العدد 2355 - الأحد 15 فبراير 2009م الموافق 19 صفر 1430هـ

نجاد/ خاتمي.. وفرصة الفوز المُؤجّلة

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

حَيَّنَ السيد محمد خاتمي (65 عاما) إعلان ترشّحه للانتخابات الرئاسية العاشرة (ستُجري في 12 يونيو/ حزيران المقبل) باحتفالات الجمهورية الإسلامية بعشرة الفجر التي سبقت انتصار الثورة رسميا في الحادي عشر من فبراير/ شباط من العام 1979.

الإعلان تمّ تضمينه بشكل مُركّب ومُبهم من قِبَل (مسئول إصلاحي!) بأن ترشّح السيد خاتمي جاء بعد موافقة (ضمنية) من المُرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله العظمى السيد علي الخامنئي.

هذا التضمين بالتأكيد يأتي (على الأقل) لتحييد القوى المحافظة داخل النظام وبين مسطرة الأحزاب معا، وكبح جموحها لقول أو فِعْلِ ما قد يُعيق ترشّح الرجل. وقد يكون (أيضا) تمهيدا للفصل بينه (أي خاتمي) وبين غيره من إصلاحيي جبهة المشاركة المُنْهَى عن مشاركتهم في السلطة منذ فبراير/ شباط 2004.

حسنا. قد يكون مُفيدا أن تتم المقاربة بين عهدين (نجاد/ خاتمي) لكي نظفر بمفاضلة صائبة حول من سيكون أفضل لتزّعم الجمهورية الإسلامية في المرحلة القادمة. وقد تكون هذه المفاضلة توصيفا لأداء الحكومة الحالي في مجالات حسّاسة غفلت عنها حكومتي خاتمي الأولى والثانية، وبالتالي امتازت عن غيرها في طبيعة تصدّيها لتلك المجالات.

خاتمي حَكَمَ إيران منذ 2 أغسطس/ آب 1997 ولغاية 2 أغسطس 2005. وأحمدي نجاد حَكَمَ (وسيحكم بالتأكيد ما تبقّى له من مدّة) إيران منذ تاريخ انتهاء ولاية خاتمي الثانية ولغاية 2 من أغسطس 2009. وعلى رغم أن الفرصة في تقييم حقبة خاتمي أكبر من حقبة نجاد لتمددها على ولايتين فإن الأمر ليس عصيّا أيضا.

ما يهمّ في كل ذلك هو ما يخصّ الشأن الاستراتيجي للدولة الإيرانية. هذه الاستراتيجية تتعلّق بأداء الحكومات في توجيه السياسات الداخلية والخارجية معا. وهنا أشير إلى نموذجين فقط في مقاربتي للموضوع.

سلوك داخلي

منذ مجيء الرئيس محمود أحمدي نجاد حصلت تغييرات مهمّة في مرافق الدولة. بل يُمكن الحديث عن حصول انقلاب مفاهيمي أصاب البيروقراطية الإيرانية لدرجة التبدّل في الملامح وكأنها عمليات جراحية (غائرة) في الوجه.

من أهم الأمور التي قامت بها حكومة أحمدي نجاد هو طرحها خمسين في المئة من أسهم الحكومة في الشركات الاستثمارية في عُموم محافظات إيران الثلاثين، وإتاحة الفرصة للتعاونيات والأفراد بتملّكها.

وقد أعطتهم الحكومة فرصة للسداد بلغت عشر سنوات، الأمر الذي قلّل من النفوذ الإجرائي داخل المشروعات الاستثمارية وتحويل الإشراف إلى اللامركزية، ومن ثمّ تحويل الدعم العيني إلى دعمٍ نقدي مباشر وغير مباشر.

ثم قامت الحكومة بطرح أكثر 46.4 مليار دولار كسيولة عن طريق تقييمات للموازنة. وأعلن زيادة وقدرها 11.7 في المئة في رواتب الموظفين، مع دفعها للاعتماد على الاقتصاد الإنتاجي في المجالات الصناعية والزراعية والتقنية.

وفي عمل موازٍ قامت الحكومة أيضا بمواجهات مباشرة مع البيروقراطية الإدارية في قطاع النفط الذي يُعتبر المصدر الأهم لدخل البلد. فأُقيل نائب المدير العام لشركة أورينتال أويل كيش. وأُوكلت مباحثات تصدير الغاز الطبيعي مع الهند وباكستان إلى مستشار الرئيس للشئون الدولية نجاد حسينيان.

في تفاصيل تلك المواجهات التي كان يُسمّيها أحمدي نجاد بأنه يقودها ضد «المافيات» استعان الرئيس بالقدرات الهندسية والإدارية للحرس الثوري (الباسداران) كأحد المُرتكزات القوية في النظام. فقد أوكلت وزارة النفط الإيرانية للوحدات الهندسية بالحرس مهمّة توسيع حقل بارس الجنوبي بقيمة 2.5 مليار دولار.

كما أعلنت وزارة الطاقة الإيرانية بأنها أوكلت للشركات المدنية التابعة للحرس الثوري مهمّة مشاريع المياه وشبكات الكهرباء والطُرق المحمولة في الغرب الإيراني. وفي أمرٍ موازٍ قام الرئيس باستوزار 9 من قادة الحرس في حكومته، وعدد آخر كمحافظين في إيلام وخوزستان وكرمان وهمدان وآذربيجان الغربية.

كانت تلك الخطوة من الرئيس أحمدي نجاد تهدف إلى قضم ما تبقّى من فلول القوى المتنفذة التي جاءت إبّان الموجة الإصلاحية بعد منتصف التسعينيات. وهي إن بدت في بعض أطوارها راديكاليّة (في محطّات مُحدّدة) إلاّ أنها في قطاع النفط باتت أكثر من ضرورية على اعتبار أن كثيرا من الإصلاحيين المتطرفين كانوا أشبه باللوبيات المُتّكأة على المال العام.

الأكثر من ذلك فقد قام الرئيس بمنع المسئولين من استخدام إمكانات الدولة حتى تلك المتعلقة «بالعرف الرسمي» مثل مناسك الحج والعمرة والزيارة. كما مَنَعَ طبع بطاقات المعايدة أو التهنئة في جميع مؤسسات الحكومة. (راجع ما كتبه د. محمد السعيد عبدالمؤمن أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس).

تحريك الاستثمار

في الفترة التي حَكَمَ فيها الرئيس أحمدي نجاد إيران جرى تحريك مجال الاستثمار الأجنبي بطريقة سريعة وقويّة. فقد أجيزت البنوك التجارية والمتخصصة أن تستفيد من مصادر التمويل الدولية لتوفير المصادر المالية الضرورية للمشروعات غير الحكومية.

وقامت حتى نهاية العام 2007 بجني عقود للطاقة بلغت مع القطاع الأجنبي عشرين مليار دولار. وإن حجم التكرير في مجالات الغاز نتيجة ذات الاستثمارات قد ارتفع إلى 90 مليون متر مكعب يوميا.

خلال فترة خاتمي الأولى والثانية لم تستطع حكومتاه (الموسومة بالاعتدال) من جذب الاستثمارات لإيران كما يجب. فقد وصل حجم الاستثمارات الأجنبية المتدفقة على إيران في ظل قانون حماية وتشجيع الاستثمارات الأجنبية إلى مستويات متدنية جدا.

ففي العام 1997 وهو العام الأول للسيد خاتمي في الحكم (والذي انقضى ثلاثة أرباعه في حكومة رفسنجاني الثانية) بلغت الاستثمارات الأجنبية 174.8 مليون دولار. وفي العام التالي (1998) انخفض الرقم إلى 5.8 مليون دولار!.

وفي العام الأول لحكومته الثانية (2001) لم يحقق خاتمي في مجال الاستثمار الأجنبي سوى 68 مليون دولار! وفي العام التالي 612.7 مليون دولار. لكننا نجد مثلا أنه وفي العام 2006 أي بعد عام واحد من مجيء الرئيس أحمدي نجاد وصل حجم الاستثمارات الأجنبية إلى 10277.8 مليون دولار. وفي العام التالي إلى 10782.2 مليون دولار! (راجع دراسة «الاستثمار الأجنبي المباشر في إيران» د. حميد هوشمندي عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية الحرّة).

الأكثر من ذلك فإن الدورة الاقتصادية التي كانت سائدة في فترة رئاسة السيد محمد خاتمي كانت ترتكز في ستين في المئة من أنشطتها داخل المدن الكبيرة، في حين يتم تهميش بقية المدن والأرياف (وحتى بعض المحافظات) من الأنشطة الاقتصادية المباشرة.

كما أنها لم تستطع أن تُوازن في موضوع توزيع المشروعات الاستثمارية الأجنبية بشكل جيّد. ففي الوقت الذي تُشكّل فيه الزراعة مصدرا هاما لقطاع بشري كبير داخل إيران إلاّ أنها لم تحظى سوى بخمسة مشروعات استثمارية، في حين شَهِدَ قطاع الصناعة 283 مشروعا استثماريا أجنبيا.

على أيّة حال. الانتخابات الإيرانية لم يبقَ على إجرائها سوى أربعة أشهر تقريبا. وقد تكون هذه الفترة جيدة لمراقبة بازار الإنجازات وضدّها. وهو أمر بات مُتعارف عليه في إيران، وخصوصا أن عدد المُترشحين قابل للزيادة. وللحديث صلة

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 2355 - الأحد 15 فبراير 2009م الموافق 19 صفر 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً