتبهم للتاريخ بالفصحى، ثم الشعر المأثور قديمه وحديثه، فالحكي في الحسينية فن وله رواده، ويسعى إلى استثارة شعور المستمع وصولا للبكاء، فإن لم تبكوا... فتباكوا.

ذكر الموت وتكرار المشهد الدموي ينسج الحياة مع الموت في نسج فريد، لا تتعجب إذا من قلب تربى على سماع هذه القصة بصيغ مختلفة أن يتشبع بيقين، وأن يرتقي لتلك الرفعة الاستشهادية، التي يمتزج فيها دم الحسين بدمع زينب، وإطلالة بلَوَعَة من علي.. لفاطمة الزهراء.

لفتني أيضا بعيدا عن قصة المهدي في التراث الشفهي للشيعة الإثنى عشرية كما سمعتها في بيوت الصديقات من الشيعة في لندن والكويت والبحرين ولبنان (التي هي القصة الأكبر في هذا التراث) مفهوم الزمن وتجليه في الثقافة الشيعية، فالناس تعزي نفسها في الحسين وآله كأنه ووري الثرى منذ قليل، وتعيش فكرة المهدي المنتظر عبر الحسينية ومجالس الدعاء في أيام الجمعة وغيرها وكأنه سيظهر اليوم. ومازلت أذكر العنوان الدال لكتاب علي شريعتي «الحسين وارث آدم» (أرى وارث آدم هو النبي محمد - لكن ليس هذا مجال التنازع هنا).

فكرة امتداد الزمن أفقيا، ثم تكامله رأسيا بحضور آل البيت في الطقوس والتوسل بهم والنظر لهم باعتبارهم أحياء عند ربهم يرزقون. وأنظر إلى وصف المصريين للسيدة زينب الصغرى بأنها سيدة الديوان (ديوان المظالم الذي ينظر في شكوى الأحياء) ومن هنا زيارتها هي والسيدة نفيسة والسيدة سكينة وغيرهن من نساء بيت النبوة جيلا بعد جيل، وهو ما بقي في التراث الشعبي المصري منذ العصر الفاطمي حين كان مذهب مصر الرسمي يومها هو التشيع، وإن بقيت فكرة «المظلومية» خصوصية شيعية بامتياز.

في المجلس الثاني الأكبر مساحة وعددا حيث الناس جلوس على البُسُط ويمتزج القادمون من خلفيات أكثر شعبية كان السيد إبراهيم الأمين يتحدث عن الأمومة، منتقلا من مشهد النساء في كربلاء إلى دور المرأة المسلمة المعاصرة في الحفاظ على دين وتراث المجتمع .

ومجددا كان الشيخ علي سليم يروي هناك قصة مصرع علي الأكبر، تلاه الشيخ حسين الأكرف من البحرين بترديد اللطميات وبدأ الشباب بالضرب على صدورهم ففزعت، وأنا أعلم أن لطم الوجوه وضرب الظهور وغيره محرم عند غالبية شيعة لبنان وغيرهم من التيار العام في الفقه الشيعي اليوم، لكن ما توقعت أن أحضر هذا المشهد الذي آلم قلبي لدراميته الشديدة التي تهز هزا... فانصرفت... وعندي أفكار كثيرة في حاجة لاستيعابها.

استوقفني أن الزخم يمتد عشرة أيام، وأن الحسينيات تجدد الفكرة والشعور عبر السنين والعقود والقرون.

يتسم الفضاء الطقوسي والشعائري بالإحكام والتأثير الضام للجماعة، وهو ما يشترك فيه الشيعة - أنثروبولوجيا - مع سمت الأقليات في المجتمع والتاريخ، بما يحفظ التماسك الشعوري والولاء القوي للجماعة المذهبية.

رأيت أيضا الرجال يبكون، ففي الحسينيات ومجالس العزاء تتصاعد وتيرة الحكايات حتى ينخرط الجمهور في البكاء، فترى الشيوخ والشباب يبكون ويهتزون من شدة النحيب.

هذا أيضا أمر يستحق النظر والدراسة، فهناك فرصة عبر المجالس للتعبير عن الحزن، والضعف، والندم، في مكان عام مشترك، بما يكسر فكرة ارتباط الرجولة بقسوة القلب وتحجر العين.

خرجت من المجلس الثاني أحاول تدوين بعض الملاحظات... وأنظر للجمع في تفرقه وسعيه راجعا ليأوي ليصبح ليوم جديد من الاجتماع لإحياء الذكرى وتجديد الأحزان والتعاهد على حفظ االمشهد حيا في الذاكرة وشاهدا في الحاضر ومشكلا للرؤى المستقبلية.

حين جلست أكتب هذا المقال تذكرت حين ثارت أزمة تصريحات الدكتور يوسف القرضاوي عن الشيعة منذ أشهر، ساعتها لقيت الشيخ فكان رأيي أن نسعى للتهدئة، ورأى الشيخ رأيا آخر، وخالفته وأنا له محبة وفي رحاب علمه تلميذة، فما كان من إحدى الحاضرات في المجلس، إلا أن ثارت وقالت «ما بكِ.. هل تشيعتِ؟!

لقد كتبتِ في نصرة المقاومة في لبنان ونعرف أفكارك!»..

فآثرت أن أُعرض عن هذا..

وحين بدأت أكتب في «الوسط» استجابة لرجاء الصديق العزيز الدكتور منصور الجمري الذي تجمعني بأسرته صداقة منذ خمسة عشر عاما واستجبت بعد طول إلحاح رأبا للصدع وتواصلا مع دوائر جديدة بعد الأزمة السالفة الذكر فكان الثمن خسارة صداقات بين أحبتي من أهل السنة في البحرين ومقاطعة، ومازال في صدر حبيبات لي في الكويت شيء من زياراتي للضفة الأخرى من الشيعيات حين أزور الديار.

لا أنا تشيعت ولا غيرت أفكاري، لكنني أسير وأتعلم وأنظر وأفهم، وأسأل الله أن نجتمع عند الكوثر، وأن يشفع لنا الرسول يوم الحشر وأن يصلح الله بيننا يوم القيامة إذا كنا لم نستطع أن نمد الأيدي لبعضنا البعض في اللحظات التي لم تكن تحتمل إلا التعاون على البر والتقوى... لكننا عجزنا.

فاللهم «لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ» سورة البقرة (286)

العدد 2669 - الأحد 27 ديسمبر 2009م الموافق 10 محرم 1431هـ

التعليقات (36)
التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أنت تعلق الآن كزائر .. يمكنك التعليق بـ3000 حرف عندالتسجيل من هنا

اقرأ ايضاً

شاركونا رأيكم