العدد 555 - السبت 13 مارس 2004م الموافق 21 محرم 1425هـ

سلبيات عدم فعالية التشريع والرقابة على برنامج الحكومة

الرقابة البرلمانية قانونا وممارسة... مجلس النواب البحريني نموذجا (2-2)

عباس بوصفوان comments [at] alwasatnews.com

.

تناولت حلقة أمس آليات الرقابة البرلمانية ودور المجلس في استخدام صلاحياته وعدد الأسئلة التي وجهت لوزراء الحكومة، ومدى تجاوب الوزراء مع أسئلة النواب.

وهنا حلقة ثانية تستكمل عناصر آليات الرقابة وأثر ضعف التشريع على الرقابة:

2 - 3 في الرؤية

إذا كان هدف السؤال، عموما، التأكد من صحة الأوضاع، ما يستدعي - إذا اتضح أن الأمور ليست على ما يرام - اتخاذ إجراء آخر بعد توجيه السؤال، يلاحظ أن سؤالا واحدا فقط شكلت على إثره لجنة تحقيق بشأن التجنيس السياسي يتوقع أن تؤدي دورا سلبيا بسبب طبيعة تشكيلها والقيود المفروضة على عملها.

وقد يعني ذلك أحد أمرين، الأول: أن تكون إجابة الوزراء على الأسئلة مقنعة تماما، وأن لا حاجة لتدخل المؤسسة التشريعية، سواء باتخاذها قرارا تشريعيا يصحح الوضع، أو باتخاذها إجراء رقابيا أشد. ومثل هذا التفسير غير معقول في بلد عاش في ظل قوانين شبيهة بقوانين أمن الدولة، أعطت السلطة التنفيذية في ظلها فرصة لاختطاف البلد.

الاحتمال الثاني أن النواب لا يشتغلون وفق نظرة واضحة، يستخدم السؤال لخدمة غرض سياسي أبعد. وإنما يوجه السؤال من دون هدف محدد ومرسوم، لذا يموت السؤال بمجرد إجابة الوزير عليه، وتعليق النائب عليه مرة واحدة.

وهذا يعطي دعما للقول إن البعد القانوني ليس - بالضرورة هو - المعضلة الرئيسية، ولا حتى البعد المتعلق بضعف السكرتارية ودائرة البحوث في مجلس النواب، على رغم أهمية هذين الجانبين وتأثيرهما في عمل النواب.

4- الاستجواب

تنص المادة (65) من دستور 2002 على أنه «يجوز بناء على طلب موقع من خمسة أعضاء من مجلس النواب على الأقل أن توجه إلى أي من الوزراء استجوابات عن الأمور الداخلة في اختصاصاته».

وفي دستور 1973 فإن نص المادة (67) يتيح «لكل عضو من أعضاء المجلس الوطني أن يوجه إلى رئيس مجلس الوزراء وإلى الوزراء استجوابات عن الأمور الداخلة في اختصاصهم ...»، كما يتيح الدستور الكويتي واللوائح الداخلية لأي نائب تقديم استجواب إلى رئيس الوزراء والوزراء.

ويمكن من ذلك استخلاص أن دستور 2002 - مقارنة بدستور 1973 - قلص من امكان توجيه الاستجواب، أولا: بربطه بموافقة خمسة نواب، وثانيا: باستثناء رئيس الوزراء من توجيه الاستجواب.

وبحسب ما ورد في المادة (65) من دستور 2002 من جواز أن «يؤدي الاستجواب إلى طرح موضوع الثقة بالوزير»، عدم جواز توجيه استجواب إلى رئيس الوزراء، ذلك أن المادة (67) تنص على أن «لا يُطرح في مجلس النواب موضوع الثقة برئيس مجلس الوزراء».

يشار إلى أن اللائحة الداخلية التي يُعمل بها تنص على استجواب الوزراء في اللجنة المختصة وليس أمام مجلس النواب، لكن التعديلات التي أقرها مجلس النواب، كما يبدو من مسودة التعديلات التي أعدتها اللجنة التشريعية، تمكن من استجواب الوزراء أمام المجلس مباشرة.

ومن السابق لأوانه الحديث عن نتائج الاستجوابات الحالية. ويمكن القول - عموما - إن النواب استثمروا «عصا» الاستجواب ضد خصمهم (الحكومة) على نحو جيد، ويمكن أن يسمى ما فعلوه استجوابا مشروطا، وهي أمور معتادة في السياسة، فإذا لم تنفذ الحكومة طلبات النواب ورؤاهم سيتم استجواب الوزراء الثلاثة (وزير المالية ووزيري العمل السابق والحالي) في قضية هيئتي التقاعد والتأمينات، إضافة إلى استجواب وزير الإعلام في موضوع «الأخ الأكبر».

لكن قد يبدو وخصوصا في قضية الأخ الأكبر أن هناك مشاغل أكثر أهمية من «الأخ الأكبر» لم يتم سؤال الوزراء بشأنها، وغير صحيح التفسير الذي يقدمه النواب في هذا الحال من كون الاستجواب قدم أساسا لأن وزير الإعلام لم يف بوعوده، ولو كان كذلك لتم الإبقاء على الاستجواب.

ثانيا: التشريع

وأثره على الرقابة

في الجزء الثاني من الورقة سيتم الحديث عن معوقات أخرى تأثر سلبا على تفعيل رقابة مجلس النواب: عدم فعالية التشريع، والرقابة على برنامج الحكومة.

1- التشريع والرقابة

للبرلمان وظيفتان تشريعية ورقابية. ولأهداف سياسية ربما يغلّب البعض أحدهما على الآخر. وبقدر ما تتمتع البرلمانات بسلطات أوسع في التشريع والرقابة تستطيع لعب دور في تسيير شئون الدولة.

في البحرين، حيث النقاش دائر بشأن دستور 1973 ودستور 2002، فإن الدستورين يعطيان مساحة «مقيدة» لدور البرلمان في التشريع، وكذلك في الرقابة. مع تأكيد أن قدرة أقل في التشريع تعني فاعلية أقل في الرقابة، باعتبار التشريع - كما أرى - في جزء منه على الأقل، رقابة مسبقة أو قبلية.

يعطي دستور مملكة البحرين - يرى قانونيون ان تسمية الدستور الصادر في 14 فبراير/ شباط 2002 بـ «دستور مملكة البحرين» خطأ قانوني وخصوصا انه يعد بحسب اصداره دستورا معدلا لـ «دستور دولة البحرين»، وليس دستورا جديدا لذلك كان من الصحيح إبقاء تسميته الأصلية - لمجلسي الشورى والنواب المتساويين في العدد صلاحيات متساوية في التشريع. ويبدو من النصوص الدستورية المستحدثة أن ست جهات تشارك - رسميا - في صوغ التشريعات، هي: جلالة الملك، مجلس الشورى المعين وعدد أعضائه 40 عضوا، ومجلس النواب المنتخب وعدد أعضائه 40 عضوا - تنص المادة (70) من «دستور مملكة البحرين» على ان «لا يصدر قانون إلا إذا اقره كل من مجلسي الشورى والنواب أو المجلس الوطني بحسب الأحوال وصدق عليه الملك - والمجلس الوطني المكون من مجلسي الشورى والنواب - تنص المادة (85) من «دستور مملكة البحرين» على الآتي: «اذا اختلف المجلسان على مشروع اي قانون مرتين، يجتمع المجلس الوطني برئاسة رئيس مجلس الشورى لبحث المواد المختلف عليها ويشترط لقبول المشروع ان يصدر قرار المجلس الوطني بغالبية الأعضاء الحاضرين، وعندما يرفض المشروع بهذه الصورة لا يقدم مرة ثانية الى المجلس الوطني في الدورة نفسها - والسلطة التنفيذية عبر إعطاء نفسها فرصة الاحتفاظ بالقانون لمدة سنتين مخالفة بذلك روح المادة 92 من الدستور - جاء في الفقرة (أ) من نص المادة (92) من «دستور مملكة البحرين» ما يأتي: «... فإذا رأى المجلس قبول الاقتراح أحاله الى الحكومة لوضعه في صيغة مشروع تعديل للدستور أو مشروع قانون وتقديمه الى مجلس النواب في الدورة نفسها أو في الدورة التي تليها - وهذا يعني أن أي تشريع لا يمكن للمجلس المنتخب أن يبت فيه، ما يعني أن أية رقابة يريد البرلمان أن يمارسها، وأن يتخذ بشأنها قرارا تشريعيا لتصحيح ما يراه خطأ، لن تكون سهلة المنال.

2- برنامج الحكومة

يبدو أن السلطة التنفيذية لا تميّز بين الخطاب والبرنامج. وعمليا هي تخلط - بقصد وإدراك على الأرجح - بين المصطلحين، كي لا تلزم نفسها بتقديم خطط وآليات عمل.

فبينما تنص المادة (74) من دستور 2002 على أن «يفتتح الملك دور الانعقاد العادي للمجلس الوطني بالخطاب السامي»، الذي يتضمن رؤية جلالته للمرحلة المقبلة، ويحدد أولويات حكومته، من دون الدخول في التفاصيل. فإن المادة (88) من دستور 2002 تلزم بان «تتقدم كل وزارة (أي حكومة) فور تشكيلها ببرنامجها إلى المجلس الوطني، وللمجلس أن يبدي ما يراه من ملاحظات بصدد هذا البرنامج».

وعند النظر في الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء أمام المجلس الوطني في 28 ديسمبر 2002، نراه لا يعدو كونه خطابا مطولا أعاد في بعض المواقع وتجاهل في مواقع أخرى، ما ورد في خطاب جلالة الملك الذي ألقاه في افتتاح البرلمان في 14 من الشهر نفسه.

ويرى كثيرون أن خطاب الحكومة لا يرقى إلى أن يكون برنامجا مفصلا. علما أنها المناسبة الأولى التي تطرح فيها الحكومة برنامجا مكتوبا فيما يبدو. وأتذكر أن صحيفة «الوسط» نشرت عنوانا وصفت فيه البرنامج بأنه «خطاب عمومي خال من الجديد والأرقام وآليات العمل»، يتجاهل إيجاد حلول لقضايا الفساد والبطالة والإسكان والمرأة والبيئة وتكافؤ الفرص وتعزيز المواطنة...

وعلى رغم أن المجلس الوطني أعد ملاحظات مطولة على برنامج الحكومة، فإن رد الفعل الرسمي لم يتعد التوجيه بإحالة هذه الملاحظات إلى اللجنة الوزارية المختصة «للاستئناس بها» فقط.

كما لم تستجب الحكومة لنداءات مجلس النواب لتقديم برامج تفصيلية عن مشروعات الوزارات. ودفنت الرغبة التي تقدم بها عدد من النواب لتشكيل لجنة نيابية مؤقتة تتولى متابعة تنفيذ التوصيات التي وضعتها اللجنة على برنامج الحكومة. ولا يعرف بعد ذلك كيف يمكن لمجلس النواب أن يراقب أداء الحكومة. وبالمناسبة فإن ذلك - إضافة إلى ضعف الفعالية التشريعية - ربما يزيد من اشتغال النواب بالقضايا الثانوية.

إن البرلمان مازال غافلا عن متابعة ما يمكن متابعته في البرنامج الحكومي، ومن بين ذلك التأكد من مدى تحقيق الحكومة للأهداف الكمية القليلة التي وردت في برنامجها مثل السعي إلى تحقيق «معدل نمو في الناتج المحلي الإجمالي يتراوح بين خمسة وستة في المئة سنويا، ورفع الناتج المحلي الإجمالي من 2860 مليون دينار تقريبا العام 2002 إلى 2986 مليون دينار تقريبا العام 2003، وحتى نصل إلى هذا النمو المستهدف، فإننا نحتاج إلى استثمارات جديدة في حدود 650 إلى 700 مليون دينار سنويا»، بحسب ما جاء في خطاب رئيس الوزراء، وهو الأمر الذي شكك اقتصاديون في تحقيقه.

يمكن أن يقال الكلام نفسه بشأن الموازنة التي لا يستطيع مجلس النواب التأثير في كيفية صرفها.

والنقطتان الأخيرتان: الموازنة والبرنامج الحكومي، كفيلان بإعطاء تصور واضح عن ضعف الرقابة البرلمانية على النشاط الحكومي. وهذا يحتاج إلى مزيد من التفصيل، آمل أن تتاح لمناقشته فرصة أخرى.

ورقة قدمت الى حلقة «التنمية في ظل الانفتاح السياسي» من تنظيم المعهد الوطني الديمقراطي (NDI) بالتعاون مع جمعية ميثاق العمل الوطني

العدد 555 - السبت 13 مارس 2004م الموافق 21 محرم 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً