العدد 756 - الخميس 30 سبتمبر 2004م الموافق 15 شعبان 1425هـ

المنطقة وشبح التفكيك عشية الاستحقاقات الكبيرة

فكتور شلهوب comments [at] alwasatnews.com

تقف منطقتنا الآن على عتبة ستة استحقاقات كبيرة وربما فاصلة. خمسة منها تدور فصولها بين مطلع اكتوبر/ تشرين الأول ومطلع الربيع المقبل، فوق ساحاتها الملتهبة. وواحد خارجها لكن يتصل بها كلها ويحمل إلى حد بعيد مفاتيح التحكم بمصائره. الرزمة الأولى تشمل لبنان مع سورية مروراً بالسودان وإيران وانتهاء بالعراق والوضع الفلسطيني. أما الاستحقاق الآخر الذي بدأ يستحوذ على الشق الأكبر من الاهتمام فهو المتعلق بانتخابات الرئاسة الأميركية، ليس فقط بسبب اقتراب موعده، بل أيضاً واساساً لأن معه يتقرر ما إذا كان مشروع إعادة رسم خريطة المنطقة الذي باشرته إدارة الرئيس بوش، سيتواصل العمل به لمدة أربع سنوات أخرى وبهجمة كاسرة هذه المرة أكثر من ذي قبل، أم انه سينكفئ أو على الأقل يتفرمل، لو فاز منافسو بوش بالرئاسة.

القاسم المشترك بين جميع هذه الملفات هو انها مسكونة بهاجس التفكيك. أو على الأقل بالتخوف المشروع منه، في ضوء المؤشرات والتوجهات التي تنطق بها سياسات واشنطن حيال هذه القضايا. ويفاقم من خطر هذا الهاجس ان المنطقة في حال تراجع وضعف تماسك مخيفين.

اقرب هذه الاستحقاقات تقرير الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، المتوقع رفعه إلى مجلس الأمن يوم 3 اكتوبر بحسب القرار 1559. لاستباق صدوره بصيغة تؤدي إلى شحن القرار بذخيرة سلبية، نشطت الدبلوماسيتين اللبنانية والسورية أخيراً في أروقة الأمم المتحدة، كي يأتي هذا التقرير بما يقطع الطريق على أي تصعيد من خلال مجلس الأمن. لكن على أهمية هذا النشاط وعلى أهمية ما قد يطلع به كوفي عنان، إلا ان المشكلة لن تكون في التقرير كيفما كان محتواه. المشكلة، أو بالأحرى التحدي كان في ما استهدفه القرار 1559 بالأصل وبالعمق، وهو فك علاقة التحالف اللبناني - السوري، ببعدها الإقليمي والقومي. ما جاء في هذا القرار بشأن السيادة اللبنانية والانتخابات الرئاسية و... صحيح من حيث المبدأ لكن الزعم بأن القرار صدر من باب الحرص على هذه المسائل وعلى ضرورة تمتع لبنان بها، فهو أقرب إلى المزحة أو إلى كذبة نيسان في أحسن أحواله. لاشك ان ما شهده لبنان أثناء عملية التمديد كان اشبه بمسرحية مفضوحة. لكن هذا شيء وزعم الاهتمام البرّاني بلبنان وبعافيته السياسية شيء آخر.

كما لاشك ان العلاقات اللبنانية - السورية، وباعتراف طرفيها، معطوبة إلى حد الفضيحة. لكنها في جانب منها أزعجت وتزعج المشروع الأميركي - الإسرائيلي في حلقته الراهنة، وبالتالي مطلوب إزالة هذا لإزعاج، بفرط هذه العلاقة عن طريق اللعب على شوائبها وركب موجة التذمّر منها ومن تداعياتها المتراكمة التي باتت عبئاً ثقيلاً على لبنان وسورية معاً.

بعد اللبناني - السوري يأتي الاستحقاق السوداني وأيضاً من خلال مجلس الأمن الذي رفع سيف المقاطعة في وجه الخرطوم. فمشكلة دارفور تفاقمت وجرى رفعها بسرعة إلى واجهة الحوادث - وهي التي تتفاعل وتتجرجر منذ مطلع الثمانينات من غير ان تحظى بأي اهتمام -، وكأن مشكلة الجنوب لم تكن كافية لادخال السودان في نفق التقسيم، من خلال تسوية يكاد يجمع المراقبون على انها ليست سوى مدخل لانفصال الجنوب. واليوم تبرز دارفور التي تشير المعطيات إلى أن الخرطوم ساهمت في إبراز أزمتها فوقعت في الفخ، إذ لم ترضح فقط لقرار مجلس الأمن وترضى به مرغمة، بل أيضاً سارعت إلى استباق الأمور وأعلنت موافقتها على «حكم ذاتي» لتلك المنطقة. وفجأة تحول الحديث عن وضع فيدرالي كصيغة لسودان جديد يمكنه من تجاوز نزاعاته الداخلية. وإذا كانت الفيدرالية عنصر لحمة وتوحيد عندما تنطلق من واقع مجزأ، فإن العكس صحيح. اي انها تكون عامل تفكيك محتمل - إذا لم يكن مرجّحاً - عندما تنبثق عن واقع مركزي موحّد، كما هي الحال بالنسبة للسودان.

ثم يأتي دور إيران مع حلول 25 نوفمبر/ تشرين الثاني، إذ تنتهي المهلة المعطاة لها للكشف عن جميع جوانب مشروعها النووي. عملياً للبدء في تفكيك هذا المشروع، والا التهديد بإحالة الملف إلى مجلس الأمن والتلويح بفرض عقوبات تستحضر المسلسل العراقي الذي انتهى إلى ما هو معلوم. وتستقوي الإدارة الأميركية في ذلك، بمقبولية أوروبية وتفهّم روسي آخذ في التبلور والانحياز إلى خندق واشنطن أكثر فأكثر بعد فاجعتها الإرهابية الأخيرة.

أما الحال العراقية، فهي بما وصلت إليه من تصعيد ودموية وفوضى أمنية وسياسية، تبدو المرشح الأقوى لدخول هذه الحلبة الجهنمية، وزير خارجية إسبانيا، ميغيل مارتينوس، حذر صراحة قبل أيام قليلة من ان هناك «عملية خطيرة جداً قد تؤدي إلى تفكيك العراق»! فما حملته الآونة الأخيرة - وخصوصاً خلال زيارة علاوي لواشنطن - من مؤشرات وتلميحات انطوت عليها تصريحات ومداولات أميركية توحي بأن المرحلة القريبة المقبلة مفتوحة على المزيد من الخراب، ليس فقط الأمني والسياسي بل أيضاً الكياني. أبرز هذه المؤشرات يتمثل في ثلاثة: 1- اصرار على إجراء الانتخابات في العراق بموعدها أواخر يناير/ كانون الثاني المقبل وبمن حضر، وذلك على رغم وجود اجماع في أوساط المراقبين وحتى من بين الأميركيين بأن المدة المتبقية في ظل الحال الراهنة وغياب التحضيرات الإدارية اللازمة تجعل من شبه المستحيل حصول انتخابات بالحد الأدنى المقبول من المشروعية. وبالتالي فإن الإصرار على انتخابات ولو جزئية ينطوي على خطر عزل فئة معينة - هي الشيعة بحكم اشتغال منطقة المثلث السني - أو بالأصح ينطوي على تعمّد عزل هذه الفئة وبما يكفل تأجيج الصراعات الداخلية ولاسيما ان تقارير أميركية نسبت إلى مصادر رسمية موثوقة قولها إن هناك قراراً اتخذ لحسم الأمر في الفلوجة واجتياحها فوراً بعد انتخابات الرئاسة الأميركية. الأمر الذي يكفل صبّ الزيت على النار وزيادة تأزيم الوضع بحيث تكون جزئية الانتخابات عملية تحصيل حاصل. 2- كلام وزير الدفاع رامسفيلد بأن العراق «لن يكون واحة سلام»! فعلى حد ما هو معلوم ان إدارة بوش شنّت حربها بزعم انها ارادت «تحرير» العراق وجعله تجربة ديمقراطية رائدة في المنطقة. فماذا عدا مما بدا حتى يعلن رامسفيلد خلاف ذلك؟ هل يندرج كلامه في خانة التمهيد لإدخال العراق في «العملية الخطيرة» التي حذر منها الوزير مارتينوس؟ 3- ما تسرّب قبل أيام عن مسئولين في الإدارة الأميركية من معلومات، أشار إليها المعلق المعروف روبرت نوفاك «الواشنطن بوست» تفيد بأن واشنطن باتت تميل إلى البدء «بخفض» قواتها في العراق ابتداء من العام المقبل، يعني حصر الوجود الأميركي في قواعد محصّنة وسحب الباقي، مع ترك المهمات الأمنية في المدن والمناطق على عاتق القوة العراقية الناشئة. وإذا حصل ذلك، في أعقاب انتخابات جزئية - هي ستكون مشبوهة أصلاً حتى لو كانت شاملة لأنها جرت تحت الاحتلال -، وفي ضوء ما يبشّر به رامسفيلد، فهل يكون سوى خطوة أخرى لترتيب المسرح الداخلي بصورة تضمن ولادة صراعات متناسلة عن بعضها على غير انقطاع؟ الأمر الذي يدعو إلى التساؤل عما إذا كانت إدارة بوش حسمت خيارها الاستراتيجي وتخلّت عن هدف بناء عراق جديد موحّد يكون قدوة في المنطقة - كما زعمت من الأساس - بعد ان استعصى عليها تطويعه، وذلك لصالح الخيار الآخر الذي أشار إليه معلق «نيويورك تايمز» ج. كروغمن بأنه «إذا تعذر جعل العراق صديقاً أو حليفاً، عندئذٍ لا بأس من تركه شبه ممزق ومشلول». أو ربما لصالح الخيار الذي طرحه مرة رئيس مجلس العلاقات الخارجية لاسلي جلب عندما قال: انه من المتعذر إعادة اللحمة لوحدة العراق وإن الحل الأفضل هو «تقسيمه إلى شمال، وسط وجنوب»!

وفيما تحوم غيومه فوق هذه الملفات فإن التفكيك في الأراضي الفلسطينية تجري الاستعدادات الإسرائيلية له على قدم وساق، فقرار فك غزة عن الضفة اتخذته حكومة شارون والتنفيذ كما تشير المعطيات والقرارات بات عملية وقت، لا يتجاوز دخول العام المقبل. طبعاً تحت يافطة «الانسحاب» من جانب واحد وتحت غطاء «الانسحاب» الملغوم - باعتبار انه من السهل تسويق هذه العبارة، تجرى عملية الاستفراد بالضفة لتنتيفها بين الجدار وتوسيع المستوطنات ومصادرة المزيد من الأراضي للتعويض على مستوطني غزة، في مسعى واضح ليس فقط لدفن أي أمل بتسوية سياسية بل أيضاً لتطفيش فلسطينيي الضفة، من خلال جعل حياتهم جحيماً لا يطاق. وتجري الأمور في هذا الاتجاه في ظل وضع فلسطيني سياسي بائس لا يقوى على الالتفاف حول برنامج عمل موحد بقيادة وطنية جامعة واحدة كما في ظل وضع عربي لا يحتاج إلى شرح.

لكن أخطر ما في المشهد هو ان مجريات حملة انتخابات الرئاسة الأميركية، تشير من جميع جوانبها، إلى أن على العالم الاستعداد لأربع سنوات أخرى من حكم بوش وإدارته، التي أكد نائب الرئيس تشيني في خطابه أمام مؤتمر الحزب الجمهوري أواخر أغسطس/ آب الماضي أن هذه الإدارة عازمة على الاستمرار في السياسة الخارجية التي اعتمدتها في ولايتها الأولى. وإذا كانت كل المؤشرات ترجح استمرار الإدارة في تركيبتها الحالية للولاية الثانية فإنه عندئذٍ لن يكون من باب المجازفة القول إن الشرق الأوسط مقبل على سنوات أربع عجاف، قد يترحم خلالها على السنوات الأربع الماضية. ذلك انه إذا كانت ضرورات ودواعي إعادة انتخابه مرة ثانية قد لجمت إلى حد ما اندفاع بوش وفريقه في مجال تطبيق سياسة «الحروب الاستباقية»، فإن هذه الإعادة، إذا تحققت فإن من شأنها ان ترفع أية قيود من طريقه، لأنه لن تكون أمامه لا انتخابات أخرى ولا هم يحزنون. وتهيئة الأجواء لمثل هذا الانفلات بصورة أو بأخرى جارية فصولها الآن من خلال مجلس الأمن الذي بات الممر التبريري لسياسات الاستباق والتفكيك. وما يصبّ في تزخيم هذه السياسات والقدرة على تسويقها هو ان المستهدفين بها باتوا اسرى جمودهم وبالتالي انعدام قدرتهم على مغادرة أسباب ضعفهم والانفكاك عنها، ما يجعلهم لقمة سائغة أمام المفكك الأكبر، تجعلهم يهرولون لاسترضائه، لكن بغير طائل أو جدوى

العدد 756 - الخميس 30 سبتمبر 2004م الموافق 15 شعبان 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً