العدد 2760 - الأحد 28 مارس 2010م الموافق 12 ربيع الثاني 1431هـ

التوازن بين التنمية الصناعية والبيئة

محمد نعمان جلال

سفير مصر الأسبق في الصين

هناك قضايا أصبح يطلق عليها قضايا العصر أي قضايا تنتمي إلى القرن الحادي والعشرين وبالأحرى برزت في الربع الأخير من القرن العشرين وتزايد الاهتمام بها لمخاطرها الجمة أو لدورها المتعاظم على الساحة الدولية، وفي مقدمة تلك القضايا موضوع البيئة والتلوث، وموضوع حقوق الإنسان، وموضوع انتشار المخدرات على مستوى دولي خطير، وموضوع سباق التسلح وغير ذلك.

وعلى رغم أن مخاطر هذه القضايا تبرز على مستوى العالم بأسره إلا أن بعض المناطق أو الدول تواجه هذه المخاطر أكثر من غيرها. ومن ثم تبدي اهتماما بها يفوق اهتمام دول أخرى.

قضية البيئة والتلوث الناتج عن التطور الصناعي تأتي في مقدمة القضايا التي تهتم بها اليابان، ولعل مرجع ذلك الكثير من الاعتبارات في مقدمتها.

إن اليابان هي الدولة الوحيدة في العالم التي عانت ولاتزال تعاني من آثار إلقاء القنابل الذرية على مدينتين من مدنها المهمة وهي هيروشيما ونجازاكي ويذهب بعض المؤرخين السياسيين والعسكريين إلى أن إلقاء هاتين القنبلتين على اليابان لم يكن له ضرورة عسكرية لأن اليابان كانت قاب قوسين أو أدنى من الاستسلام، ومن ثم فإن هذا العمل استهداف تدشين عصر القوة الأميركي بالتوصل إلى أكثر الأسلحة فتكا، على رغم أن الاتحاد السوفياتي لم يتأخر سوى بضع سنوات ليلحق بالركب الأميركي. وأدى إلقاء الولايات المتحدة القنابل الذرية إلى التدمير الهائل الذي لحق بهاتين المدينتين وانتشار الأمراض الناتجة من أثر الإشعاع الذري إلى مسافات بعيدة في اليابان ومياهها الإقليمية ولاتزال آثار ذلك باقية حتى الآن.

إن اليابان دولة محدودة الموارد الطبيعية والاقتصادية وهي دولة طامحة للتطور والتقدم وبخاصة منذ إصلاح الميجي Meji العام 1868 وهذا أدى إلى ثورة صناعية امتزجت بالطموحات التوسعية على غرار ما حدث في القارة الأوروبية مما أدى لتوسع اليابان على حساب كوريا والصين ومناطق جنوب شرق آسيا، وهذا ترك فجوة تاريخية ونفسية عميقة بين اليابان وتلك الدول، لاتزال آثار هذه الهوة بينهم لم يتم التخلص منها بصفة كاملة حتى الآن.

إن اليابان بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية وتدمير صناعاتها فإنها سعت إلى استعادة قوتها وساعدها على ذلك ثلاثة عوامل أولها الروح الوثابة للشعب الياباني الذي عرف بتفانيه في العمل والإنتاج، وثانيها المساعدة الأميركية لإعادة إحياء اليابان بعد تدميرها في الحرب العالمية الثانية لكي تقف في وجه التوسع الشيوعي في منطقة شرق آسيا بعد انتصار الثورة الشيوعية في الصين، ثم حرب كوريا العام 1950 - 1952 وتقسيم شبه القارة الكورية، وثالثها بروز حركة التحرر الوطني في القارة الآسيوية التي كانت موجهة في المقام الأول ضد الاستعمار الغربي وبخاصة الأوروبي، وسعي اليابان لإصلاح ما فسد من علاقاتها مع الدول الآسيوية، من خلال التعاون الاقتصادي والتجاري، ورسم سياستها تجاه تلك المنطقة على أسس جديدة اقتصادية وتجارية بحثا عن الأسواق والمواد الخام. وهكذا ساعدت تلك العوامل اليابان على بناء نهضتها الحديثة. ومن ثم فإن التطور الجديد لليابان بعد الحرب العالمية الثانية أطلق عليه المعجزة اليابانية لسرعة عملية التنمية مع ندرة الموارد لدى اليابان وبعد هزيمتها الساحقة. هذه المعجزة كان لها ثمن وهو مزيد من إهمال البيئة في المرحلة الأولى من تطور هذه المعجزة وبخاصة في عقدي الخمسينيات والستينيات.

ومع منتصف السبعينيات أدركت اليابان مخاطر التلوث البيئي، وهو تلوث لم يكن كله نتيجة هذه الثورة الصناعية، بل أيضا في جزء كبير منه نتيجة آثار الإشعاع النووي.

وقد تناولت ندوة التوازن بين التنمية الصناعية والبيئة التي عقدتها اليابان في المنامة يوم 16 مارس/ آذار 2010 بالتعاون بين الهيئة العامة لحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية في البحرين وبين المؤسسة اليابانية المعروفة باسم Japan Foundation واضطلعت سفارة اليابان في البحرين بالدور الرئيسي في التنسيق والإعداد لهذه الندوة المهمة والتي تحدث فيها أستاذان يابانيان متخصصان في قضايا البيئة والتلوث البيئي، وكذلك مسئولة من الهيئة العامة لحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية هي زهوة الكواري، وقد افتتح الندوة المستشار كوندو القائم بأعمال السفارة اليابانية.

ولعلني أشير إلى عدد من النقاط المهمة وذات الدلالة في تلك الندوة:

الأولى: إن هذه الندوة هي الندوة الثانية التي تعقدها اليابان في البحرين خلال فترة وجيزة، وهذا يعكس اهتمام اليابان بنشر الفكر الذي يوضح مخاطر التلوث البيئي ليس في بلادها وإنما في الكثير من الدول.

الثانية: إن هذه الندوة هي إحدى حلقات سلسلة من الأنشطة اليابانية ذات الصلة بقضية البيئة. وبعد ندوة البحرين سافر الوفد الياباني إلى مصر لعقد ندوة مماثلة.

الثالثة: إن هذه الندوة وأمثالها تعكس الأهمية الكبيرة التي تعلقها اليابان على نشر الوعي المتصل بمخاطر التلوث البيئي وتعرض لتجربتها في التطور الصناعي وأثره الضار وكيفية مقاومة هذه الآثار سعيا لخلق توازن بين هذا التطور الصناعي الضروري وبين الحفاظ على بيئة نظيفة تعد ضرورية لصحة الإنسان وحمايته من الأمراض الفتاكة وهو ما يعكس سعي اليابان لتحقيق توازن بين حق الإنسان في التقدم والمعيشة اللائقة وبين حقه في بيئة نظيفة وهذه من حقوق الجيل الثالث من منظومة حقوق الإنسان.

الرابعة: إن المحاضرين اليابانيين كانا على درجة عالية من الكفاءة والخبرة والعلم بموضوعهما ولهذا حظيت الندوة بتواجد من المختصين والمثقفين من البحرين وساعد على هذا التواجد نشاط السفارة اليابانية في البحرين واتصالاتها.

الخامسة: إن التغطية الإعلامية للندوة لم تكن على مستوى خطورة المشكلة التي عالجتها، ولعل هذا يعكس وعيا متدنيا بمخاطر البيئة، أو عدم الترويج الإعلامي الكافي عن الندوة على رغم أن موضوع البيئة وآثارها الضارة موضوع خطير في البحرين، وهذا ما دفع الباحثين الذين أعدوا التقرير الاستراتيجي البحريني الذي أصدره مركز البحرين للدراسات والبحوث في أواخر العام 2009 لكي يجعلوا قضية البيئة هي القضية الأولى في قائمة القضايا الاثنتي عشرة المهمة التي شغلت الرأي العام، ولكن يبدو أن القضايا السياسية ذات البريق الإعلامي هي التي تحظى بالاهتمام بدلا من القضايا المعيشية الأكثر أهمية لأنها هي ركيزة حياة المواطن وبقائه، وهي مدار الحقوق الأولى والأساسية له وهي الحق في المعيشة والحق في بيئة نظيفة، والحق في التقدم، والحق في الرعاية الصحية، وهذا في تقديري أهم من الحقوق السياسية التي تخطف الاهتمام الإعلامي، مع عدم الإقلال بالطبع من أهمية تلك الحقوق أو القضايا السياسية.

وفي نفس السياق أي الاهتمام بالبيئة عقد مركز البحرين للدراسات والبحوث مؤتمرا دوليا في المنامة بعنوان «البيئة والموارد المائية والمستقبل» في الفترة من 8 – 10 فبراير/ شباط 2010 بالتعاون مع مركز التعاون البترولي في اليابان شارك فيه عدد من خبراء المركز بالإضافة إلى خبراء من اليابان والبحرين وعدد من دول الخليج الأخرى وذلك تحت رعاية رئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث محمد بن جاسم الغتم. وافتتحه الأمين العام للمركز عبدالله محمد الصادق الذي أبرز أهمية قضية البيئة.

السادسة: إن موضوع البيئة لا يرتبط فقط بالتلوث وإنما يمتد إلى ظاهرة الدفيئة والانبعاث الحراري الذي يؤدي إلى ارتفاع حرارة الكرة الأرضية وذوبان الثلوج في المحيط المتجمد الشمالي والمحيط المتجمد الجنوبي وقارة انتارتيكا ومن ثم ارتفاع منسوب المياه في البحار والمحيطات وهو ما يهدد بغرق كثير من الجزر والمناطق المنخفضة في الكثير من الدول. ولعل ذلك هو ما دعا الأمم المتحدة لإعطاء أهمية قصوى لظاهرة التغير المناخي وعقد مؤتمر دولي مهم في كوبنهاغن في ديسمبر/ كانون الأول 2009، ولكن للأسف لم يتوصل هذا المؤتمر إلى نتائج ملموسة لحدوث انقسام بين الدول الصناعية المتقدمة والدول الصناعية الناشئة والدول النامية، ومن ثم فإن عنوان الندوة وهو «التوازن بين التنمية الصناعية وبين البيئة» يعد عنوانا مهما وذا مغزى في هذا الصدد، ولعل من الأدلة على مخاطر أثر ارتفاع حرارة الكون وذوبان الثلوج وارتفاع مياه البحار هو غرق إحدى الجزر الصغيرة في خليج البنغال والتي تتنازع على ملكيتها كل من الهند وبنغلاديش والآن غطتها المياه. كما جاء في الأنباء في مارس 2010.

السابعة: وهي مناشدة نقدمها لمن يهمه الأمر من المسئولين والعلماء والباحثين والمثقفين بل وجموع المواطنين في دول العالم وهي ترتبط بفلسفة ومبدأ التوازن ونذكرهم بأهميته وخطورته وضرورته. ولقد اقتضت حكمة الله وسنته في الخلق أن يقوم هذا الكون على مبدأ التوازن الذي هو أحد المبادئ العامة في الحياة الطبيعية والحياة الاجتماعية، وأي اختلال لهذا التوازن ينذر بمخاطر كبرى. هذا التوازن لا يدركه أحيانا أو لا يدرك قيمته بعض السياسيين الهواة أو بعض المسيسين في العالم المعاصر، أو بعض قصار النظر ومحدودي الثقافة، فالتوازن بين المياه الدافئة وبين الثلوج هدفه حماية الأرض، والتوازن بين الخضرة والغابات وبين الصحاري، والتوازن بين السهول والجبال، والتوازن بين الحقوق والواجبات في الميدانين السياسي والاجتماعي وبين الخير والشر في مجال الأخلاق والسلوكيات، وبين الليل والنهار وبين فصول السنة. كل هذه التوازنات الطبيعية والاجتماعية هي أساس خلق هذا الكون وسر بقائه وعندما يحدث انعدام أو اختلال جذري في عملية التوازن هذه يحدث انهيار الكون وربما نهاية العالم وهناك الكثير من الآيات في القرآن الكريم التي تشير إلى ذلك، ولا مجال لسردها في هذا المقام.

ومن ثم فإن دارسي العلاقات والسياسة الدولية يدركون أهمية مبدأ التوازن الذي أقامته أوروبا في اتفاق فيينا العام 1815 وحافظ على العالم لمدة مئة عام وعندما وقع الاختلال بين القوى الدولية اندلعت الحرب العالمية الأولى ثم الثانية وهكذا، والآن مخا

إقرأ أيضا لـ "محمد نعمان جلال"

العدد 2760 - الأحد 28 مارس 2010م الموافق 12 ربيع الثاني 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً