الحجاج: أطره ومنطلقاته وتقنياته

مركز كانو الثقافي يقدم «قراءة في الخطابة الجديدة»

اختار الباحث توفيق الدعجي أن يستعرض مساهمة الأكاديمي الراحل عبداللّه صولة في كتاب «أهم نظريات الحِجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم» وذلك في المداخلة التي قدمها الدعجي في ندوة «درس الحجاج في الثقافة العربية عبدالله صولة نموذجا» بمشاركة سامي الرحموني، وصابر الحباشة، وعلي سلمان، وبإدارة الأكاديمي محمد النويري في مركز كانو الثقافي بحضور مجموعة من المثقفين والمهتمين ورواد المركز.

في البداية أشار الدعجي إلى أن «العمل الذي نروم التّعريف به في هذا المقال، هو مساهمة الأكاديمي الراحل عبداللّه صولة في مؤلَّف «أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم» بعنوان الحجاج: أطره ومنطلقاته وتقنياته من خلال «مصنّف في الحجاج - الخطابة الجديدة» لبرلمان وتيتكاه (حمّادي صمّود وفريق البحث في البلاغة والحجاج بالجامعة التّونسيّة. أهم نظريات الحِجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم من تأليف فريق البحث في البلاغة والحِجاج، 1998.)

ظهر «مصنّف في الحجاج - الخطابة الجديدة» العام 1958 وأعيد طبعه بعد ذلك طبعات كثيرة وقد اعتمد صولة في قراءته لهذا المصنّف طبعة العام 1992.

ورأى الباحث أنّ أهمّ غاية يرمي إليها هذا الكتاب هي إخراج الحجاج من دائرة الخطابة والجدل. «فقد عمل الباحثان من ناحية أولى على تخليص الحجاج من التّهمة اللاّئطة بأصل نسبه وهو الخطابة» المرتبطة «بالمغالطة والمناورة والتّلاعب بعواطف الجمهور وبعقله أيضا» (عبدالله صولة. الحجاج: أطره ومنطلقاته وتقنياته من خلال «مصنّف في الحِجاج - الخطابة الجديدة» لبرلمان وتيتكاه. ص 298) ومن ناحية ثانية سعى الباحثان إلى «تخليص الحجاج من صرامة الاستدلال الذي يجعل المخاطَب به في وضع ضرورة وخضوع واستلاب» ص 297. فالحجاج عندهما معقوليّة وحرّية وحوار لبلوغ الوفاق وحصول التّسليم برأي آخر بعيدا عن اعتباطيّة الخطابة ولا معقوليتها وعن إلزام الجدل واضطراره. وهذا يعني «أنّ الحجاج عكس العنف بكلّ مظاهره» ص 297. وقد كان مدار عمل صولة مسائلَ ثلاث هي في نظره لبّ نظريّة الحجاج عند برلمان وتيتكاه، وهي أطر الحِجاج، ومنطلقاته، وتقنيّاته.

1 - تعريف الحجاج:

يعرّف برلمان وتيتكاه الحجاج في معرض حديثهما عن موضوع نظريّة الحجاج بأنّه الخطاب الذي «يؤدّي بالأذهان إلى التّسليم بما يعرض عليها من أطروحات أو أن تزيد في درجة ذلك التّسليم» ص 299. ويعرّفانه عند حديثهما عن غرض الحجاج بالقول: «غاية كلّ حجاج أن يجعل العقول تذعن لما يطرح عليها أو يزيد في درجة ذلك الإذعان...» ص 299

وهو تعريف يثير مسائل عدّة منها:

2 - كيف يكون الحمل على الإذعان؟

يستنتج الباحث من كلام المؤلّفين أنّ تحقيق الاقتناع Conviction يقع في منطقة وسطى بين الاستدلال La démonstration والإقناعLa persuasion.

يقتضي الاستدلال أن تكون عناصر أحديّة المعنى Univoque بحيث تكون ممّا يفهمه النّاس جميعا. والاستدلال غير مرتبط بمقام مخصوص. والاستدلال بهذه الخصائص هو نقيض الحجاج الذي يعدّ التّعدّد والاختلاف والارتباط بالمقام خصائصه المميّزة. فالحجاج «مجاله الخطابة أو هو أقرب إلى الخطابة». ص 300

وقارن الباحث بين الحجاج والجدل من جهتي النّتائج ومفهوم الحقيقة. فالنّتائج في الجدل تستنبط من مقدّمات تفضي إليها ضرورة. بينما الحقيقة في الحجاج ليست مضمونة ولا هي واحدة أو ضروريّة أو موضوعيّة كما في الاستدلال، بل هي نسبيّة وذاتيّة إلى حدّ.

ورغم أنّ الحجاج ليس موضوعيا صرفا فإنّه أيضا ليس ذاتيّا صرفا، فهو ليس إقناعا على اعتبار الإقناع مبنيا على مخاطبة الخيال والعاطفة ومصادرة إعمال العقل وحريّة الاختيار، «إذ من مقوّمات الحجاج عند المؤلّفين: حرّيّة الاختيار على أساس عقليّ» ص 301 أي بواسطة الاقتناع لا الإقناع.

يقسم المؤلّفان الحجاج إلى قسمين بحسب نوع الجمهور هما الحجاج الإقناعي L>argumentation persuasive وهو موجّه إلى الجمهور الخاصّ، والحجاج الاقتناعي L>argumentation convaincante وهو ما يحدث فيه الإذعان والتسليم بإعمال العقل.

واستنتج صولة من نظرة المؤلّفين لأنواع الجمهور وردّه إلى ما يسمّى بالجمهور العام، أنّهما «يجعلان الاقتناع وهو عقليّ دائما أساس الإذعان وأساس الحجاج، وأنّ الإقناع بما هو ذاتيّ وضيّق لا يعتدّ به في الحجاج». ص 301

3 - ما علاقة الحجاج بالخطابة والجدل؟

يرى المؤلّفان أنّ الباعث على الحجاج هو وجود شكّ في مدى صحّة فكرة ما. والمحاجّة تفترض أنّ هناك فكرة ينبغي تدقيقها والتّشديد عليها. غير أنّ خصوم الخطابة لا يؤمنون بوجود حقائق متناقضة يتصدّى للدّفاع عنها خطيبان مختلفان ويمكن أن يؤمن بها جمهوران مختلفان. فالخطابة ينبغي أن تكون كما يراها أفلاطون، منضوية تحت مظلّة الحقيقة. وفي هذه الحالة لا تصبح هناك حاجة إلى الحجاج.

لكنّ الفلاسفة الرّافضين لمبدأ الحقيقة الواحدة، اضطروا إلى أن يضعوا في الحسبان إلى جانب العقل أهواء الإنسان، فتكون غاية الحجاج عندهم التّأثير في الإدراك من ناحية وفي الإرادة (الأهواء) من ناحية ثانية.

ولذلك عقد أرسطو مصنّفين للحجاج: المواضع اعتمد مناقشة الأطروحات مناقشة نظريّة مجرّدة، والثّاني وهو الخطابة واهتمّ فيه بخصوصيّات الجماهير التي تتلقّى الخطاب.

وقد اعتبر المؤلّفان أنّ هذا التّمييز بين النوعين المذكورين من التّأثير تمييز مغلوط.

ويرى المؤلّفان أن غاية الحجاج إحداث التّأثير العمليّ الذي يمهّد له التّأثير الذهنيّ. وهما بهذا يجمعان بين جدل أرسطو وخطابته. ولذلك عرّفا الحجاج بكونه «العلاقات الجدليّة القائمة بين الفكر والعمل». ص 304

وقد أدّى التّقسيم الثّلاثيّ لأنواع الخطابة كما يراها أرسطو، بعده إلى تفكّك الخطابة وألحق كلّ نوع من الخطب بمجال مختلف: المشوري بالفلسفة، والمشاجري بالجدل، والبرهاني (الأفودقطيقي) بالأدب.

ويرى المؤلّفان أنّ النّوع البرهانيّ الأفودقطيقي هو واسطة العقد في فنّ الإقناع، إذ يسعى إلى إحداث الإجماع حول بعض القيم التي يقول بها الجمهور. ويكون فيه استخدام كلّ طرائق فنّ الأدب جائزا .

وغايته مجرّد إنشاء الاستعداد للعمل، في حين أنّ النّوعين الآخرين المشوري والمشاجريّ غايتهما الانتهاء إلى العمل وإنشاؤه. ص 306

وبهذا أمكن للمؤلّفين أنْ يوحّدا كيان الخطابة الذي توزّعت أجزاؤه بين الفلسفة والجدل والأدب. ولمّا كان الحجاج عندهما حملا على الاقتناع أوّلا وعملا في ضوء ذلك الاقتناع ثانيا، فإنّه صار جامعا بين البرهانيّ الأفودقطيقي والمشاوريّ والمشاجريّ فبُعثت الخطابة من رميمها في ثوب جديد هو الحجاج. ص306

فهل يعني هذا أن الحجاج هو الخطابة عينها؟

الحجاج عند المؤلّفين غير الخطابة، يختلف عنها من جهتين:

1 - نوع الجمهور: جمهور الخطابة هو الجماعة المجتمعة في السّاحة تستمع إلى الخطيب. وجمهور الحجاج يمكن أن يكون عامّا حاضرا أو غائبا، ويمكن أن يكون الحجاج بين المرء ونفسه.

2 - نوع الخطاب: الخطاب في الخطابة شفويّ بينما في الحجاج يكون منطوقا كما يمكن أن يكون مكتوبا بل إنّ المؤلّفين يلحّان على المكتوب.

إنّ للخطاب الحجاجيّ تقنياته القائمة في جوهرها على زوج الفصل Dissociation والوصل Liaison الحجاجيين. ص307

ولكن للخطاب الحجاجيّ قبل أن يستوي كيانا مشكّلا من تقنيات حجاجيّة، منطلقات حجاجية، مدارها مقدّمات Des prémisses هي من قبيل المسلّمات عند الجمهور.

I- مقدّمات الحجاج والموافقة عليها

هي المقدّمات المتعلّقة بالقضايا التي منها يكون الانطلاقPropositions de départ. فهي نقطة انطلاق الاستدلال، ومنها:

1 - الوقائع: Les faits

تمثّل ما هو مشترك بين عدّة أشخاص أوبين جميع النّاس. والوقائع لا تكون عرضة للدّحض أو الشّكّ وهي تشكّل نقطة انطلاق ممكنة للحجاج. ص 308

2 - الحقائق:

أنظمة تقوم على الرّبط بين الوقائع. ومدارها على نظريات علميّة أو مفاهيم فلسفيّة أو دينيّة وقد يعمد الخطيب إلى الرّبط بين الوقائع والحقائق؛ ليحدث موافقة الجمهور على واقعة معيّنة غير معلومة. ص309

3 - الافتراضات: Les présomptions

تحدَّد الافتراضات بالقياس إلى ما هو عاديّ أو محتمل، رغم أنه متغير بتغير الحالات. ولذلك لا يكون الإذعان لها والتسليم بها قويّا ما لم تستند في مسار الحجاج إلى عناصر أخرى تقوّيها.

4 - القيم: Les valeurs

عليها مدار الحجاج، وهي نوعان: مجرّدة من قبيل العدل والحق، ومحسوسة من قبل الوطن والكنيسة.

5 - الهرميّات: Les hiérarchies

تخضع كلّ قيمة إلى هرميّة مّا فالجمال درجات والقبح درجات. وبين القيم هرميّة مّا فالعدل أفضل من النّافع، وهذه هرميّة مجرّدة. وبين المحسوسات هرميّة ما فالإنسان أعلى درجة من الحيوان مثلا. وهذه من قبيل الهرميات الماديّة المحسوسة. وإنّ هرميّة القيم في البنية الحجاجيّة أهمّ من القيم نفسها. وما يميز كلّ جمهور ليس القيم التي يسلّم بها بقدر ما يميّزه ترتيبه إيّاها. ص 310

6 - المعاني والمواضع: Les lieux

هي مقدّمات أعمّ من القيم والهرميات وتسمّى المعاني. وهي عبارة عن مستودعات للحجج. وهي من الطّرائق التي يستخدمها الخطيب طلبا للتّصديق.

ويمكن ردّ المقدّمات إلى نوعين اثنين: نوع مداره الواقع وهو المتّصل بالوقائع والحقائق والافتراضات، ونوع مداره المؤْثَرُ والمفضّل وهو المتّصل بالقيم وهرميّاتها.

II- اختيار المعطيات أو المقدّمات وكيف يتمّ جعلها حِجاجيّة؟

لابدّ للخطيب أن يختار من بين المقدّمات المتاحة ما يناسبه، ويجعلها ذات فاعليّة حجاجيّة. ويقع هذا الاختيار على أساس نوعيّة الجمهور المتلقّي للحجاج. ومن وسائل الانتقاء وسيلة الحضور ويتمّ ذلك باستحضار العنصر المنتقى للمحاجّة وإبرازه أمام أعين المخاطبين وفي أذهانهم.

III- طريقة عرض المقدّمات وشكل الخطاب:

«إنّ نجاعة العرض شرط ضروريّ لكلّ محاجّة هدفها التّأثير في جمهور السّامعين بتهيئتهم للعمل المباشر سلوكا وبتوجيه أذهانهم وجهة معيّنة فكرا» ص 316، 317 .

ومن طرائق العرض الحجاجيّ للخطاب الإيجاز في مواضع الإيجاز «فلا يعرض من المقدّمات ما هو معلوم لدى السّامعين فقد يبدو ذلك ثقيلا على أنفسهم» ص 317 والإطناب الذي يُحدث لدى السامعين الانفعالَ ويحرّك عواطفَهم. ومنها أيضا «اعتماد التّكرار لإبراز شدّة حضور الفكرة المقصود إيصالها والتّأثير بها». ص318 وأيضا، كثرة الإشارات إلى الدّقائق والرّقائق المتعلّقة بالموضوع تكثيفا لحالة الحضور التي يريد المحاجّ أن يطبع بها الموضوع في أذهان السّامعين.

«ومهما يكن من أمر فإنّ عرض المعطيات ينبغي أن يكون فيه المقال مطابقا للمقام من أجل حجاج ناجع ناحج معا». ص319

خاتمة

ختم عبد اللّه صولة هذا الفصل ببعض الخلاصات والاستنتاجات منها:

ـ فضل كتاب برلمان وتيتيكاه يتمثّل في أنّه حاول تخليص الحجاج من ربقة المنطق ومن أسر الأبنية الاستدلالية المجرّدة مقرّبا إيّاه من مجال العلوم الإنسانية والفلسفة والقانون.

ـ محاولة برلمان ربط الخطابة ببعد عقليّ يحفظها من أن تلتبس بالسّفسطة والمغالطة والمناورة. ولذلك تمثّل مشروعه في إقامة «خطابة جديدة» كما ينصّ على ذلك عنوان الكتاب الفرعيّ.

ـ أهمّ ما جاء به هذا الكتاب هو اعتبار الحجاج «حوارا» بين الخطيب وجمهوره. وليس هو استدلالا شكليّا ولا هو مغالطة أو مناورة وتلاعبا بالمشاعر والعقول.

ـ أهمّ أثر تركه الكتاب هو تعريف الحجاج نفسه الذي ظهر في بداية الكتاب.

العدد 2778 - الخميس 15 أبريل 2010م الموافق 29 ربيع الثاني 1431هـ




التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 2010-12-04 | 4:21 مساءً

      اريد تعريفا لاسلوب الحجاج

      ينقص هنا التعريف بالحجاج

اقرأ ايضاً