العدد 570 - الأحد 28 مارس 2004م الموافق 06 صفر 1425هـ

الإصلاحيون وخاتمي... تحالُف أم تخالُف؟

انقسام على المبادئ والنهج

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

«هل تعتقدون أنني لا أعرف ما الذي يُقال ويحدث في جلساتكم ضد الدين والثورة والنظام؟ إن البعض يُعاتبني معتقدا بأنني قد انحرفت عن مبادئ الإصلاحيين، ولكني أقول إلى هؤلاء أنكم أنتم الذين انحرفتم عن المبادئ أما أنا فمازلت ثابتا على مبادئ الاستقلال والحرية والجمهورية الإسلامية، وإنني أنهج مبادئ تحكم مسيرتي وتوجهي، وأهم مبدأ بالنسبة لي هو حفظ النظام وحمايته وإنني أبدا لا أسير وراء القضايا التي تُعَرّض النظام للخطر، وفي لقاء عُقِدَ ذات يوم في المجلس وكلكم تتذكرون؛ حين حضر عدد كبير من الأفراد وقالوا كل شيء أرادوه... قالوه للثورة والنظام والبعض منكم كان موجودا ولم تعترضوا آنذاك، والآن تريدون ألاّ يكون لدى مجلس صيانة الدستور حساسية ما، وإنني أقول إذا كان أحد الأشخاص يرى ويشعر أن هناك أي دليل أو وثيقة ما تدعم عملية رفض صلاحيته ففي اعتقادي أنه يجب عليه ألاّ يُشارك في الانتخابات».

قد يكون هذا الخطاب الحاد الذي نشرته صحيفة «كيهان» بتاريخ 15 يناير/ كانون الثاني 2004 للرئيس محمد خاتمي الذي ألقاه في مجلس الشورى الإسلامي للنواب (الإصلاحيين) من جبهة المشاركة الذين قاموا باعتصام احتجاجي في مبنى البرلمان بُعيد رفض أهليّة عدد كبير منهم؛ مدخلا مُهمّا يمكن من خلاله معرفة حقيقة الافتراق الذي وصلت إليه بعض الأطراف في جبهة «الثاني من خرداد» التي تضم زهاء 18 تنظيما يُوسمون بالإصلاحيين. فقبل أقل من أسبوع صرّح العضو البارز في حزب «جبهة المشاركة» وأحد مُنظريها سعيد حجاريان لوكالة أنباء الطلبة في ردٍ واضح على خطاب (ومواقف) الرئيس خاتمي بأن علاقة الإصلاحيين بخاتمي في هذه المرحلة هي «علاقة انتقاد واتحاد» بعد أن كانت علاقة «اتحاد وانتقاد» داعيا «جبهة الثاني من خرداد» إلى إعادة تقييم نفسها من الناحية النظرية والتنظيمية وتعريف العلاقة بين المواطنين وبينها وبين الائتلافات الجديدة فيها والتي يجب أن يُعاد تعريفها أيضا.

ويأتي وصف حجاريان لعلاقة الإصلاحيين بخاتمي على نحو التوصيف المذكور تأكيدا على بدء عملية فرز جديدة بدأت في الظهور بعد انتخابات 20 فبراير/ شباط الماضي التي أصابتها في مقتل لتتحكم في علاقة الإصلاحيين ببعضهم بعضا، ومدى تقارب رؤاهم وأفهامهم للمصطلحات الصناعية والعناوين السياسية التي أفرزتها مرحلتهم عقب انتخابات العام 1997وازدادت وتيرتها بعد انتخابات المجلس السادس.

فالحال التي سبقت الانتخابات الأخيرة بأيام «حزّبت» فئات تيار الإصلاحيين إلى سماطين، الأول يضم عشرة أحزاب تُعارض المشاركة وهي «رابطة الصحفيات» و«رابطة خريجي شبه القارة الهندية» و«الرابطة الإسلامية للمعلمين في إيران» و«الرابطة الإسلامية للأساتذة الجامعيين» و«الرابطة الإسلامية للقطاع الطبي» و«اتحاد مديروا الصناعات» و«مُجمّع النواب لعدة دورات في مجلس الشورى الإسلامي» و«جبهة المشاركة» و«منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية» و«مُجمّع أساتذة وباحثي الحوزة العلمية في مدينة قم»، أما الثاني فهو الذي قرر المشاركة في الانتخابات ويضم ثمانية أحزاب أخرى من الحركة الإصلاحية وهي «مجمّع علماء الدين المناضلين» (روحانيون الذي ينتمي إليه الرئيس خاتمي تنظيميا) و«حزب كوادر البناء» و«بيت العامل» و«حزب التضامن» و«حزب العمل الإسلامي» و«رابطة السائرين على نهج الإمام» و«رابطة المرأة الإسلامية» و«الاتحاد الإسلامي للمهندسين».

كما انسحب ذلك التباين أيضا في تعريفهم للتيار المحافظ، ففي الوقت الذي يُرحب فيه الرئيس خاتمي بالمعطيات الجديدة التي تتمثل شخوصها في تيار المحافظين، كما ذكر ذلك صراحة في مؤتمره الصحافي الأربعاء الماضي، نرى أن المتطرفين من الإصلاحيين كشمس الواعظين وتاج زادة ومزروعي وتاجريان يُشككون في إمكان حدوث وئام وانسجام بين المجلس السابع والسلطة التنفيذية، بل ويعتقدون بأن وزارتي الأمن والداخلية ستسقطان في أيدي المحافظين قريبا وهو ما ذكره صراحة صادق زيبا كلام وهو من كبار شخصيات التيار الإصلاحي. كما أن الزيارة التي قام بها الوفد البرلماني الإيراني إلى السنغال يُمكن التدليل بها على ذلك أيضا، فالوفد وقبل وصوله إلى العاصمة داكار لحضور اجتماع الدورة الثالثة لرؤساء برلمانات الدول الإسلامية توقف مدة يومين في باريس وقام اثنان من الوفد وهما رئيس البرلمان الشيخ مهدي كروبي ومستشار قائد الثورة الإسلامية الشيخ ناطق نوري (الذي يُرافقه كضيف خاص) بإجراء مباحثات مع مسئولين فرنسيين وأوروبيين، بعيدة عن أنظار المراسلين (بما فيهم مراسلي وكالة أرنا والمكتب المركزي للأنباء) عن قضايا عدّة تتعلق بالشأن الإيراني. والإشارة المُهمّة هنا أن مباحثات الشيخ كروبي (وهو شخصية إصلاحية معتدلة) بمعيته الشيخ ناطق نوري (وهو من الشخصيات المحافظة) يُعطي إشارة واضحة إلى حصول تقارب بين مُعتدلي الإصلاحيين وشخصيات التيار المحافظ وهو ما يُعتبر إخفاقا سياسيا لمتطرفي جبهة المشاركة .

ويشار هنا إلى ملاحظات مُهمة وموصولة بالعامل الخارجي بالنظر إلى خلفياتها وتداعياتها :

(1) تبيّن من خلال متابعات سياسية وتلميحات أن هناك أطرافا عدة في المنطقة وخصوصا سورية ولبنان ومصر كانت تريد أن يعود التيار المحافظ إلى الواجهة السياسية لإيران باعتباره الخط السياسي الذي كانت تتعامل به ومعه لفترة طويلة في حلحلة الكثير من الملفات الإقليمية وخصوصا في عملية الاستقواء به ضد «إسرائيل» وتركيا، كما أن غالبية الحركات الفلسطينية الإسلامية وغير الإسلامية وكذلك حزب الله في لبنان يرغبون الشيء ذاته خصوصا في ظل تعثر حركة المفاوضات واتفاقات السلام الإسرائيلية العربية.

ويذكر أن الخطاب السياسي الذي كان يتبعه التيار المحافظ وتمثّلاته في الساحة الإيرانية (على رغم براغماتيته أحيانا في السياسة الخارجية) هو الارتباط والالتصاق بقضايا المنطقة والدخول كطرف محوري في محدداتها ومكوناتها التفاوضية والسياسية. وهو خطاب مغاير بصورة كبيرة عما يطرحه بعض قيادات التيار الإصلاحي المتطرف من شعارات تختزل بصورة بائنة النظرة القومية، بالدعوة إلى إبعاد الجمهورية الإسلامية عن الدوائر والبُؤر الساخنة في المنطقة، وأهمها القضية الفلسطينية، بل ذهبوا إلى أكثر من ذلك عندما رفعوا شعار إيران للإيرانيين وهو ما جعل البعض يُشكك في صدقية المواقف الإيرانية، الأمر الذي حدا بالمرشد علي الخامنئي لأن يتدخل في أكثر من مرة لوقف تلك التداعيات الخطيرة كما حصل في قضية اللاجئين العراقيين.

(2) تبيّن أن المجلس النيابي السادس والذي تمثّل في غالبيته بأسوأ من في التيار الإصلاحي قد دخل في خلاف غائر مع مجلس صيانة الدستور الذي من مهمّته مطابقة القوانين المُحَالة إليه من البرلمان مع الموازين الدستورية والإسلامية. والغريب أن الإحصاءات الأخيرة تشير إلى أن مجمع تشخيص مصلحة النظام الذي يفصل في الخلاف بين المجلس النيابي والمجلس الرقابي قد انتصر في أكثر من 70 في المئة من قضايا الخلاف لصالح المجلس النيابي، وهو ما يُفنّد حملة الترويج (الإصلاحية) التي تتهم المجمع بأنه رديف للقوى المحافظة. وحتى عندما أرادت الحكومة قبل أقل من ثلاثة أيام سحب سبعة مليارات دولار من حساب احتياطي العملة الصعبة للإسراع في إكمال المشروعات الإنمائية غير المُكتملة وتسديد ديون الحكومة (بما فيها الديون المستحقة للبنك الزراعي) وتوحيد سعر الصرف الأجنبي وافق مجمع التشخيص على ذلك على رغم أنه يعلم أن جزءا من ذلك الإجراء هو دِعائي وخصوصا أنه صادر سلفا عن توصية تقدمت بها لجنة الموازنة في المجلس السادس، علما أن الإصلاحيين المتطرفين في جبهة المشاركة كانوا يُروجون إلى ما قبل أسابيع خلت إلى أن النواب المحافظين الفائزين في الانتخابات الأخيرة سيقومون في بداية نيابتهم بهذه الخطوة لإنفاق تلك المبالغ على مشروعات خَدَمية ذات تماس مباشر مع المواطن الإيراني بغية توسيع قاعدتهم الشعبية، تمهيدا للانتخابات الرئاسية المقبلة في 2005 إلاّ أن الذي حصل هو أن الإصلاحيين هم الذين قاموا بهذه الخطوة وللأهداف نفسها تقريبا.

ما يهم الآن هو ترقب تطورات أهم من ذلك خصوصا بعد نفي الرئيس خاتمي نبأ نيته الاستقالة، وصعود قيادات التيار المحافظ بأدبيات تتقارب مع ما يطرحه حزب كوادر البناء الإصلاحي من التركيز على البناء الاقتصادي، بالإضافة إلى ورود أنباء عن وجود مشاورات بين المعتدلين في الجناحين على اختيار أحد ثلاثة أسماء للانتخابات الرئاسية المقبلة وهم وزير الخارجية السابق علي أكبر ولايتي ورئيس الوزراء إبان الحرب العراقية الإيرانية مير حسين الموسوي والأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي حسن روحاني

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 570 - الأحد 28 مارس 2004م الموافق 06 صفر 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً